تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
لا تُعد «الرشوة» مجرد مالٍ يُدفع خفية تحت الطاولة، بل جريمة مكتملة الأركان تهدم الضمير قبل أن تهدم الوطن، وتُعد واحدة من أخطر الجرائم الأخلاقية والإنسانية التي تضرب المجتمعات في جذورها، إذ تقتل قيمة العدالة، وتحول الحقوق إلى سلع تُباع وتُشترى، وتستبدل القانون بالنفوذ، والكفاءة بالواسطة، وقد اعتبرتها جميع الأديان خطيئة تُفسد النفس وتضلل صاحبها، لما تحمله من خيانة للأمانة وإهدار لميزان الحق، ودفع بالمجتمع نحو الفوضى.
وعمليًا، لا تقل الرشوة خطورة عن الأمراض الوبائية، فهي تنخر في جسد الدولة بصمت، وتهدر الموارد، وتُضعف المؤسسات، وتُفقد المواطن ثقته في منظومة الخدمات والعدالة، وتُعد الرشوة بوابة الفساد الكبرى وبداية انهيار أي كيان لا يتصدى لها، إذ تحول الوطن إلى ساحة تُدار بالمصلحة لا بالقيمة، عندما يحصل المواطن على حقه عبر الرشوة لا بالقانون أو الواجب، ما يجعل مواجهتها ليست شأنًا قانونيًا فقط، بل معركة وعي وأخلاق وثقافة، تهدف إلى حفظ العدالة وصون الأمانة.
مبادرة الأوقاف
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الأوقاف مؤخرًا مبادرة لمواجهة جريمة الرشوة، رافعة شعارًا واضحًا «الرشوة جرم وعصيان وخيانة تهدم الأوطان»، وذلك في محاولة لتحريك الوعي المجتمعي بخطورة الفساد على الأمن القومي والاجتماعي، ضمن مبادرتها الشاملة «صحح مفاهيمك».
وكرست المبادرة جهودًا مكثفة عبر ندواتها وفعالياتها للتصدي لجريمة الرشوة، في إطار رؤية تستهدف حماية المجتمع من أخطار الفساد، ويرصد التقرير التالي أبعاد هذه الأزمة الوطنية، وكيف تتحول الرشوة إلى قوة تدميرية تلتهم مقدرات الشعوب وتجهض أحلامها التنموية، مستندًا إلى تحليلات خبراء في الاقتصاد والاجتماع والدين.
هدم التنمية وتوقف الاقتصاد
يؤكد الدكتور محمد إبراهيم، الخبير الاقتصادي، أن الرشوة تُعد من أخطر الجرائم التي تلتهم طموحات الدول التنموية، إذ لا تسرق المال فقط، بل تسرق المستقبل نفسه، لأنها تتسلل إلى قلب القرارات الاقتصادية، وتعيد تشكيلها وفق مصالح أفراد، لا وفق احتياجات الوطن.
وأوضح أن الاقتصاد لكي ينمو يحتاج إلى بيئة نزيهة وعادلة، تقوم على التنافسية والمساءلة والشفافية، إلا أن الرشوة تعمل على هدم هذه القواعد واحدة تلو الأخرى، حتى تتحول الدولة إلى بيئة طاردة للاستثمار ومعرقلة للنمو.
وأشار إلى أن الرشوة تهدم التنمية من خلال مسارين رئيسيين، أولهما طرد الاستثمارات، نتيجة فقدان الشفافية والثقة التي يقوم عليها أي استثمار ناجح، فعندما تصبح المعاملات قائمة على العلاقات لا القواعد، يعزف المستثمرون عن ضخ أموالهم في سوق محفوف بالمخاطر، خاصة مع ارتفاع التكاليف غير المحسوبة في إجراءات التأسيس والتشغيل والتراخيص، وصعوبة التخطيط، ما يقلل من جدوى الاستثمار ويدفع بعض الشركات إلى الانسحاب أو الاكتفاء بمشروعات محدودة.
وأضاف أن الرشوة تشوه المنافسة، حيث يتحول عقد العمل لمن يدفع لا لمن يتقن، ما ينفر الكفاءات، ويُقصي الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات الكفاءة، ويقتل روح الابتكار، ويحرم الاقتصاد من دماء جديدة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في استنزاف الموازنة العامة وإهدار الموارد، حيث أوضح الخبير الاقتصادي أن دخول الرشوة في المناقصات والمشروعات يؤدي إلى تضخيم التكاليف عمدًا لتعويض العمولات، فيتحمل الاقتصاد أعباءً تفوق القيمة الحقيقية للمشروعات، مع تدني الجودة وارتفاع معدلات الفشل، فيتحول التمويل من تطوير الخدمات إلى إصلاح أخطاء كان يمكن تجنبها، أو إلى مشروعات وهمية لا تتجاوز الأوراق.
تفكيك البنية المجتمعية
من جانبها، أكدت سميرة علي، خبيرة علم الاجتماع، أن الرشوة تمثل وباءً اجتماعيًا ينهش النسيج الأخلاقي للدولة، فعندما تصبح المعاملات اليومية قائمة على الرشوة، تُستبدل الكفاءة بالغش والوساطة، وتتحول القيم إلى صفقات، ويتعلم الجيل القادم لغة الفساد كقاعدة للممارسة بدلًا من الاجتهاد والتعلم.
وأوضحت أن هذا الواقع يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات، وتلاشي مبدأ المساواة أمام القانون، وتراجع الامتثال للقوانين، ما يُضعف شرعية المؤسسات ويضاعف معدلات الإفلات من العقاب، ويعمق الفساد المؤسسي، ويقضي على الولاء المهني والتحفيز على الكفاءة.
وأضافت أن الرشوة تدفع الموظف المجتهد إلى اللامبالاة، عندما يرى أن الترقية تُمنح بالوساطة لا بالجهد، ما يؤدي إلى تراجع الأداء العام وهروب الكفاءات، كما تسهم في تشويه القيم الأخلاقية والدينية، وتُحدث ازدواجية في معايير الحلال والحرام، وتحوّل العلاقة بين الدولة والمواطن إلى صفقة قائمة على المصالح الخاصة.
وأشارت إلى أن أخطر آثار الرشوة هو توريث الفساد، حيث يتحول الدفع مقابل الخدمة إلى عرف اجتماعي، تنتقل رسالته عبر الأسرة والمدرسة والمجتمع، فتتفاقم دائرة الفساد عبر الأجيال، ويتفكك النسيج المجتمعي، وتزداد التوترات، وتتراجع جودة الحياة والخدمات، من تعليم وصحة وفرص متكافئة.
جرم أخلاقي
من جانبه، يقول الشيخ محمد العزب، من علماء الأوقاف والأزهر، إن الرشوة ليست مجرد جرم أخلاقي أو جنائي، بل استراتيجية تدمير قاتلة للمجتمع، تهدد اقتصاد الوطن وهويته ومستقبله، مشددًا على أن مكافحتها تتطلب منظومة متكاملة تشمل قوانين رادعة، وتنفيذًا صارمًا، وإصلاحات إدارية، وتثقيفًا مجتمعيًا، وتربية النشء على الأخلاق، إلى جانب حملات توعوية دينية مستمرة.
أحكام شرعية قطعية
وأوضح الشيخ محمد العزب أن الحملة ركزت على بيان الحكم الشرعي للرشوة بشكل قاطع لا يحتمل التأويل، إذ حرمتها النصوص الإسلامية على الراشي والمرتشي والوسيط، ووصفت المال المكتسب منها بأنه «سحت» يمحق البركة ويجلب غضب الله، باعتبارها اعتداءً مباشرًا على العدالة وحقوق المستضعفين، وإفسادًا لميزان الحق في الأرض.
دعوة إيجابية
وتحث وزارة الأوقاف المواطنين على عدم الانصياع لسلوك الرشوة، والمشاركة في مكافحتها عبر التبليغ عن حالات الفساد، والمساهمة في خلق بيئة نظيفة وشفافة، مؤكدة أن محاربة الرشوة ليست خيارًا، بل ضرورة وطنية وشرط أساسي للتنمية، وأن النزاهة الإدارية تمثل الركيزة التي يجب أن تُبنى عليها خطط المستقبل لضمان وطن آمن ومزدهر للأجيال القادمة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية