تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : متزوجون بلا أطفال.. أحلام مؤجلة أم مخاوف غير مُعلنة؟
source icon

سبوت

.

متزوجون بلا أطفال.. أحلام مؤجلة أم مخاوف غير مُعلنة؟

كتب:مروة علاء الدين

 لم يعد تأجيل الإنجاب بين الأزواج الجدد قرارًا مرتبطًا بالمال فقط، بل أصبح انعكاسًا لجيل يخشى المستقبل، ويعيد التفكير في شكل الزواج ومعنى تكوين الأسرة، بين من يؤجّل بحثًا عن الاستقرار، ومن يؤجّل لأنه خائف من فشل العلاقة أو ثقل المسئولية، تبقى النتيجة واحدة؛ سنوات تمر، وغُرف أطفال تنتظر من يسكنها، في هذا التقرير نبحث عن الأسباب الحقيقية وراء التأجيل، وكيف يؤثر على الزواج نفسه، وهل هو قرار واعٍ أم قلق جماعي يدفع كل طرف للانتظار؟

أسباب متشابكة
تشرح الدكتورة مايسة كمال، استشارية الطب النفسي والعلاقات الزوجية، أن قرار التأجيل نادرًا ما يكون اعتباطيًا، بل هو محصلة لعدة عوامل متشابكة منها محاولة الانكشاف التدريجي لطباع وشخصية كل طرف بعد الزواج، مما يدفع لطلب مهلة أطول لاختبار قوة التوافق، وتبدو واضحة بشكل أكبر في حالات الزواج التي تتم بسرعة، أو دون فترة تعارف كافية تسمح ببناء أساس متين، وقد يكون ذلك خاضع لوطأة الضغوط المادية والنفسية، خاصة مع خوض الزوجة معترك العمل خارج المنزل، بالإضافة إلى الخوف من انهيار العلاقة في ظل واقع ترتفع فيه نسب الطلاق.

وتضيف د. مايسة، أن الرغبة الطبيعية في قضاء فترة زواج أولى مليئة بالاستمتاع والتعرف المتبادل، قبل انشغال الحياة بمسئوليات الأبوة قد يكون أحد الأسباب، كذلك الإحساس بعدم الجاهزية النفسية أو العاطفية لتحمل مسئولية تربية إنسان جديد.

كما أن جزءًا من هذا القرار ينبع من وعي جديد لدى الأزواج، فهم لا يريدون تكرار سيناريوهات التضحية والإنهاك التي شهدوها في الجيل السابق، لكنها تحذر من أن التأجيل إذا كان بدافع الخوف المرضي من الانفصال، فقد يكون جرس إنذار لخلل في الثقة بين الزوجين.

وتوضح د. مايسة أن الطفل لا يجب أن يكون وسيلة لاختبار متانة الزواج أو حبل إنقاذ له، وهو ليس عبئًا إذا قامت العلاقة على أساس سليم من الدعم والتفاهم المتبادل.

صمت عاطفي 
يتناول الدكتور أحمد فؤاد، استشاري الصحة النفسية، زاويةً قلّما تُناقَش خارج العيادات، وهي تأثير تأجيل الإنجاب على علاقة الزوجين نفسها، وليس على الأسرة المستقبلية فقط، ويوضح أن التأجيل حين يطول بلا مُدة محددة ولا طمأنينة مشتركة، قد يدفع الطرفين إلى الدخول - دون انتباه - في نمط من التباعد التدريجي الهادئ، الأخطر من الخلاف المُعلَن؛ لأنه يتم في صمت كامل، فنلاحظ ارتفاع ما أسماه بالصمت العاطفي بين الزوجين؛ فتقل جُمل المودة اليومية، ويزيد الاتصال السطحي القائم على إدارة الاحتياجات فقط، بينما تبتلع الوظائف والهواتف النسبة الأكبر من الحضور النفسي لكل طرف، ويرى أن خوف الانفصال - إن كان هو الوقود الخفي للتأجيل - يدفع أحيانًا أحد الزوجين أو كليهما إلى تعويض الفراغ الداخلي بالعمل المفرط أو التعلق بعالم الهاتف، فيُصبح الوقت المشترك أقصر من أن يصنع ألفةً حقيقية، فالأغرب أن بعض الأزواج يبدأون مع الوقت في النظر للطفل المنتظر لا كامتداد للّحب بل كاختبار لإثبات متانة الزواج، أو كضمانٍ لاستمراره، وهنا يتحوّل من رغبةٍ طبيعية إلى أداة قياس قلقة، وهو ما يُشكِّل خطرًا نفسيًا على العلاقة ذاتها، لأن أي خطوة تُتَّخَذ بدافع الشك والخوف، تُضعف ما كان يُفترض بها أن تقويه. 

ويؤكد د. أحمد أن العلاقة الصحية القابلة لاستقبال طفل، هي علاقة تعيش اليقين في الحاضر أولًا، لا التي تُؤجِّله طلبًا لضمانات المستقبل.

تحولات اجتماعية 
لا تبقى هذه الخيارات الفردية حبيسة الجدران، بل تنعكس بوضوح على مؤشرات المجتمع الكلية، تشير الأرقام الرسمية في مصر إلى تراجع في عقود الزواج بنسبة 2.5% خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق، بينما قفزت حالات الطلاق بنسبة 3.1% في الفترة نفسها، والأكثر دلالة أن أعلى نسب الطلاق سُجلت بين الرجال في عقد الثلاثينيات من العمر، والنساء في نهاية العشرينيات.

أما على صعيد الديموغرافيا، فهبط معدل الإنجاب الكلي إلى 2.41 طفل لكل سيدة في 2024، بعد أن كان 3.5 طفل قبل عشر سنوات فقط، هذه الأرقام ليست مجرد بيانات جافة، بل هي مرآة تعكس تحولاً عميقًا في النظرة إلى مؤسسة الزواج ذاتها، وتحول الإنجاب من مسار تلقائي إلى محطة يفكر فيها الأزواج طويلاً.

محاذير طبية
بينما قد يبدو التأجيل قرارًا حكيمًا على المستوى النفسي أو المالي، فإن للصحة رأي آخر، ويحذر الدكتور حاتم محمد حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد، من اتخاذ هذا القرار دون وعي تام بعواقبه البيولوجية، موضحًا أن:

- خصوبة المرأة تبدأ في التراجع الملحوظ بعد سن الخامسة والثلاثين، بسبب تغير جودة وعدد البويضات.
- الرجل أيضًا ليس في مأمن من التغيرات، حيث تضعف قدرته الإنجابية تدريجيًا بعد سن الأربعين.
- إهمال الفحوصات الطبية قبل التأجيل قد يخفي مشكلات خفية تؤثر على فرص الإنجاب لاحقًا.
- الضغط النفسي الناتج عن "سباق مع الزمن" قد يؤثر سلبًا على محاولات الحمل المستقبلية، حتى لو كان التأجيل مخططًا له.
- استخدام وسائل منع الحمل بشكل عشوائي ودون إشراف طبي قد يسبب اضطرابات تؤخر حدوث الحمل عند الرغبة فيه.

وهذا التحذير ليس نظريًا، بل يمكن رؤيته بوضوح على أرض الواقع، فهناك مشهدًا متكررًا في غرفة عمليات أحد مستشفيات النساء والتوليد، حيث يلتقي مساران متناقضان؛ نساء في العشرينيات يأتين لتركيب وسائل مؤقت، وأخريات في الأربعينيات يطلبن علاجات طفل الأنابيب بمبالغ طائلة، المشهد نفسه يجسد المفارقة الكاملة لقرار التأجيل وعواقبه غير المحسوبة.

لذلك، يشدد د. حاتم على أن قرار الإنجاب، أو تأجيله، يجب أن يكون قرارًا طبيًا مشتركًا مع الطبيب المختص، وليس مجرد اتفاق عائلي أو رغبة شخصية فقط.

التفاهم المشترك
لتجنب تحول هذا القرار الحساس إلى بذرة خلاف، تؤكد الدكتورة غادة حشمت، خبيرة العلاقات الزوجية، على ضرورة أن يكون قرار التأجيل - أو الإنجاب - نتاج حوار واضح وصريح بين الزوجين، ويفضل أن يتم الاتفاق على مبادئه العامة قبل الزواج، وتنصح بالوضوح الكامل في مناقشة جميع التفاصيل؛ التوقيت، عدد الأطفال، التخطيط المالي، وتوزيع الأدوار، وتقول: "التأجيل يكون مبررًا عندما يكون درعًا واقيًا للعلاقة من ضغوط حقيقية، وليس هروبًا من المسئولية أو تعبيرًا عن عدم ثقة، الفرق بين الاثنين كبير، وهو ما يحدد ما إذا كان القرار سيكون جسرًا نحو استقرار أفضل، أو حفرة للصراعات المستقبلية."

إكراه إنجابي
تنتقل بنا الدكتورة نهى عثمان، أستاذة علم الاجتماع، إلى منطقة أكثر حساسية داخل هذا النقاش، ألا وهي فكرة "الإكراه الإنجابي"، هذا المصطلح يصف الحالة التي يفرض فيها أحد الزوجين إرادته في قرار الإنجاب أو منعه، دون احترام رغبة أو جسد الطرف الآخر، وتوضح أن الدراسات الحديثة بدأت تصنف هذا السلوك كشكل من أشكال العنف الأسري، لما يسببه من أذى نفسي وجسدي عميق، وتؤكد د. نهى أن قرار الإنجاب الواعي لا بد أن يمر بثلاثة اختبارات أساسية:

1. استعداد نفسي: هل العلاقة مستقرة؟ كيف يتم حل الخلافات؟ هل يوجد دعم حقيقي؟ وتستشهد بدراسة أمريكية عام 2023 أفادت بأن الأزواج ذوي التواصل الصحي تزيد جاهزيتهم النفسية للحمل بنسبة 40%.

2. استعداد مالي: ليس المطلوب الغنى، بل الوعي والتخطيط، فالتكاليف ترتفع في أول عامين من حياة الطفل، كما تشير تقارير اليونيسف.

3. استعداد اجتماعي: شبكة دعم، واستقرار وظيفي، وسكن مناسب لكل العناصر تحدد القدرة على تربية طفل سليم

زواج مضطرب 
من الناحية القانونية، يوضح الدكتور أشرف الدريني، أستاذ القانون الجنائي، أن القانون لا يجبر على الإنجاب، لكنه يعترف بحق المطالبة به، فلا يوجد نص يُجبر أحد الزوجين على الإنجاب، لكن رفض الإنجاب دون سبب مقبول قد يتحول إلى سبب للمشاكل الزوجية التي قد تصل إلى ساحة القضاء.

ويشير د.  أشرف، إلى أن الطلاق لم يعد حدثًا نادرًا في المجتمع، بل تحول إلى ظاهرة تحتاج إلى دراسة متأنية، ويرى أن الخلل لا يكمن في القوانين نفسها، بل في تحوّل نظرة المجتمع لمؤسسة الزواج، ويوضح أن غياب النضج النفسي، وضغوط القوامة المالية، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منافذ للهروب من الواقع، كلها عوامل تساهم في تصدّع الحياة الزوجية.

بين الحقوق والواجبات
أما من الناحية الشرعية، فيجمع العلماء على أن الإنجاب حق مشترك وليس تفويضًا منفردًا، ويؤكد مركز الأزهر العالمي للفتوى أن العزل أو استخدام وسائل منع الحمل دون موافقة الشريك يُعد محرمًا شرعًا، وهو ما يعكس أهمية التفاهم والاتفاق المشترك في هذه المسألة الحساسة.

ويبين الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الشرع وضح أن الإنجاب فطرة إنسانية ومقصد شرعي يرتبط بعمارة الأرض واستمرار الاستخلاف، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» (رواه أبو داود). ومع ذلك، فإن الشرع لم يجعل الإنجاب واجبًا إلزاميًا، بل رغّب فيه لما يمثله الأبناء من زينة ومتعة في الحياة، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].

ويؤكد د. ربيع أن تأجيل الإنجاب جائز شرعًا إذا اتفق الزوجان على ذلك ورأيا فيه مصلحة واضحة، بينما لا يجوز لأي منهما اتخاذ القرار بشكل منفرد أو فرضه على الآخر.

ويختتم بالقول إن الزواج وتكوين الأسرة ليسا مجالًا للتجربة أو المجازفة، بل يتطلبان وعيًا وتوازنًا وفقهًا حقيقيًا في إدارة الرغبات والقدرات، داعيًا إلى الحفاظ على استقرار الأسرة وبركتها.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية