تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ما بين مشاجرات مصورة، ومشاهد عنف، وابتكار محتوى بلا قيمة حقيقية، يبدو أن كل شيء أصبح مبررًا في سبيل الوصول إلى "الترند"، فلم يعد الهدف مجرد مشاركة لحظة أو فكرة، بل اقتناص أكبر قدر من المشاهدات والإعجابات، حتى وإن تعارض ذلك مع منظومة القيم والأخلاق، هذا المشهد يطرح سؤالًا ملحًا؛ هل تحول الهوس بالترند إلى مرض نفسي؟ في هذا التقرير، نناقش مع المتخصصين في الطب النفسي والإرشاد الأسري أبعاد هذه الظاهرة.
هشاشة نفسية
توضح الدكتورة ولاء نبيل، استشاري الطب النفسي، أن اتباع الترند في حد ذاته لا يعد مرض نفسي، لكنه قد يعمل كعدسة مكبرة تكشف أو تضخم مشكلات نفسية كامنة لدى بعض الأفراد.
وتشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت على سلوكيات الأفراد بعدة مسارات أهمها أنها جعلت بعض السلوكيات غير الناضجة مقبولة اجتماعيًا، فالاندفاع أو الاستعراض، وهي تصرفات كانت تعد في وقت سابق مؤشرًا على ضعف النضج الانفعالي، وأصبحت اليوم تصنف كمحتوى رائج، وبدلًا من مراجعة الذات، يتلقى الشخص إعجابات وتعليقات مشجعة، مما يعزز السلوك ويكرره.
وكذلك شجعت هذه الفيديوهات على التقليد الأعمى، فبالنسبة لمن يعانون أصلًا من ضعف في الهوية أو صعوبة في تنظيم مشاعرهم، يصبح الترند وسيلة سهلة للانتماء المؤقت، فهم يقلدون ما يرونه ليحصلوا على شعور بالقبول، ثم يكررون السلوك مدفوعين بالتعزيز المستمر من الجمهور الرقمي.
وتؤكد د. ولاء أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الترند ذاته، بل في تحويل الألم النفسي إلى استعراض، حيث يكافأ السلوك المندفع، بينما يظل التعافي الحقيقي - الذي يحتاج جهدا ووعيا داخليًا - صامتا وبعيدا عن الأضواء.
مؤشر نفسي خفي
من جانبها، ترى الدكتورة هند علي، أخصائي نفسي ومرشد أسري، أن "اللايك" لم يعد مجرد تفاعل رقمي عابر، بل تحوّل إلى مؤشر نفسي خفي يقيس به البعض شعورهم بالقيمة والقبول الاجتماعي.
وتوضح أن الإنسان بطبيعته يسعى إلى الانتماء والتقدير، وهو ما أشار إليه عالم النفس الأمريكي Abraham Maslow في نظريته حول هرم الاحتياجات، حيث وضع الحاجة إلى التقدير ضمن أهم الاحتياجات النفسية بعد الأمان والانتماء، ففي الماضي كان هذا التقدير يتحقق عبر العلاقات الواقعية والنجاحات الفعلية، أما اليوم فقد أتاحت وسائل التواصل مسارًا أسرع للحصول على شعور فوري بالقبول، حتى وإن كان مؤقتا أو سطحيا.
وتضيف أن "اللايك" يعمل كمكافأة فورية؛ إذ يفرز الدماغ هرمون الدوبامين المرتبط بالإحساس بالمتعة، ما يدفع الشخص لتكرار السلوك نفسه بحثًا عن الشعور ذاته، وهنا تبدأ دائرة الاعتماد النفسي على التفاعل الرقمي.
الترند.. إنجاز بديل
وتوضح د. هند أن المشكلة تظهر حين يتحول أي محتوى - بغض النظر عن قيمته - إلى وسيلة للوصول إلى الترند، في هذه الحالة، لا يعود الهدف التعبير أو الإبداع، بل الشعور بالوجود، ويظهر ما يمكن تسميته نفسيًا بـ "الإنجاز البديل"، حيث يشعر الفرد بأنه حقق نجاحًا لمجرد ارتفاع التفاعل، رغم غياب إنجاز حقيقي طويل المدى على أرض الواقع.
ويرتبط هذا النمط غالبًا بعدة عوامل نفسية، منها الشعور بالفراغ الداخلي، وضعف تقدير الذات، والاعتماد المفرط على تقييم الآخرين، إضافة إلى الخوف من التهميش الاجتماعي، فيتحول الترند إلى وسيلة لإثبات الذات، وكأن الرسالة غير المعلنة هي: "أنا موجود إذن أنا مهم".
الفجوة النفسية
وتشير إلى أن أصحاب الثقة الهشة يكونون أكثر عرضة للإدمان الرقمي، لأن المنصات تمنحهم ما يفتقدونه في الواقع؛ قبولًا سريعًا دون استثمار عاطفي عميق، فالهوية الرقمية تتيح إعادة تشكيل صورة الذات بصورة انتقائية، عبر عرض لحظات النجاح فقط وإخفاء الصراعات الحقيقية.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي انخفاض التفاعل أو الصمت الرقمي إلى توتر نفسي، ومقارنات اجتماعية مستمرة، وشعور غير واقعي بالفشل، وهنا تتسع الفجوة بين الذات الواقعية والذات الافتراضية، ما يفاقم الإحساس بعدم الرضا.
حين تختزل القيمة في أرقام
وترى أن الخطر الأكبر لا يكمن في استخدام وسائل التواصل، بل في ربط تقدير الذات بالأرقام، فحين تصبح القيمة الإنسانية مشروطة بعدد المتابعين أو المشاهدات، يتحول الفرد إلى أسير للتقييم الخارجي، وتصف الدراسات النفسية هذا النمط بـ "الهوية المشروطة"، حيث لا يشعر الشخص بالرضا إلا عند حصوله على قبول الآخرين، في هذه الحالة، لا يعود الفرد صانعًا للترند، بل يصبح خاضعًا له، يلاحقه باستمرار خوفًا من فقدان الاهتمام.
كيف نستعيد التوازن؟
وتشدد د. هند على أن الحل لا يتمثل في رفض التكنولوجيا أو الانسحاب من العالم الرقمي، بل في إعادة تعريف العلاقة معه، ويتحقق ذلك عبر الفصل بين القيمة الشخصية والتفاعل الرقمي، والتركيز على الإنجازات الواقعية طويلة المدى، وتنمية مصادر تقدير ذاتي داخلية مثل تطوير المهارات، وبناء علاقات حقيقية، والسعي لنمو شخصي متوازن.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية