تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
منذ نشأتها، عاشت السينما المصرية حالة شدٍّ وجذب مستمرة بين الإبداع الفني من جهة، والرقابة أو القضاء من جهة أخرى، في صدامات متكررة أسفرت عن منع أو تأجيل عرض عدد من الأفلام بقرارات رقابية أو إدارية، لم تُحسم إلا بعد اللجوء إلى ساحات القضاء، وبينما خرجت بعض هذه الأعمال إلى النور بأحكام قضائية، لا تزال أعمال أخرى حبيسة الانتظار بين الرفض والإجازة.
ومن بين أحدث هذه القضايا، فيلم «الملحد» المعروض حاليًا، والذي سبقه عدد من الأفلام المثيرة للجدل، مثل «حلاوة روح» و«المهاجر»، فيما تنتظر أفلام أخرى مصيرها، من بينها «التاريخ السري لكوثر» و«الجواهرجي»، وتُعد الرقابة على المصنفات الفنية الجهة الرسمية المنوط بها قانونًا منح أو سحب تراخيص عرض الأعمال الفنية، إلا أن النزاعات المرتبطة بقراراتها غالبًا ما تنتقل إلى أروقة المحاكم الإدارية، التي تفصل فيها بالقبول أو الرفض، وفي كثير من الحالات، لا يصدر المنع بحكم قضائي مباشر، بل بقرار إداري أو رقابي يُطعن عليه لاحقًا أمام القضاء.
صدام قديم يتجدد
وتُعد أزمة فيلم «الملحد»، من تأليف الكاتب إبراهيم عيسى وإخراج محمد العدل، واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ منع ثم عرض الأفلام بأحكام قضائية، ورغم حدتها، فإنها لا تمثل سابقة فريدة، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الصدامات بين حرية الإبداع ومحاولات الوصاية الفكرية.
بدأت الأزمة مع عرض البرومو الدعائي للفيلم، أعقبه تصعيد حاد تمثل في تهديدات من المحامي مرتضى منصور بمنع الفيلم ومحاكمة صنّاعه، قبل أن يقيم دعوى قضائية طالب فيها بإلغاء ترخيص عرضه بدعوى «إساءته للدين الإسلامي»، وعلى إثر هذه الدعوى، صدر تقرير هيئة المفوضين، الذي أوصى – وفقًا لبيان منصور – بقبول الدعوى وإلغاء الترخيص الصادر للفيلم ومنع عرضه.
وكانت الرقابة على المصنفات الفنية قد أجازت الفيلم بالفعل في عهد الدكتور خالد عبد الجليل، ووافقت على عرضه وحددت له موعدًا وعرضًا خاصًا، إلا أن قرارًا مفاجئًا بوقف العرض صدر من عدة جهات، مع تأجيل طرح الفيلم بدعوى حالة الجدل والبلبلة التي أثارها الإعلان عنه، بالتزامن مع إقامة عدد من الدعاوى القضائية ضده.
في المقابل، تمسك الكاتب إبراهيم عيسى بالدفاع عن العمل، مؤكدًا أن الفيلم يقدم معالجة فنية لقضية التشدد الديني، ولا يروج للإلحاد أو يسيء إلى الأديان، معلنًا استمراره في الدفاع عنه حتى خروجه إلى الجمهور.
حيثيات الحكم تنتصر للفيلم
وبعد جولات من الجدل والمرافعات، أصدرت الدائرة الثالثة بمحكمة القضاء الإداري حكمها برفض الدعاوى المطالبة بسحب ترخيص فيلم «الملحد»، وأكدت المحكمة في حيثياتها أن العمل الفني لا يتضمن أي تحريض على الإلحاد أو مساس بالقيم الدينية، وأن حرية الإبداع، المصونة دستوريًا، تعلو على دعاوى لم يقدم أصحابها دليلًا واحدًا يثبت ادعاءاتهم، واصفة تلك الادعاءات بأنها لم تتجاوز «القول المرسل»، وصدر الحكم برئاسة المستشار الدكتور فتحي محمد السيد هلال، وعضوية عدد من مستشاري مجلس الدولة، وبحضور مفوض الدولة.
وأوضحت المحكمة أن النيابة العامة ليست جهة اختصاص في تحريك الدعاوى أمام القضاء الإداري لوقف أو سحب تراخيص الأعمال الفنية، وأن الجهة الإدارية المختصة – وهي الرقابة على المصنفات الفنية – تملك وحدها سلطة المنع أو السحب متى توافرت أسباب قانونية واضحة.
وأكدت الحيثيات أن القوانين المنظمة للرقابة لا تجيز المنع إلا في حال تعارض العمل مع الآداب العامة أو القيم الدينية أو النظام العام، وهو ما لم يتوافر في هذه الحالة، خاصة أن تقرير الرقابة أكد أن الفيلم يروي قصة شاب يتمرد على تشدد والده قبل أن يعود إلى الدين، دون تمجيد للإلحاد أو إساءة للأديان السماوية.
واستشهدت المحكمة بأحكام المحكمة الدستورية العليا التي أكدت أن السينما من أهم وسائل التعبير، وأن الإبداع لا يُقَيَّم إلا بوصفه عملًا فنيًا متكاملًا. كما شددت على أن حرية التعبير، وإن لم تكن مطلقة، فإن تقييدها لا يكون إلا بضوابط صارمة وفي أضيق الحدود، حفاظًا على توازن المجتمع دون مصادرة الفكر.
وردّت المحكمة على الجدل المثار حول عنوان الفيلم، مؤكدة أن مناقشة ظاهرة الإلحاد في عمل فني أمر مشروع، بل قد يسهم في كشف أسبابها والحد من آثارها، مشيرة إلى أن ربط الإلحاد بالتشدد الديني لا يمثل إساءة للدين ذاته، لأن «الدين من المتشددين براء»، وانتهت المحكمة إلى رفض الدعاوى وإلزام رافعيها بالمصروفات.
جهة الاختصاص الوحيدة
وفي هذا السياق، أكد المخرج الكبير مجدي أحمد علي أن القانون ينص بوضوح على أن الرقابة على المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة هي الجهة الوحيدة المخولة بمراقبة الأعمال الفنية ومنح أو سحب تراخيصها، منذ مرحلة السيناريو وحتى النسخة النهائية، وأوضح أن القضاء لا يتدخل إلا استثناءً حال الاعتداء على القانون ذاته، مشيرًا إلى أن الدستور المصري يكفل حرية التعبير والإبداع، ولا يجرّم سوى الدعوة إلى العنف أو العنصرية أو التشهير بالأشخاص.
وأضاف أن أي مناخ تسوده الحرية هو المناخ الحقيقي لازدهار الفن، مؤكدًا أن التعبير بالفن أكثر جدوى وتأثيرًا من الانزلاق إلى مسارات التطرف.
رؤية نقدية مستنيرة
من جانبه، يرى الناقد عصام زكريا أن منع فيلم «الملحد» لم يكن رقابيًا ولا مجتمعيًا، بل جاء نتيجة تدخل ما يُعرف بـ«الطرف الثالث»، وهو نمط متكرر في أزمات السينما، حين تُرفع دعاوى قضائية أو تُثار حملات إعلامية ضد فيلم ما، فيجد نفسه عالقًا بين المحاكم والرقابة.
وأكد أن الفيلم كان حاصلًا على تصريح رسمي بالعرض، وأن وقف عرضه جاء لأسباب غير واضحة، ما استدعى تدخل القضاء. واعتبر أن خروج الفيلم إلى النور يعكس حالة من الاستنارة القضائية والانحياز لصالح السينما، وانتصارًا لقرار الرقابة باعتبارها الجهة الأقدر على تقييم خطورة أو أهمية عرض الأعمال الفنية على المجتمع.
هجوم على الإبداع
بدوره، يقول المؤلف مدحت العدل إن المحاكم لم تمنع يومًا أعمالًا سينمائية ترى أنها في صالح المجتمع، معتبرًا أن ما أُثير حول الفيلم كان أشبه بـ «كوميديا سطحية» من آراء سبقت عرضه. وأوضح أن الرقابة هي التي صرحت بالسيناريو، وهي التي منحت الفيلم لاحقًا تصريح العرض، باعتبارها الجهة التي تدرك من خلال لوائحها ما يجب عرضه وما لا يجب.
وأضاف أن هذا المسار تكرر مع العديد من الأفلام السابقة التي مُنعت ثم حصلت لاحقًا على قرارات وأحكام قضائية لصالحها، متسائلًا: «لماذا نلجأ إلى القضاء ضد الإبداع، ونحن نعلم أن القضاء مستنير ولن يقف في وجه الكُتّاب والفنانين؟»، مؤكدًا أن فكرة الفيلم في جوهرها تقوم على مواجهة التشدد لا الترويج له.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية