تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
وأنت تسير في شوارع المدن الجديدة، أو حتى في شوارع وسط البلد، لا بد أن عينك اصطدمت بلافتة محل جعلك تتساءل: "هذه مكتوبة بأي لغة؟"، ظاهرة غريبة بدأت تغزو واجهات المحلات؛ حيث تُكتب الأسماء بخلطة عجيبة؛ حرفان إنجليزيان يتوسطهما حرف عربي، أو كلمة عربية تُكتب بحروف لاتينية، فطبق شعبي مثل "الكشري" قد تجده مكتوبًا (KOCHERY)، في مشهد يثير الكثير من الجدل البصري واللغوي، فهل نحن أمام علامة تجارية عالمية، أم مجرد محاولة للزخرفة والديكور، أم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير؟ وكأن هناك إصرارًا على إقصاء الحروف العربية أو التعامل معها بخجل. فماذا يحدث للغة الضاد؟
لغة لقيطة
يقول محمد السيد، مدرس لغة عربية بالمرحلة الثانوية، إننا أصبحنا نرى لافتات تمزج بين الحروف بشكل غريب، مثل (BOUخAREST) وغيرها، ويوضح أن صاحب المحل يريد نطق الاسم بالإنجليزية، لكنه يخشى ألا يتمكن الزبون من نطق حرف "خ"، فيقوم بإقحام حرف عربي وسط كلمة إنجليزية، والنتيجة – على حد وصفه – أننا أمام "لغة لقيطة" لا هي عربية ولا هي إنجليزية. ويرى مختصون أن الأمر لا يتعلق بالتصميم فقط، بل يمثل نوعًا من تسطيح الوعي اللغوي، حيث تتحول اللغة إلى مجرد شكل بصري منفصل عن قيمتها الثقافية.
"التمازج الجرافيكي" وعقدة البراند
ويرى ياسين محمود، صاحب أحد المحلات، أن هذا التداخل – الذي يُطلق عليه "المزج الجرافيكي" – يهدف إلى خلق انطباع لدى المستهلك بأن المكان يحمل طابعًا عالميًا، حتى وإن كان نشاطه محليًا، ويضيف أن هذا الأسلوب قد يمنح المحل إحساسًا بمواكبة الموضة العالمية، وهو ما يُستخدم أحيانًا كمبرر لرفع الأسعار.
الاستسهال واللوجو الجذاب
من جانبه، يرى علي عبد الغفار، مصمم جرافيك، أن الحروف اللاتينية أكثر مرونة وأسهل في التشكيل مقارنةً بالخط العربي الكلاسيكي، ما يدفع بعض المصممين إلى هذا الدمج لتبسيط العناوين، وهو ما تؤكده أيضًا مصممة الجرافيك أسماء فتحي، موضحةً أن تداخل الحروف يُستخدم كنوع من تصميم "اللوجو" بهدف جذب الانتباه وترسيخ العلامة التجارية في الذاكرة البصرية، وتضيف أن هذه الظاهرة باتت مطلوبة لدى فئة من الشباب تميل إلى رؤية أنماط ثقافية مختلفة.
ارتباك بصري في مواجهة جيل (Z)
ويتفق الخطاط ياسر عبد الله مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن هذه التصميمات تستهدف جيل (Z)، وهم الفئات الأكثر تفاعلًا مع وسائل التواصل الاجتماعي، وبالنسبة لهم لا يُنظر إلى هذا التداخل باعتباره خطأً لغويًا، بل بوصفه "لغة بصرية"، لكنه يحذر من أن هذا النمط قد يُحدث حالة من الارتباك البصري ويؤدي إلى تطبيع بصري مع أشكال كتابية غريبة، بما قد يؤثر على تقدير جماليات الخط العربي، الذي يمثل فنًا وتراثًا حضاريًا.
جريمة تعبث بالهوية
ويرى الدكتور حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، أن هذه الظاهرة سلبية للغاية، معتبرًا أن اللغة العربية تمثل عنصرًا جوهريًا في الهوية الثقافية، ويؤكد أن أي تشويه أو طمس لها يستدعي المواجهة، مشددًا على المسئولية المشتركة للمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في الحفاظ على سلامة اللغة.
العربية لغة القرآن
ومن جهته، يؤكد الدكتور فتحي عبد الرحمن حجازي، أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، على مكانة اللغة العربية، موضحًا أن المجتمعات قديمًا كانت تتعامل بحساسية شديدة مع الألفاظ الدخيلة، ويرى أن ما يحدث حاليًا يمثل ظاهرة سلبية تستوجب التوعية، مؤكدًا أهمية دور المؤسسات التعليمية في تعزيز الانتماء اللغوي، مع الإشارة إلى إمكانية كتابة اللافتات بالعربية أولًا ثم الإنجليزية بشكل منفصل ومنظم.
التبعية الثقافية
ويرى الدكتور علي معوض، أستاذ العلوم السياسية، أن التأثير على اللغات يبدأ غالبًا من الفضاء العام، ومن المشهد اليومي الذي يتشكل أمام الأجيال الجديدة، ويشير إلى أن انتشار هذه الظاهرة قد يرسخ لدى البعض تصورًا بأن اللغة العربية أقل قدرة على مواكبة العصر، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بمفهوم "التبعية الثقافية"، ويطالب بضرورة تفعيل الأطر التنظيمية التي تحمي الهوية اللغوية، مع الاستفادة من تجارب دول أخرى في هذا المجال.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية