تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : من القصر إلى الزنزانة.. رؤساء بلا حصانة
source icon

سبوت

.

من القصر إلى الزنزانة.. رؤساء بلا حصانة

كتب:سعاد طنطاوي

في عالمٍ يُفترض أن تحكمه نصوص «السيادة» ومواثيق الأمم المتحدة، تطلّ علينا صفحات التاريخ السياسي بواقع أكثر قسوة ومرارة؛ واقع يكشف أن شرعية صناديق الاقتراع وحصانة الرؤساء ليستا سوى «دروع من ورق» أمام طموحات القوى العظمى، فمن الاغتيال في الخفاء، إلى الاعتقال المُهين، وصولًا إلى المحاكمات العابرة للحدود، سقط زعماء دول ذات سيادة ضحايا لتدخلات فُرضت بموازين «القوة» لا بنصوص «القانون»، ليصبح السجن أقرب إلى الرؤساء من قصورهم متى قررت القوى الكبرى تغيير قواعد اللعبة.

التصفية المبكرة
بدأت الحكاية مبكرًا في ستينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع باتريس لومومبا، أيقونة الاستقلال في الكونغو الديمقراطية، لم يشفع له انتخابه الشعبي ولا رغبته في استعادة موارد بلاده من قبضة الاستعمار، فوجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مخابرات دولية أمريكية وبلجيكية، انتهى به المطاف مُصفّى جسديًا في يناير 1961 بأيدٍ محلية، لكن بتخطيط دولي، في رسالة مبكرة لدول الجنوب مفادها أن «السيادة لها حدود يرسمها الأقوياء».

ضحايا اليوم
لم يكن الخصوم وحدهم في دائرة الاستهداف، بل امتدت يد القوى الكبرى إلى حلفائها، فـ نغو دينه ديم، رئيس فيتنام الجنوبية، كان أحد أعمدة السياسة الأمريكية في مواجهة الشيوعية، لكنه حين فشل في إدارة المشهد وفق الرؤية الاستراتيجية المطلوبة، رُفعت عنه المظلة، وبدعم صامت من واشنطن، نُفذ انقلاب عسكري انتهى باغتياله وشقيقه عام 1963، ليؤكد أن السيادة مشروطة بخدمة المصالح الكبرى.

صناديق الاقتراع لا تحمي 
في تشيلي عام 1973، سقط سلفادور أليندي، الرئيس الذي جاء عبر صناديق الاقتراع ليُخلع بالقوة المسلحة، مشروعه لتأميم النحاس اصطدم بمصالح الشركات الأمريكية، فجاء الرد بحصار اقتصادي ونشاط استخباراتي مكثف لزعزعة الاستقرار، انتهى المشهد بمقتله داخل القصر الرئاسي، لتبقى قصته شاهدًا على هشاشة الشرعية الانتخابية حين تتعارض مع مصالح الكبار.

من الغزو إلى المحاكمات الدولية
تطورت أدوات التدخل مع مرور الزمن من الاغتيال الصامت إلى القوة العسكرية المباشرة، ففي عام 1989 غزت القوات الأمريكية بنما لاعتقال رئيسها مانويل نورييغا ونقله لمحاكمته وفق القوانين الأمريكية بتهم تهريب المخدرات، وبعدها بسنوات، شهد العالم احتلال العراق عام 2003، الذي انتهى باعتقال الرئيس صدام حسين ومحاكمته تحت إشراف الاحتلال، في واحدة من أكثر صور انتهاك السيادة وضوحًا.

فيدل كاسترو و600 محاولة اغتيال
رغم أن فيدل كاسترو، رئيس كوبا، لم يُقتل أو يُعزل بالقوة العسكرية المباشرة، فإنه واجه أكثر من 600 محاولة اغتيال موثقة، تنوعت بين التسميم والكمائن، بدعم من وكالة الاستخبارات الأمريكية، منذ وصوله إلى الحكم عام 1959، وتعكس هذه الحالة نمطًا آخر من التدخل، يعتمد على الأدوات الاستخباراتية بدلًا من التدخل العسكري، ويؤكد أن الرئيس المنتخب أو الثائر على النفوذ الخارجي لا يكون بالضرورة في مأمن من القوى الكبرى.

ليبيا وفنزويلا
لم يتوقف المسلسل؛ ففي عام 2011 سقط معمر القذافي تحت ضربات حلف الناتو، التي انطلقت تحت غطاء «حماية المدنيين» وانتهت بتصفية رأس النظام، واليوم يتكرر المشهد مع نيكولاس مادورو في فنزويلا، عبر الحصار والعقوبات، وصولًا إلى اعتقاله وزوجته ومحاكمتهما بتهم قضائية أمريكية، في استمرار فج لنمط الهيمنة التاريخي.

قانون القوة
يرى الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن ما يحدث ليس صدفة، بل تعبير عن نظام دولي قائم على القوة، حيث أثبت الواقع أن القوة ما زالت المفتاح الأساسي لفهم التفاعلات السياسية الدولية، إلى حد يجعل الساحة الدولية تبدو قبيحة بفعل ما يفرضه الأقوياء على الضعفاء من مظالم.

ويستشهد بتجربة هتلر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وبممارسات بنيامين نتنياهو حاليًا في فلسطين وخارجها، مؤكدًا أن التطور النظري في القانون الدولي لم يصاحبه تطور حقيقي في آليات إنفاذه، إذ يفرض الأقوياء قانونهم حتى على قرارات الشرعية الدولية، كما حدث في قرار تقسيم فلسطين عام 1947، أو في تعطيل تنفيذ قرارات مثل مجلس الأمن رقم 242.

ويضيف أن العالم يشهد اليوم موجة جديدة من جنون القوة، بدأت بالإبادة الجماعية في فلسطين، وتتواصل بالسلوك الأمريكي تجاه فنزويلا، والحالات الفيتنامية والأفغانية والعراقية، مشيرًا إلى أن واقعة اختطاف الرئيس الفنزويلي لها سابقة مطابقة مع رئيس بنما قبل 36 عامًا، وبنفس التهمة.

ثنائية الخصم والحكم
ويحذر د. أحمد من خطورة ما يسميه «ثنائية الخصم والحكم»، حيث تجتمع في شخص واحد سلطة الاتهام والتنفيذ والعقاب، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي، مع التلويح بأن المصير ذاته ينتظر كل من يختلف مع القوى الكبرى.

ويؤكد أن الخبرة التاريخية تشير إلى أن هذا النوع من السلوك لا بد أن يولد مقاومة، وإن كان توقيتها وحدتها يتوقفان على عوامل متعددة تتطلب قراءة دقيقة لاستشراف المستقبل.

مسلسل مستمر
من جانبها، ترى الدكتورة أحلام فرهود، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة حلوان، أن هذه الوقائع لم تكن استثناءات، بل نمطًا متكررًا في العلاقات الدولية، تُستخدم فيه القوة العسكرية أو النفوذ السياسي أو الأدوات القانونية الدولية لتحقيق الهيمنة، وتؤكد أن هذا النمط لم ينتهِ، بل ما زال مستمرًا بأشكال مختلفة، من ضغوط اقتصادية وعقوبات وتدخلات في الشؤون الداخلية.

وتشير إلى أن الأساليب تغيرت، لكن الأدوات الرئيسية ما زالت ثلاثًا؛ تأليب الشعوب على حكامها، زرع عناصر موالية داخل الأنظمة، أو التدخل العسكري المباشر، كما في حالة العراق، معتبرة أن حالة مادورو ليست سوى مثال صارخ على انتقائية السياسة العالمية حين تتعارض حقوق الإنسان مع مصالح القوى الكبرى.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية