تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
يحمل شهر رمضان الكريم في طياته روحانية خاصة وعادات متوارثة تختلف من محافظة لأخرى، فتعيش كل منطقة أجواءها المميزة بتراثها وعاداتها التي انتقلت عبر الأجيال، من بلاد النوبة إلى سيناء والواحات البحرية، لكل محافظة طقوسها وأطباقها الخاصة ومظاهر احتفالها التي تميز شهر الصيام عن باقي شهور السنة.
الإبرية النوبية
في محافظة أسوان، يستقبل أهل النوبة شهر رمضان بطقوس تمتزج فيها الروحانية بالبهجة والترابط الأسري في جميع القرى النوبية، يروي محمد سيد، صاحب الأربعين عامًا من أهل النوبة، أن هذه العادات متوارثة عن الأجداد، ويحرصون على تنفيذها بدقة كل عام، قبل رمضان بـ 15 يومًا، يبدأ الأهالي في تحضير "الإبريه"، وهو عجين يشبه الرقاق يتكون من الدقيق والماء والملح، يُخبز ويوزع على الأهالي وحتى على المحافظات الأخرى حسب الطلب، ويوضع يوميًا في إبريق مع الماء والسكر والليمون والزبيب والبلح، ليكون المشروب النوبي الرسمي للإفطار، إذ يمنح شعورًا بالشبع قبل الصلاة.
كما يفرش الأهالي "الحصر"، ويتجمع الرجال في الشوارع للإفطار معًا، بينما تتجمع السيدات والأطفال في المنازل، والأطعمة متشابهة مع باقي المحافظات ولكن بأسماء نوبية، مثل "التشيدة" و"السخينة"، وبعد الإفطار، يُحضَّر "الأسليه"، وهو الفشار البديل للحلويات، ويوزع على الجميع. ومن الطقوس النوبية أيضًا دهان المنازل وتركيب "الشعاليق" داخل البيت، وهي قفة ذات أذنين تُعلق في السقف لحفظ الخبز والطعام، وهي عادة موروثة منذ القدم، وبعد صلاة العشاء والتراويح، يجتمع الرجال في مجالس للأنس والتشاور وحل المشكلات اليومية.
الجريشة تستقبل رمضان بسيناء
أما في سيناء، فيختلف الطقس الرمضاني لدى البدو، يقول حميد أبو غلبة، من بدو سيناء ويعمل في شركة سياحية، إن المشروب المخصص لديهم هو "شوربة الجريشة"، المصنوعة من القمح المجروش مع شوربة الماعز أو الماء حسب الإمكانيات، مضافًا إليها التوابل، وتُقدم مع عصير المشمش أو البلح السيناوي، ومن العادات المهمة هناك توزيع أطباق الطعام على الجيران، حتى لو كانت هناك خصومة، ويقوم كل بيت بعمل عزومة أسبوعية طوال شهر رمضان، ومن الأطباق الأساسية للإفطار "الفتة السيناوية" المكونة من اللبن والفطير والسمن، وطبق "المعدوش" من الأرز بالعدس الأصفر ولحم الماعز، بالإضافة إلى الحلويات الأساسية لديهم، وهي الزلابية.
الواحات البحرية
أما في الواحات البحرية، حيث يسكن الأهالي في مناطق صحراوية، فيحتفلون بشهر رمضان بطقوس روحية ودينية خاصة، يقول الدكتور خطري عرابي، أستاذ الأدب الشعبي والتراث بجامعة القاهرة، إن من أبرز العادات شرب عصير "البردية" عند أذان المغرب، وهو مزيج من الفلفل الأخضر الحار والملح وعصير الليمون والماء، ويُقدم مع البلح الواحاتي لفتح الشهية، وبعد الإفطار يؤدي الأهالي الصلاة، ثم يجتمعون في حلقات لتناول "العتوم"، وهو مجموعة أطعمة من منازل مختلفة تُقدم لكل فرد طوال الشهر.
وللأطفال طقوس خاصة أيضًا، حيث يجهزون أطباقًا من الفخار مملوءة بالطعام، ويبنون بيتًا صغيرًا من الحجارة ويغطونه بالخشب، ثم يغنون ويتبادلون الدعوات للميت أثناء الليل، وهو تقليد رمضاني فريد خاص بالشهر الكريم فقط.
تظل هذه العادات والطقوس نافذة حية على التراث المصري المتنوع، فتبرز خصوصية كل محافظة وروحانيتها خلال الشهر الكريم، مما يجعل رمضان في مصر مناسبة للتلاحم الاجتماعي والتمسك بالتراث المتوارث عبر الأجيال.
المحافظات الساحلية
أما في المحافظات الساحلية مثل الإسكندرية ودمياط وبورسعيد ومطروح، فعلى الرغم من اختلاف الأكلات والمشروبات والطقوس، فإن الروح الرمضانية واحدة: المشاركة، والتكافل الاجتماعي، وصلاة الجماعة، واجتماع العائلات، والاحتفال بروح الصيام.
هذا التنوع يعكس غنى التراث المصري وقدرته على توحيد الناس حول قيم الخير والعطاء، ويجعل رمضان مناسبة للتلاحم الاجتماعي والتمسك بالعادات والتقاليد التي تنتقل من جيل إلى جيل، مع لمسات محلية لكل محافظة تضيف نكهتها الخاصة إلى الشهر الكريم، ففي كل محافظة مرآة للهوية المصرية الأصيلة، حيث تلتقي الروحانية بالبهجة، والتقاليد بالمعاصرة، من النوبة وسيناء إلى الواحات البحرية والمحافظات الساحلية.
فكل طبق، وكل مشروب، وكل جلسة رمضانية تحمل قصة الأجداد وروح المجتمع، وتجعل الشهر الكريم مناسبة ليس للصيام فقط، بل للتلاحم الأسري والاجتماعي وتعزيز قيم العطاء والمشاركة والتضامن، رمضان في مصر ليس مجرد شهر للصيام، بل رحلة عبر التراث والحياة اليومية، واحتفال بالهوية والانتماء في كل محافظات الوطن.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية