تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتُقرَع فيه طبول الحرب في الخليج، يعود التساؤل إلى الواجهة في الأوساط الاقتصادية؛ ما مصير الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، المعروفة بـ "الأموال الساخنة"؟ وهل تدفعها أجواء عدم اليقين إلى مغادرة الأسواق الناشئة، أم أن ارتفاع العائد في السوق المصري قد ينجح في الاحتفاظ بها؟ وهو ما يفسره خبراء الاقتصاد في هذا التقرير.
استثمارات غير مباشرة
يوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمد أبو نار أن ما يُطلق عليه "الأموال الساخنة" (Hot Money) في لغة الاقتصاد هو الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة التي تتجه عادة إلى أدوات الدين الحكومية أو أسواق المال بحثاً عن عوائد مرتفعة.
ويشير إلى أن هذه الاستثمارات تتميز بسرعة حركتها؛ إذ تدخل الأسواق لشراء أذون وسندات الخزانة أو الأسهم في البورصة للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، لكنها قد تغادر بالسرعة نفسها عند تصاعد المخاطر السياسية أو الاقتصادية، الأمر الذي يجعلها بمثابة مؤشر سريع لثقة المستثمرين في الاقتصاد.

د. محمد أبو نار
استثمار أم مجرد "مسكنات"؟
ويرفض د. أبو نار بشدة وصف الأموال الساخنة بأنها مجرد "مسكنات" للاقتصاد"، مؤكداً أنها في الأساس استثمار في المحافظ المالية يسهم في تمويل أدوات الدين الحكومي ودعم ميزان المدفوعات، وهو ما ينعكس في النهاية على استقرار سعر الصرف.
القاعدة الذهبية
ويضيف أن القاعدة الذهبية في عالم الاستثمار تقوم على تعظيم العائد وتقليل المخاطر، ولذلك يوصف رأس المال بأنه "جبان"، إذ يتجه عادة إلى الأسواق الأكثر استقراراً عند اندلاع الأزمات.
درس مارس 2022
وعن المخاوف من خروج هذه الاستثمارات في ظل التوترات الحالية، يتفق كل من الخبير المصرفي محمد أبو نار وخبير الاقتصاد والمالية العامة الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، على أن التجربة التي مرت بها مصر في مارس 2022 مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية كانت بمثابة درس مهم لصانعي السياسات.

د.وليد جاب الله
ويقول د. أبو نار إن السوق المصرية شهدت آنذاك خروج استثمارات أجنبية تقدر بنحو 22 مليار دولار، وهو ما دفع الدولة إلى تبني نهج أكثر حذراً في التعامل مع هذه التدفقات.
ويؤكد أن الوضع الآن يختلف إلى حد كبير، إذ تشير التقديرات إلى أن أقصى حجم محتمل لخروج الأموال الساخنة حالياً قد لا يتجاوز 4 مليارات دولار، وهو رقم محدود مقارنة بما حدث في عام 2022.
سلاح ذو حدين
ويرى د. جاب الله أن الأموال الساخنة تمثل سلاحاً ذا حدين في الاقتصادات الناشئة؛ فمن ناحية توفر هذه التدفقات مصدراً سريعاً للسيولة الأجنبية، لكنها من ناحية أخرى شديدة الحساسية للأزمات وقد تغادر الأسواق بسرعة عند ارتفاع مستوى المخاطر.
ويشير إلى أن مصر واجهت هذا التحدي أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، إلا أن التجربة ساعدت صناع القرار على تطوير أدوات للتعامل مع هذه الظاهرة.
أدوات المواجهة
وبحسب د. جاب الله، فإن قدرة الاقتصاد المصري الآن على التعامل مع خروج جزء من هذه التدفقات تعززت بفضل عدة عوامل، من بينها ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي تجاوز 52 مليار دولار، إضافة إلى امتلاك الحكومة والبنك المركزي مجموعة من الأدوات للتعامل مع تقلبات الأسواق.
ومن بين هذه الأدوات إدارة أسعار الفائدة، ومتابعة اتجاهات حركة رؤوس الأموال العالمية، وتعزيز جاذبية الاقتصاد المصري للمستثمرين من خلال إبراز عوامل الاستقرار النسبي مقارنة ببعض الأسواق الأخرى.
كما يشير د. جاب الله إلى أن ترشيد الإنفاق وتبني سياسات مالية أكثر انضباطاً قد يسهمان أيضاً في تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة على المدى الطويل.
استراتيجية استباقية
ويتفق مع هذا الرأي الخبير المصرفي د. محمد أبو نار، موضحاً أن الدولة المصرية أصبحت تتعامل مع هذه الاستثمارات باعتبارها تدفقات سريعة الحركة وليست مصادر تمويل دائمة، وهو ما دفعها إلى تبني استراتيجية استباقية تقوم على إدارة المخاطر بدلاً من رد الفعل المتأخر.
ويشير إلى أن استقرار سوق المال وعدم اضطرار البنك المركزي حتى الآن إلى رفع أسعار الفائدة بصورة طارئة يعكس درجة من التماسك في الموقف الاقتصادي رغم التوترات الإقليمية.
كما يتوقع د. أبو نار أن يلجأ البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة بشكل وقائي إذا استدعت الظروف، بهدف الحفاظ على جاذبية السوق المصرية للمستثمرين الأجانب، خاصة أن مصر ما تزال من الأسواق التي تقدم عوائد مرتفعة مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة.
طول أمد الحرب.. الخطر الحقيقي
لكن د. أبو نار يحذر في الوقت نفسه من أن إطالة أمد الصراع في المنطقة قد تمثل الخطر الأكبر، ليس فقط على الاقتصاد المصري بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.
ففي الحالة المصرية قد تتأثر مصادر رئيسية للنقد الأجنبي، مثل إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، خصوصاً إذا أدى التصعيد العسكري إلى تعطيل حركة التجارة أو إغلاق مضيق هرمز.
ويضيف أن استمرار التوترات قد يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً، وهو ما قد ينعكس في النهاية على معدلات التضخم وسلاسل الإمداد.
ويؤكد د. جاب الله أن العالم لن يتحمل استمرار الحرب لمدة عام أو عامين، إذ قد يفرض ذلك ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد العالمي من خلال ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو وصعوبة توفير السلع الأساسية للمواطنين في مختلف الدول، خاصة في ظل حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي التي تشهدها العديد من القوى الكبرى.
الحسابات السياسية للحرب
وقد ترتبط تطورات الصراع أيضاً بحسابات سياسية داخلية في الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ويشير د. جاب الله إلى أن التاريخ السياسي الأمريكي يُظهر أن بعض الإدارات قد تلجأ إلى التصعيد الخارجي أو إدارة الصراعات الدولية في فترات الانتخابات، سواء لتعزيز الحضور السياسي أو للدخول في مفاوضات وصفقات كبرى.
ويضيف أن ترامب اشتهر بأسلوب يقوم على إدارة الأزمات ثم تحويلها إلى صفقات سياسية أو اقتصادية، وهو ما ظهر في عدد من الملفات الدولية والتجارية خلال فترة حكمه، سواء في علاقاته التجارية مع الصين أو في ملفات أخرى شائكة مثل كوبا وملفات دولية أخرى.
ويرى أن هذه الحسابات السياسية قد تلعب دوراً في إطالة أمد التوترات العالمية، وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصاد الدولي من خلال زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق المالية والاستثمارية.
وساطة العقلاء
وفي ختام حديثه دعا د. أبو نار إلى ضرورة تدخل القوى الدولية الكبرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، للعمل على احتواء التوترات ووقف التصعيد، مؤكداً أن استمرار الحرب لن يخلّف سوى خسائر اقتصادية واسعة لن تستثني أحداً.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية