تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : عندما يزورنا الراحلون في المنام.. تفسير علمي وديني للقاء الأحبة
source icon

سبوت

.

عندما يزورنا الراحلون في المنام.. تفسير علمي وديني للقاء الأحبة

كتب:مروة علاء الدين

ليس الحلم بالميت حدثًا عابرًا في حياة الإنسان، بل تجربة تهز أعماق النفس، وتضع صاحبها في منطقة رمادية بين الرجاء والخوف؛ هل جاء الراحل ليطمئن؟ أم ليعاتب؟ أم ليطلب أمرًا لم يُنجز؟ أم أن العقل، في لحظة ضعف، أعاد تشكيل الوجع على هيئة وجه مألوف؟

في تلك اللحظات، لا يبدو الحلم مجرد خيال عابر، بل تجربة شعورية مكثفة تُعاش بكامل الإحساس، تختلط فيها الذاكرة بالعاطفة، وتبدو الصور والأصوات أقرب إلى الواقع منها إلى النوم. ومن هنا يتجدد السؤال الذي يؤرق الملايين؛ هل أحلام الموتى رسائل حقيقية، أم مرآة نفسية تعكس حزنًا لم يكتمل شفاؤه؟

هذا التقرير يفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية في تجربة الفقد، واضعًا إياه على طاولة العلم والدين معًا؛ من تفسيرات علم الأعصاب لكيفية استدعاء الدماغ للوجوه الغائبة، إلى آراء الأطباء النفسيين وتأويلات علماء الشريعة، في رحلة بحث عن الفهم، وعن وداع لم يكتمل.

جرح الفقد
لفهم تكرار ظهور الموتى في الأحلام، يبدأ العلم من «جرح الفقد»، بوصفه نقطة الألم الأشد، يقول الدكتور علي النبوي، الطبيب النفسي، إن الدماغ لا يتعامل مع الموت كحدث عابر، بل كصدمة تكسر السرد النفسي للحياة المشتركة مع الراحل، فيما يُعرف بـ«الجرح السردي»، حيث تنهار فجأة القصة التي كان الشخص جزءًا أساسيًا منها.

وخلال مرحلة نوم حركة العين السريعة، التي ينشط فيها الدماغ عاطفيًا وتضعف فيها سيطرة المنطق، يعيد العقل استدعاء الذكريات المرتبطة بالميت، كمحاولة نفسية لاستيعاب الصدمة وترميم الانقطاع المفاجئ، لذلك، فإن رؤية الميت في المنام لا تعني زيارة من الخارج، بل استدعاءً داخليًا من ذاكرة لم تُغلق جرح الفقد بعد.

واقع الحلم
في النوم العميق، تتراجع وظائف الفص الجبهي المسئول عن التفكير النقدي، بينما تنشط مراكز العاطفة والذاكرة البصرية، ما يجعل الحلم تجربة مكثفة تُعاش بمشاعر قريبة من اليقظة.

ويشير د. النبوي أن وضوح الحلم وقوة الإحساس داخله لا يدلان على واقعيته، بقدر ما يعكسان عمق العلاقة وشدة الارتباط العاطفي بالراحل، ففي هذه الحالة لا يميز العقل بين ما انتهى فعليًا وما لا يزال مفتوحًا نفسيًا، فيستمر الحلم كمساحة مؤقتة لتأجيل الوداع.

أنماط متكررة
يوضح الدكتور وائل أبو هندي، استشاري الطب النفسي، أن ظهور الميت في الأحلام يتبع أنماطًا نفسية واضحة، لكل منها دلالة مختلفة، منها:
- الميت الهادئ أو البشوش: دلالة على بداية التقبّل النفسي للفقد.
- الميت الصامت أو الباكي: انعكاس لمشاعر مكبوتة كالحزن العميق أو الذنب غير المُعبَّر عنه.
- الميت الذي يطلب شيئًا: محاولة عقلية لتحويل الألم إلى فعل ملموس يمنح الحزن معنى.
- تكرار مشهد الموت أو المرض: مؤشر على صدمة غير معالجة، وقد يرتبط باضطراب ما بعد الصدمة.

خطر التعلّق
يحذر د. أبو هندي من تحوّل الحلم بالميت من تجربة طبيعية إلى عبء نفسي عند ظهور مؤشرات مقلقة، مثل التكرار المفرط الذي يسيطر على التفكير اليومي، أو الهروب من الواقع عبر تفضيل النوم بوصفه وسيلة وحيدة للقاء الراحل، أو الإيمان المطلق بسلطة الحلم، واتخاذ قرارات مصيرية بناءً عليه.

في هذه الحالات، ينزلق الشخص إلى ما يُعرف بـ «التعلّق المرضي بأحلام الميت»، حيث تصبح اللقاءات الليلية بديلًا عن العلاقات الحية، وهو شكل معقّد من إنكار الفقد.

طريق التعافي
يؤكد د. أبو هندي أن الهدف من العلاج النفسي ليس محو الأحلام أو نسيان ذكرى الراحل، بل فهمها وتفكيكها، والفصل بين الذكرى الحقيقية والإسقاطات النفسية.

ويركز العلاج، خصوصًا المعرفي السلوكي، على إتمام الوداع العاطفي بصورة صحية، وإعادة توجيه المشاعر والطاقة نحو الحاضر، فالشفاء لا يعني نسيان الفقد، بل القدرة على الاستمرار في الحياة دون أن يكون الحلم الملاذ الوحيد للتواصل مع الراحل.

إطار التعافي
وتؤكد الدكتورة ياسمين ماهر، استشارية الطب النفسي، أن الخطوة الأولى نحو التعافي تكمن في إعادة تشكيل الإطار الذهني للحالم، موضحة أن الحنين إلى أحلام يظهر فيها الميت ليس نافذة على عالم الأموات، بل انعكاس لحالة النفس الحية ومشاعرها المعقدة.

وترى أن السؤال الأهم ليس «ماذا يريد مني الميت؟»، بل «ماذا يحاول عقلي أن يخبرني به من خلال هذه الصورة؟»، محذرة من خطورة تسليم القيادة لوهم صنعه الجرح، أو اتخاذ قرارات مهمة بناءً على أحلام مشحونة بالحزن.

وتختم قائلة: «الشفاء يبدأ عندما نتوقف عن انتظار رسائل من العالم الآخر، ونبدأ في قراءة وفك رموز رسائل أنفسنا المعذبة في هذا العالم».

اقتصاد الحزن
وفي الوقت الذي يركز فيه التعافي على الجهد الفردي، تظهر قوى تستغل هذا الحزن، فيما يُعرف بـ«اقتصاد الحزن»، ويقول الدكتور خالد سليمان، أستاذ علم الاجتماع، إن ألم البشر يتحول في هذا السياق إلى سلعة في سوق غير أخلاقي.

ويحدد ثلاثة أطراف رئيسية في هذا السوق؛ الدجالون ومفسرو الأحلام الزائفون، المشعوذون، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تروّج لتفسيرات خرافية تثير الخوف والقلق من أجل زيادة التفاعل، محذرًا من أن الخطر لا يقتصر على سرقة الأموال، بل يمتد إلى تعطيل الشفاء النفسي وإبقاء الناس أسرى دائرة الحزن.

تأويل الرؤى
وفي المقابل، يؤكد الشيخ محمد مجدي، مفسر الأحلام، أن تفسير الرؤى حين يُمارس بضوابط نفسية وروحية، لا يقوم على التخويف أو الادعاء، بل على فهم الرموز والحالة الإنسانية.

ويوضح أن نفسية الحالم وظروفه تلعب دورًا حاسمًا في مضمون الرؤيا، مشيرًا إلى مؤشرات تُرجّح أن الرؤيا تحمل معنى رمزيًا، مقابل أحلام ذات منشأ نفسي تتسم بالتكرار والتوتر.

ليست تواصل مباشر
ويقول الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن رؤية الميت في المنام لا تعني تواصلًا مباشرًا بالمعنى الدنيوي، بل هي في حقيقتها رسالة من الله للحي، يجعل فيها صورة الميت وسيلة للتأثير والقبول، مؤكدًا أن الأمر يظل من الغيب الذي لا يُجزم بتفاصيله.

تنقسم الرؤى التي يظهر فيها الموتى إلى ثلاثة أنواع:
- الرؤيا الصادقة: رسالة حقيقية من الله، قد تكون مبشرة أو محذرة، مثل رؤية الميت بحالة طيبة أو طالبًا شيئًا فيه خير، تتميز هذه الرؤى بالوضوح، ويشعر الرائي بصدقها في قلبه، ولا تتعارض مع الشرع. وقد وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة بأنها جزء من النبوة.

- الرؤيا الحزينة أو الكوابيس: أحلام مزعجة تأتي من الشيطان، تهدف لإدخال الحزن والقلق على قلب الإنسان.

- حديث النفس: انعكاس لأفكار وهموم الإنسان اليومية وشدة الشوق أو الحزن تجاه الميت، حيث يستدعي العقل صورته في المنام.

طلب الميت
ومن الجوانب العملية المهمة في هذا الموضوع، إمكانية طلب الميت شيئًا محددًا من الحي عبر المنام، كالدعاء أو الصدقة أو قضاء دين، وهذا من أكثر أنواع الرؤى الصادقة المتعلقة بالموتى وقوعًا، إذا جاء الميت في هيئة حسنة، وطلب أمرًا مشروعًا، فهذه رؤيا حق يُعمل بها، خاصة في عدة أمور منها:
- طلب الدعاء أو الصدقة: فهذا دليل على حاجته إليها، وأنها تصل إليه بإذن الله.
- الوصية بخير: كصلة رحم أو فعل معروف، فتُنفذ.
- الإخبار عن دين عليه: وهذه أهمها وأخطرها، ويجب على الأهل التحقق من الأمر والمسارعة في قضاء دينه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر أن نفس المؤمن "معلقة بدينه حتى يُقضى عنه".

شعور الميت
وبالانتقال إلى شعور الميت بأحوال الأحياء، فإن الثابت في الحديث الصحيح أن «الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» (متفق عليه)، وقد فسر جمهور العلماء أن المقصود الذي يؤذي الميت هو "النياحة" وليست مجرد البكاء.

والنياحة (محرمة وتؤذي) هي رفع الصوت بالصياح والعويل، وشق الثياب، ولطم الخدود، والتلفظ بما يدل على التسخط وعدم الرضا بقضاء الله، أما البكاء الطبيعي (جائز ولا يؤذي) وهو دمع العين وحزن القلب، فهذا من الرحمة الفطرية. 

تكرار الرؤية
أما فيما يتعلق بتكرار رؤية الميت نفسه في الأحلام، فإن له حالتين؛ الأولى: إذا كانت الرؤيا تحمل رسالة واضحة ومحددة، فتكرارها هو تأكيد على أهمية هذه الرسالة ووجوب المسارعة في تنفيذها.
الثانية: إذا كان التكرار مجرد ظهور للميت في أحوال مختلفة دون رسالة معينة، فالغالب أنه يرجع إلى شدة تعلق الرائي بالميت وكثرة تفكيره فيه، فيكون من باب "حديث النفس"

بين الطمأنة والقلق
ويعد الاعتقاد بأن الميت قد يأتي ليطمئن أهله من الرؤى المبشرة، في حين أوصى الشرع بآداب واضحة للتعامل مع الأحلام المزعجة، من الاستعاذة بالله وعدم نشرها.

وأخيرًا، يمكن تحويل الشوق إلى عمل صالح ينفع الميت، عبر الدعاء، والصدقة، وصلة رحمه، والرضا بقضاء الله، فالوفاء الحقيقي لا يكون بالتمسك بالأحلام، بل بإحياء الذكرى في واقع مليء بالمعنى.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية