تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
مع حلول عيد الفطر المبارك، يتربع الفول السوداني والمكسرات على عرش موائد الضيافة، كجزء لا يتجزأ من طقوس البهجة والجلسات العائلية. لكن خلف هذه الحبات الصغيرة التي تبدو بريئة، تكمن تساؤلات علمية هامة تتأرجح بين فوائدها الغذائية المذهلة وبين مخاطر "السموم الفطرية" الخفية الناتجة عن سوء التخزين.
فهل الأفضل تناولها نيئة أم محمصة؟ وهل يفقدها التحميص قيمتها كما يُشاع؟ في هذا التقرير، نغوص في كواليس "تسالي العيد" لنكشف الحقائق العلمية حول طرق الاختيار الصحيحة، ونوضح كيف يمكن لخطوات بسيطة كالنقع والتحميص المنزلي أن تحول هذه الحبوب من خطر محتمل إلى منجم للفوائد الصحية.
فهل الأفضل تناولها نيئة أم محمصة؟ وهل يفقدها التحميص قيمتها كما يُشاع؟ في هذا التقرير، نغوص في كواليس "تسالي العيد" لنكشف الحقائق العلمية حول طرق الاختيار الصحيحة، ونوضح كيف يمكن لخطوات بسيطة كالنقع والتحميص المنزلي أن تحول هذه الحبوب من خطر محتمل إلى منجم للفوائد الصحية.
تصحيح المفاهيم
يبدأ الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، حديثه بتفنيد واحدة من أكثر الأفكار شيوعًا، قائلًا إن الفول السوداني ليس في الأساس من المكسرات، بل ينتمي إلى عائلة البقوليات، تمامًا مثل الفول والعدس والحمص والترمس.
ويشير إلى أن هذا التصنيف ليس مجرد معلومة نظرية، بل له انعكاس مباشر على طريقة التعامل الغذائي معه، إذ تحتوي البقوليات على مركب طبيعي يُعرف باسم حمض الفيتيك، وهو مركب ترتبط وظيفته في النبات بحماية البذور، لكنه عند الإنسان قد يتحول إلى عائق غذائي.
يوضح د. أبو الريش أن حمض الفيتيك يعمل على الارتباط بالمعادن الأساسية مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم داخل الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى تقليل امتصاصها والاستفادة منها، ومن هنا، فإن تناول الفول السوداني نيئًا يقلل كثيرًا من قيمته الغذائية الحقيقية.
قليل النفع
ويضيف أن الفول السوداني في صورته النيئة قد يمنح إحساسًا بالشبع والطاقة السريعة، لكنه في المقابل يقدم استفادة محدودة من المعادن، وهو ما يجعله أقرب إلى «قليل النفع» مقارنة بالفول السوداني الذي خضع للنقع أو التحميص.
ويؤكد أن عمليتي النقع أو التحميص تؤديان إلى تكسير جزء كبير من حمض الفيتيك، ما يسمح بتحرير المعادن ورفع كفاءة امتصاصها داخل الجسم، وهو ما يجعل التحميص خطوة غذائية ضرورية لا يمكن تجاهلها.
دهون صحية
وبالانتقال إلى المكسرات، يلفت د. أبو الريش إلى أن الخوف الشائع من تحميصها بدعوى الحفاظ على أحماض أوميجا 3 النباتية ليس دقيقًا على إطلاقه، فالدهون الصحية، وخصوصًا الدهون الأحادية غير المشبعة، لا تتأكسد ولا تفقد قيمتها إلا عند التعرض لدرجات حرارة مرتفعة تُعرف بنقطة التدخين.
أما التحميص الخفيف وعلى نار هادئة، فيُعد آمنًا من الناحية الغذائية، بل قد يكون مفيدًا؛ إذ يحسن الطعم، ويسهل عملية الهضم، ويقلل المركبات التي تعيق امتصاص المعادن. ويشدد على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التحميص ذاته، بل في المبالغة في درجات الحرارة أو التحميص القاسي.
سموم خفية
ومن أخطر ما يلفت إليه الخبراء ما يتعلق بسموم الأفلاتوكسين، التي يحذر منها د. أبو الريش بوصفها خطرًا صحيًا حقيقيًا لا يجب الاستهانة به، فالأفلاتوكسين هي سموم فطرية تنتجها فطريات مجهرية، وتنشأ غالبًا نتيجة التخزين السيئ للمحاصيل في بيئات مرتفعة الرطوبة والحرارة. وتكمن خطورتها في كونها مواد مسرطنة مثبتة علميًا، تستهدف الكبد بشكل أساسي.
ولا يقتصر وجود هذه السموم على الفول السوداني فقط، بل قد توجد في الذرة الصفراء، والحبوب المختلفة، وبعض أنواع المكسرات، بل وحتى الفواكه المجففة، ما يجعل الوعي بطرق الشراء والتخزين أمرًا بالغ الأهمية.
كما يلفت د. أحمد إلى شائعة أخرى تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتعلق بقدرة الفول السوداني على امتصاص المعادن الثقيلة من التربة، ويوضح أن هذه الفكرة ليست دقيقة على إطلاقها، فمعظم المحاصيل الزراعية تمتص عناصر من التربة بطبيعتها، لكن الخطر الحقيقي يرتبط بزراعة المحصول في تربة ملوثة أو بغياب الرقابة الزراعية. ويؤكد أن المشكلة الأكثر شيوعًا تظل في سوء التخزين الذي يسمح بتكون السموم الفطرية، وليس في طبيعة الفول السوداني نفسه.
روشتة وقائية
وينصح د. أحمد المستهلكين باتباع الإجراءات التالية لضمان الأمان الصحي:
- الشراء الواعي: الحرص على شراء الفول السوداني والمكسرات بكميات صغيرة ومن مصادر موثوقة.
- تجنب التخزين الطويل: عدم تخزين المسليات لفترات طويلة في المنزل، خاصة في الأجواء الحارة.
- الفحص الحسي: أي رائحة "زنخة" أو طعم مر وغير معتاد هو إنذار واضح بفساد المنتج واحتمال تلوثه بالسموم.
- التحميص لا يكفي: رغم أن إعادة التحميص قد تقلل من نسبة الأفلاتوكسين، فإنها لا تقضي عليها تمامًا، ما يجعل الوقاية والاختيار السليم هما العامل الحاسم لتجنب الخطر.
قيمة غذائية
وعلى الرغم من هذه التحذيرات، تؤكد الدكتورة مي عبد السلام، استشارية التغذية العلاجية، أن الفول السوداني والمكسرات يظلان من الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية عند التعامل معهما بوعي.
فالفول السوداني يُعد مصدرًا ممتازًا للبروتين النباتي، ويحتوي على دهون أحادية غير مشبعة مفيدة لصحة القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى مضادات أكسدة قوية أبرزها الريسفيراترول، وفيتامين B3 (النياسين) الداعم لصحة الدماغ والمزاج، فضلًا عن فيتامين E ومعادن أساسية مثل المغنيسيوم والزنك والفوسفور.
أما المكسرات، فتتميز بارتفاع محتواها من أوميجا 3 النباتية، وتنوعها المعدني؛ إذ يُعرف الجوز بكونه الأعلى في أوميجا 3، بينما يتميز اللوز بغناه بفيتامين E والكالسيوم، ويشتهر البندق بدهونه الأحادية المفيدة للقلب، في حين يُعد الكاجو مصدرًا جيدًا للحديد والنحاس.
منهج صحي متكامل
وتؤكد د. مي أن المفتاح لا يكمن في النوع فقط، بل في ثلاث خطوات ذهبية: النقع، والتحميص الخفيف، والاعتدال، وتشرح بالتفصيل كيف يمكن تحويل هذه الأطعمة من مجرد تسالي عابرة إلى إضافة غذائية داعمة للصحة.
النقع خطوة أساسية
تشرح د. مي أن النقع ليس عادة موروثة بلا أساس، بل إجراء غذائي فعال يحاكي عملية الإنبات الطبيعية، فالنقع لعدة ساعات (4–8 ساعات) يسهم في تقليل تركيز حمض الفيتيك المعيق لامتصاص المعادن، تنشيط الإنزيمات الطبيعية التي تسهل الهضم، تحرير المعادن والبروتينات لتصبح أكثر قابلية للامتصاص، وتليين الألياف، مما يخفف العبء على الجهاز الهضمي.
تحميص ذكي
بعد النقع، يأتي دور التحميص الخفيف بوصفه خطوة مكملة لا مفسدة. وتقدم الدكتورة مي روشتة عملية للتحميص المنزلي الآمن في درجة الحرارة لا تزيد على 160–170 درجة مئوية، لمدة 10 - 15 دقيقة فقط مع التقليب المستمر.
حفنة اليد
ورغم الفوائد العظيمة، تحذر د. مي من الإفراط، وتؤكد أن حفنة بحجم كف اليد (نحو 30–40 جرامًا) يوميًا تكفي لتحقيق الفائدة دون تحميل الجسم سعرات زائدة.
وتلفت إلى أن تجاوز هذه الكمية - خاصة مع الأصناف المملحة أو المحلاة أو المغطاة بالشوكولاتة - قد يحول الغذاء الصحي إلى مصدر للصوديوم والسكر وزيادة الوزن، فالفول السوداني مثلاً من الأطعمة مرتفعة السعرات الحرارية نسبيًا؛ إذ تحتوي 100 - 120 جرامًا منه على ما يقرب من 600 - 700 سعر حراري، لذلك فإن الإفراط في تناوله، خاصة في أيام العيد التي تكثر فيها الحلويات مثل الكعك والبسكويت، قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في الوزن إذا لم يتم الاعتدال في الكمية.
إلا أنه يعتبر خيارًا مناسبًا لمرضى السكري عند تناوله باعتدال، نظرًا لانخفاض مؤشره الجلايسيمي، وهو ما يعني أنه لا يرفع مستوى السكر في الدم بسرعة، كما أنه غني بالبوتاسيوم والمغنيسيوم، وهما عنصران مهمان لدعم صحة القلب وتنظيم ضغط الدم، بشرط تجنب الأنواع المملحة التي تحتوي على نسب مرتفعة من الصوديوم.
أما مرضى القولون العصبي أو المعدة الحساسة، فتنصحهم د. مي بنصائح خاصة منها:
- تقليل صعوبة المضغ عبر طحن المكسرات أو إضافتها مطحونة إلى الزبادي أو العصائر.
- تجنب الأصناف المحمصة بالزيوت المهدرجة أو المضاف إليها نكهات صناعية وبهارات حارة، لأنها مهيجة للجهاز الهضمي.
- الابتعاد عن المكسرات كاملة للذين يعانون من صعوبة في الهضم.
- يُفضل تناوله بعد الطعام بساعتين، وليس مباشرة على معدة فارغة أو ممتلئة تمامًا، لتسهيل الهضم وتجنب الانتفاخات.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية