تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : زرياب.. رائد الموسيقى و" الإتيكيت" في الحضارة العربية
source icon

سبوت

.

زرياب.. رائد الموسيقى و" الإتيكيت" في الحضارة العربية

كتب:محمود درغام

تمرّ 1169 عامًا على وفاة أبي الحسن علي بن نافع، الشهير بـ «زرياب»، حيث تحلّ ذكراه في 27 يناير الجاري، وتكمن أهمية زرياب التاريخية في الدور الكبير الذي لعبه في إثراء فنون الموسيقى العربية، إلى جانب إسهاماته اللافتة في مجال الإتيكيت ونمط الحياة.

وتذكر كتب التاريخ أن زرياب قدّم مشروعًا ثقافيًا شاملًا داخل بلاط عبد الرحمن الأوسط، رابع خلفاء الدولة الأموية في الأندلس، حتى وُصف بأنه أشبه بـ «وزير ثقافة» ذلك العصر، كما قام بنقل إتيكيت البلاط العباسي إلى الأندلس، ثم أعاد صياغته وتقديمه في صورة طقوس يومية قابلة للانتشار بين عامة الناس.

من هو زرياب؟
زرياب موسيقي ومغنٍّ وملحّن، وُلد في الموصل في زمن الخليفة هارون الرشيد، وقد لُقّب بزرياب لعذوبة صوته وبشرته الداكنة – نسبة إلى طائر أسود اللون عذب الصوت- تتلمذ على يد عَلَم الغناء في عصره إسحاق الموصلي، الذي اصطحبه ذات يوم إلى الخليفة هارون الرشيد، حيث غنّى بين يديه:
يا أيها الملك الميمون طائره     هارون راح إليك الناس وابتكروا

فأُعجب الخليفة بزرياب وطلب من الموصلي أن يعتني به، غير أن الغيرة دبّت في نفس أستاذه، فهدّده إما بمغادرة بغداد أو القتل، ما دفع زرياب إلى مغادرة عاصمة الخلافة متجهًا إلى القيروان، حيث أقام في بلاط بني الأغلب.

ثم قرر لاحقًا الرحيل إلى الأندلس، فخاطب الحكم بن هشام الأموي، حاكم قرطبة، عارضًا عليه خدماته، فوافق فورًا، ليستقر هناك حتى وفاته في 27 يناير 857م.

إسهاماته الموسيقية
يقول الموسيقار نصير شمة إن زرياب أسّس مدرسة موسيقية في قرطبة، قامت على فكرة أن الموسيقى ليست مجرد محفوظات، بل مجال واسع للتجريب والابتكار في الأساليب والآلات.

ويضيف أن مصادر حديثة تنسب إلى زرياب وضع قواعد أداء «النوبة الأندلسية»، وهي بنية لحنية تنقسم إلى خمسة أدوار، يُغنّى في كل دور موشّح أو أكثر، وهو ما يفسر كيف تحولت الأندلس إلى تقليد حيّ للموسيقى الكلاسيكية في شمال إفريقيا.

إتيكيت زرياب
كما يشير نصير شمة إلى أن زرياب نقل آداب البلاط العباسي إلى الأندلس، ثم أعاد صياغتها لتصبح طقوسًا يومية قابلة للانتشار، فعلى سبيل المثال، وضع قاعدة تقديم الطعام على مراحل تبدأ بالحساء، ثم اللحوم، وتنتهي بالفواكه أو الحلوى.

كما تذكر المصادر التاريخية أنه أدخل أغطية الطاولات، واستبدل الكؤوس الذهبية والفضية بالكؤوس البلورية الأخف وزنًا، إلى جانب إعادة تصميم ملعقة الحساء لتصبح أرقّ وأخف.

وتشير الروايات إلى أن زرياب كان أول من أنشأ مدرسة لتعليم تجميل النساء، شملت تهذيب الحواجب، وإزالة الشعر، واستخدام العطور ومستحضرات التجميل. كما ابتكر قصّات جديدة للشعر، ويُنسب إليه اختراع معجون الأسنان.

كذلك يُعد زرياب أول من وضع منطقًا موسميًا للملابس؛ فالملابس القطنية الزاهية تُرتدى في الربيع، والبيضاء في الصيف، بينما تُرتدى العباءات الطويلة الموشّاة بالفرو في الشتاء.

ويختتم نصير شمة حديثه بالتأكيد على أن زرياب ليس مجرد أسطورة رفاهية، بل نموذج مبكر لـ «صناعة الثقافة»، لذا بقي اسمه حيًا؛ لأنه لم يُضف إلى الأندلس الأغنية فحسب، بل أضاف أسلوب حياة لا يزال حاضرًا حتى يومنا هذا.

الموسيقى العربية
من جانبه، يقول الدكتور هيثم الهواري، أستاذ ورئيس قسم الموسيقى العربية بكلية التربية الموسيقية – جامعة حلوان، إن زرياب لعب من الناحية التقنية دورًا كبيرًا في توسيع المساحة الصوتية لآلة العود، من خلال إضافة الوتر الخامس، ما أدى إلى اتساع إمكاناتها وتغيّر طبيعة المؤلفات التي تُلحّن لها، لتتناسب مع مختلف الطبقات الصوتية للمطربين، كما أسهم استبدال المضراب بالريشة في زيادة عذوبة نغمات العود.

ويشير د. الهواري إلى أن الفارابي كان أول من دوّن نظريًا فكرة إضافة وتر خامس للعود، لكن التطبيق العملي يُنسب إلى زرياب، مؤكدًا أن العود أقرب الآلات إلى الصوت البشري.

ويضيف أن آلة العود شهدت عبر العصور مراحل تطوير متعددة، حيث أُضيفت أوتار لطبقة القرار الغليظة أو الجواب الحادة، ليصل عدد أوتارها اليوم إلى ستة أو سبعة أوتار، وهو تطور يعود في جذوره إلى تجربة زرياب.

ويختتم حديثه بأن الموسيقى أشبه بمثلث أضلاعه المؤلف والمؤدي والمستمع؛ فكلما تطورت الآلة اتسعت دائرة مستمعيها وازدهر الفن، مشيرًا إلى أن زيادة أوتار العود ليست عملية مفتوحة بلا حدود، بل تحكمها التجربة والقياس، وقدرة الآلة على تحمّل الشد واستيعاب الأصوات الجديدة، إلى جانب مهارة العازف نفسه.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية