تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
لم تعد تداعيات الحروب والصراعات في الشرق الأوسط تقتصر على حدود الدول التي اندلعت فيها، إذ امتدت آثارها الاقتصادية والاجتماعية إلى دول المنطقة بأكملها، في ظل موجات نزوح واسعة وتوترات تؤثر على التجارة وسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات.
وفي قلب هذه المعادلة تواجه مصر تحديًا مركبًا؛ فهي من جهة تستقبل ملايين الوافدين من دول تشهد صراعات، ومن جهة أخرى تسعى للحفاظ على استقرار الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين دون الإخلال بالالتزامات الإنسانية.
وتشير بيانات دولية إلى أن عدد الأشخاص الذين أُجبروا على النزوح عالميًا تجاوز 117 مليون شخص بحلول عام 2025 نتيجة الحروب والصراعات، بينما يعيش نحو 66% من اللاجئين في دول قريبة من بلدانهم الأصلية، وغالبًا ما تكون هذه الدول من الاقتصادات النامية التي تتحمل العبء الأكبر من تداعيات النزوح، ويتحمل سكانها الآثار المباشرة وغير المباشرة نتيجة الضغط على استهلاك الخدمات والمرافق ومنافسة فرص العمل وغيرها.
ضغط الخدمات
تعد مصر واحدة من أكبر الدول المستقبلة للاجئين في المنطقة، إذ تشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر تجاوز مليون شخص ينتمون إلى أكثر من 60 جنسية.
ويمثل السودانيون النسبة الأكبر، يليهم السوريون، ثم جنسيات أخرى من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق، لكن تقديرات المراكز البحثية تشير إلى أن إجمالي عدد المقيمين في مصر من الوافدين واللاجئين والضيوف، سواء المسجلين أو غير المسجلين، يتراوح بين 9 - 10 ملايين شخص.
كما أدت الحرب في السودان منذ عام 2023 إلى دخول أكثر من 1.5 مليون سوداني إلى مصر بحثًا عن الأمان، وأدى هذا التوسع السكاني المفاجئ إلى زيادة الطلب على المدارس والمستشفيات والخدمات الصحية وشبكات المياه والطاقة والإسكان والخدمات البلدية، وفي المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية انعكس ذلك في ارتفاع الطلب على السكن وزيادة الإيجارات في بعض المناطق.
تأثير اقتصادي
لا تتوقف آثار الصراعات الإقليمية عند ملف النزوح فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد بشكل أوسع، إذ أدت التوترات في البحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن، وهو ما ينعكس على أسعار السلع في الأسواق، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد.
كما تؤثر الصراعات الإقليمية على عدة قطاعات اقتصادية رئيسية، أبرزها السياحة والتجارة الخارجية والاستثمار، إلى جانب بعض التأثيرات على سوق العمل.
روشتة التوازن
يقول الدكتور وليد مدبولي، الخبير الاقتصادي والمتخصص في التخطيط وإدارة المشروعات، إن استيعاب مصر للوافدين من الدول التي تشهد صراعات يمثل واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات اقتصادية وخدمية تحتاج إلى إدارة متوازنة.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في وجود الضيوف داخل مصر، وإنما في كثافة استخدام الموارد والخدمات نتيجة زيادة عدد المستخدمين للبنية التحتية نفسها، مشيراً إلى أن الحل يعتمد على معادلة واضحة تقوم على محورين أساسيين؛ زيادة الإنتاج وتوسيع الطاقة الاستيعابية للخدمات، إلى جانب ترشيد الاستهلاك.
ترشيد الاستهلاك
أوضح د. وليد أن مواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التوترات الإقليمية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تتطلب مشاركة المجتمع في تبني ثقافة الاستهلاك الرشيد.
وأشار إلى أن الاستخدام المنظم للموارد في قطاعات مثل الكهرباء والطاقة والوقود والغاز يمكن أن يخفف الضغط على الموارد العامة، ويعزز قدرة الدولة على تلبية احتياجات الجميع، كما دعا إلى ترشيد الاستهلاك في السلع اليومية وشراء الاحتياجات الفعلية دون مبالغة أو تخزين غير مبرر.
زيادة الإنتاج
أكد د. مدبولي أن التوسع في الإنتاج يمثل الجانب الآخر من المعادلة، حيث تعمل الدولة على زيادة الطاقة الإنتاجية في العديد من القطاعات، وتطوير البنية التحتية للخدمات لمواكبة الزيادة السكانية.
وأشار إلى أن استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين المقيمين داخل مصر يتطلب تخطيطًا اقتصاديًا دقيقًا يوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والالتزامات الإنسانية.
تنظيم الإقامة
أوضح الخبير الاقتصادي أن تنظيم أوضاع الإقامة للوافدين يعد خطوة مهمة في إدارة الموارد بشكل أفضل، كما أن توافر بيانات دقيقة عن أعداد المقيمين داخل الدولة يساعد في التخطيط للإنتاج والخدمات وتقدير حجم الطلب الحقيقي على الموارد.
وأكد أن تحقيق التوازن بين استضافة الملايين والحفاظ على استقرار الخدمات يعتمد في النهاية على إدارة الموارد بكفاءة وزيادة الإنتاج، إلى جانب نشر ثقافة الترشيد داخل المجتمع.
حزمة متوازنة
يرى الدكتور مدحت الشريف، وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب سابقا، أن مواجهة التداعيات الاقتصادية للحروب والتوترات الجيوسياسية، تتطلب حزمة إجراءات متوازنة تضمن توفير السلع والخدمات للمواطنين، دون تحميلهم أعباء إضافية، مع استمرار دعم الدولة للفئات الأولى بالرعاية ومحدودي ومتوسطي الدخل.
وأضاف د. الشريف، أن زيادة الطلب في الأسواق ترتبط بشكل مباشر بالقوة الشرائية للمواطن، والتي تعتمد أساسا على مستوى الدخل، موضحا أنه كلما ارتفع الدخل زاد الإنفاق.
معدل الفقر
وأشار إلى أن آخر رقم رسمي لمعدل الفقر في مصر، صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2018، وبلغ 29.7% من السكان، بينما تشير تقديرات حديثة إلى احتمالات ارتفاع النسبة، مستشهدا بتقرير صادر عن البنك الدولي، يفيد بأن نحو 67% من سكان المناطق الريفية أو البعيدة عن المدن الحضرية يعيشون تحت خط الفقر.
وأوضح أن نحو 70 مليون مصري يحصلون على دعم السلع التموينية ورغيف الخبز، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية على المواطنين، مؤكدًا أن ضعف القوة الشرائية، يعود بدرجة كبيرة إلى الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية الحالية.
مقترحات لحل الأزمة
وطرح د. الشريف مجموعة من المقترحات لتخفيف حدة الأزمة، من بينها التوسع في طرح السلع عبر المنافذ الحكومية، مثل منافذ التموين والزراعة والقوات المسلحة، بهوامش ربح محدودة لا تتجاوز 10%، بما يسهم في كسر موجات ارتفاع الأسعار وإجبار الأسواق على تحقيق التوازن.
عقوبات رادعة
كما دعا إلى تفعيل قانون حماية المستهلك وفرض عقوبات رادعة على احتكار السلع الاستراتيجية أو بيعها بأسعار مبالغ فيها، مع منح الحكومة صلاحية تحديد هذه السلع وفقًا للظروف الاقتصادية، كما حدث خلال جائحة كورونا حين اعتبرت الكمامات سلعة استراتيجية.
خط سوميد
وفي سياق تعظيم موارد الدولة، أشار د. الشريف إلى ضرورة استغلال الفرص الاقتصادية المتاحة، مثل تعظيم الاستفادة من خط سوميد للبترول الذي تحصل مصر على نحو 50% من عوائده، إلى جانب توسيع حركة النقل والتجارة بين البحرين الأحمر والمتوسط لخدمة حركة الشحن إلى دول الخليج.
كما دعا إلى زيادة صادرات السلع المطلوبة في الدول المتأثرة بالصراعات الإقليمية، بعد تأمين احتياجات السوق المحلية، واستغلال الإمكانات المتاحة في قطاع الطيران، والترويج لمصر باعتبارها ملاذا آمنا في منطقة الشرق الأوسط.
وتطرق د. الشريف إلى ملف الوافدين، موضحا أنهم لا يحصلون على دعم التموين المخصص للمواطنين ويشترون الخبز بالسعر الحر، إلا أنهم يستخدمون الخدمات العامة مثل المرافق والمواصلات والتعليم والصحة، نظرًا لاندماجهم داخل المجتمع المصري.
وأضاف أن وجودهم يحمل في الوقت نفسه جوانب اقتصادية إيجابية، من خلال تحويلاتهم المالية، وإنفاقهم داخل السوق المحلية، مع احتفاظ الدولة بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات اللازمة حال وجود أي تهديدات للأمن القومي.
دمج الوافدين
يرى الباحث مصطفى أمين عامر، الخبير في الشئون السياسية، أن مصر تتبنى فلسفة مختلفة في إدارة ملف الوافدين، ترتكز على مفهوم «الدولة الملاذ» وليس «دولة المخيمات».
وأوضح أن الدولة المصرية، بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، اختارت دمج الوافدين داخل المجتمع بدلًا من عزلهم في مخيمات، وهو مفهوم أوسع للإنسانية، فمصر تؤمن بأن كرامة الإنسان تقتضي أن يعيش وسط أشقائه، يشاركهم المسكن والمأكل والعمل حتى تنجلي غمة بلادهم.
وأضاف أن رفض فكرة المخيمات يعكس موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، إذ إن المخيمات تعني عزل الإنسان وفرض قيود على حركته، وتحويله إلى شخص يعتمد بالكامل على المساعدات.
وأشار إلى أن مصر اختارت المسار الأكثر إنسانية والأصعب لوجستيًا، من خلال فتح مدنها وجامعاتها وأسواقها أمام الوافدين، بما يسمح بدمجهم داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
ويقول مصطفى أمين: «ما تفعله مصر اليوم هو تقديم نموذج ملهم للعالم في كيفية استضافة الملايين دون ضجيج أو استغلال سياسي، وأي إجراء لتقنين أوضاعهم كضيوف هو إجراء تنظيمي يهدف إلى حمايتهم قبل كل شيء، وضمان اندماجهم بشكل يحفظ توازن المجتمع المصري الذي طالما كان بوتقة تنصهر فيها الثقافات المختلفة».
واختتم حديثه بقوله إن وصف الرئيس السيسي المتكرر لهم بـ «الضيوف» يحمل رسالة طمأنة للداخل والخارج مفادها أن مصر دولة لا تضيق بأشقائها، وأنها قادرة على استيعاب التحديات دون التضحية بقيمها العروبية، وهو ما يجعل «التجربة المصرية» نموذجًا خاصًا في التعامل مع الهجرات القسرية بعيدًا عن الأسوار والأسلاك الشائكة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية