تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في مصر، لم يكن شهر رمضان مجرد مناسبة للصيام، أو كسائر أشهر السنة، بل حدثًا اجتماعياً وثقافياً تتجسد فيه روح التجمع الأسري حول موائد الإفطار الكبيرة، كانت الأسر تتسابق على إعداد هذه الموائد تعبيرًا عن الكرم، وصلة الرحم، والمشاركة، ودفء العلاقات، لتصبح العزومات الموسمية جزءًا من طقوس متوارثة عبر الأجيال، تجمع الأقارب والجيران، وتتيح تبادل الطعام والحديث، وتثري الروابط الاجتماعية بروح الشهر الكريم.
لكن في السنوات الأخيرة تغير المشهد تدريجيًا، وبدأت مؤشرات التحول تظهر في هذه العادة، حيث تقلصت التجمعات، وأُلغيت أحيانًا، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة، وإيقاع عمل يومي أسرع، وتحولات في أنماط الحياة الأسرية، ودفعت هذه العوامل الأسر لإعادة التفكير في حجم التجمعات، وطبيعة العزومات الرمضانية، وتبلورت بدائل تحافظ على روح الشهر الكريم، مع منح اللقاءات بساطة ومرونة، دون عبء مادي أو ضغط نفسي.
لكن في السنوات الأخيرة تغير المشهد تدريجيًا، وبدأت مؤشرات التحول تظهر في هذه العادة، حيث تقلصت التجمعات، وأُلغيت أحيانًا، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة، وإيقاع عمل يومي أسرع، وتحولات في أنماط الحياة الأسرية، ودفعت هذه العوامل الأسر لإعادة التفكير في حجم التجمعات، وطبيعة العزومات الرمضانية، وتبلورت بدائل تحافظ على روح الشهر الكريم، مع منح اللقاءات بساطة ومرونة، دون عبء مادي أو ضغط نفسي.
تغيرات متباينة
لم يكن هذا التغيير مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار فقط، بل تعبير عن تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية أعمق، فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، وأجبرت الأسر على إعادة تعريف معنى "اللمة" في رمضان، لتبقى الروابط قائمة، لكن في صياغة جديدة تتوافق مع الواقع المعاصر.
بدائل مبتكرة
تقول ندى عاطف، ربة منزل في الأربعين من عمرها، أن مائدة الإفطار الرمضاني كانت دائمًا أحد أهم طقوس العائلة، حيث يجتمع الكبار، ويتعارف الصغار، ويتبادل الجميع الحكايات والضحكات، في أجواء تختصر معنى "اللمة" التي ارتبطت بالشهر الكريم عبر سنوات طويلة.
وأضافت، لم يكن القرار سهلاً على عائلتنا، فالعزومة السنوية كانت جزءًا أساسيًا من طقوسنا في رمضان، ولكن مع ارتفاع الأسعار وضغوط الحياة اليومية، وجدنا أنفسنا مضطرين للتفكير في بدائل، لم نرغب في إلغاء اللقاء تماما، ولكن حاولنا إعادة تصميمه بطريقة تتناسب مع الواقع الجديد.
وأشارت ندى، إلى أن عائلتها قررت الاتجاه إلى تنظيم لقاءات أصغر وأقصر، مع توزيع مسئولية إعداد الطعام بين الجميع، حتى لا يتحمل فرد واحد العبء كاملًا، مشيرة إلى أن الهدف كان الحفاظ على أجواء الاحتفال، دون أن تتحول المناسبة إلى ضغط مالي أو نفسي.
وقالت في البداية، بدأ تقليص العزومات، وكان بمثابة تنازل عن التقاليد المتوارثة، لكننا سرعان ما اهتدينا إلى تنظيم اللقاء بطريقة أكثر مرونة، ولذلك فكرنا فيما يعرف بـ "الديش بارتي"، حيث يساهم كل بيت بطبق من اختياره، في بيت العائلة أو البيت الكبير، وتتجهز المائدة من إعداد الجميع، ويظل الشعور بالمشاركة حاضرا، دون تكاليف مرهقة لشخص بعينه.
وتقول ندى، أن التجربة غيرت نظرتهم للعادات الرمضانية، كما تعلمنا أن التقاليد يمكن أن تتطور دون أن تفقد جوهرها، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية دفعتنا للتفكير بطريقة مختلفة، لكنها في الوقت نفسه منحتنا فرصة للتواصل بصدق، بعيدا عن المظاهر والمقارنات، وأصبح اللقاء الرمضاني احتفالا بالعائلة نفسها، وبقيمة القرب، لا بعدد الأطباق على المائدة.
لمة الصحاب
أشارت ولاء أحمد، إلى إن لقاءاتها مع صديقاتها في رمضان كانت تقليدًا ثابتًا من الصعب التخلي عنه، حيث اعتدن أن يجتمعن كل أسبوع في بيت إحداهن، والتي تتولى فيه إعداد مائدة الإفطار، بينما تتقاسم الأخريات تفاصيل اليوم والضحكات والذكريات، وكان اللقاء بالنسبة لهن مساحة للهرب من ضغوط الحياة، وتجديد الروابط التي جمعت بينهن منذ سنوات.
وقالت، كنا ننتظر رمضان من أجل التجمع، كل أسبوع في بيت واحدة منا، لكن مع سرعة الحياة وضغط الشغل ومسؤوليات البيت والأولاد، أصبح الموضوع مرهقا وصعب الاستمرار فيه بنفس الشكل.
إلى أن بدأت المجموعة تبحث عن صيغة جديدة، تحافظ بها على اللقاء دون أن ترهق أياً منهن، فكان الحل في الانتقال إلى أماكن مفتوحة، تسمح لهن بالجلوس معا في أجواء مريحة، مع الاتفاق مسبقا على الوجبات، بحيث تعد كل واحدة طبقا تحبه وتشاركه مع الجميع، موضحة أن هذه الفكرة لم تخفف العبء فقط، بل منحت اللقاء بعدًا جديدًا لاستمرار وبقاء العلاقات والود.
فهذه اللقاءات، أصبحت مساحة لصناعة ذكريات من الصعب نسيانها، مؤكدة أن "اللمة" كانت وما زالت الرابط الأقوى بينهن، رغم تغير الظروف.
اختلاف التوقبت
أما محمد جمال، فيقول إن تجمعه مع أصدقائه على مائدة الإفطار الرمضاني، كان تقليدًا ثابتًا، حيث تجمعهم صداقة الطفولة، والتي يعقبها السهر والحديث لساعات طويلة، للحفاظ على بقاء مساحة مشتركة تجمعهم رغم اختلاف المسئوليات.
وأضاف، كنا نحرص دائما على تجمعنا والسهر بعد انتهاء العمل، لكن مع زيادة الالتزامات المهنية والأسرية، أصبح من الصعب التنسيق بيننا بنفس الوتيرة.
ومع تراجع القدرة على الالتقاء وقت الإفطار، بدأنا البحث عن بديل تسمح لنا بالاستمرار في التواصل، دون أن نصطدم بالظروف، فكان القرار بالتحول إلى لقاءات السحور، باعتبارها أكثر مرونة، وأقل تكلفة، وتمنحنا مساحة زمنية أطول للجلوس معا.
وأوضح محمد أن هذا التغيير خفف عنهم الكثير من الضغوط، قائلًا، أن السحور وفر لنا فرصة للقاء دون تحمل أعباء مادية، كما أنه أتاح لنا الجلوس في الأجواء الرمضانية المفتوحة، وزيارة أماكن لم نكن نستطيع الذهاب إليها حين كانت لقاءاتنا تقتصر على البيوت.
وساعدهم هذا النمط الجديد من اللقاءات، على التكيف مع واقعهم المتغير، دون التفريط في صداقتهم، مؤكدا أن الحفاظ على الروابط الإنسانية أصبح يعتمد اليوم على المرونة، والقدرة على إيجاد حلول تناسب مع إيقاع الحياة السريع، دون أن تفقد العلاقات دفئها ومعناها.
قراءات متباينة
يرى الدكتور محمد إبراهيم، الخبير الاقتصادي، أن تراجع العزومات الرمضانية يرتبط بشكل مباشر بارتفاع تكلفة المعيشة، وتآكل القوة الشرائية للأسر، موضحًا أن مائدة الإفطار تحولت من مناسبة اجتماعية بسيطة إلى عبء مالي حقيقي، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع هامش الادخار لدى الطبقة المتوسطة.
وأضاف، أن كثيرًا من الأسر باتت تتعامل مع رمضان بعقلية "إدارة الميزانية"، حيث تفاضل بين الإنفاق على الاحتياجات اليومية الأساسية والمناسبات الاجتماعية، وهو ما جعل العزومة، في نظر البعض، بندًا يمكن الاستغناء عنه أو تقليصه دون الإضرار بالاستقرار المالي للأسرة.
وأكد أن هذا التحول قد يكون له جانب إيجابي على المدى الطويل، حيث يساهم في ترسيخ ثقافة الترشيد والاستهلاك الواعي، ويقلل من ظاهرة الاستدانة الموسمية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الأسري الأكثر توازنًا، ينعكس في النهاية على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأفراد.
ومن جانبها، ترى الدكتورة سامية حسن، أستاذ علم الاجتماع، أن تراجع العزومات لا يمكن تفسيره اقتصاديًا فقط، لأنه يرتبط بتحولات أعمق في شكل العلاقات الاجتماعية ونمط الحياة، مؤكدة أن المجتمع المصري يشهد انتقالًا تدريجيًا من "الثقافة الجماعية الواسعة" إلى علاقات أكثر خصوصية ومرونة.
وتوضح أن البدائل مثل "الديش بارتي" أو السحور الجماعي تعبر عن قدرة المجتمع على التكيف، دون التخلي عن قيمة "اللمة"، مضيفة أن هذه الصيغ الجديدة تعكس إعادة تعريف لمفهوم الكرم، بحيث يصبح قائما على المشاركة والتقارب الإنساني، وليس على وفرة الطعام أو المظهر الاجتماعي.
وتوضح هذه القراءات المتقاطعة، أن "رمضان بلا عزومات" نتيجة تفاعل معقد بين ضغوط المعيشة، وتحولات القيم الاجتماعية، وسعي الأسر إلى الحفاظ على روابطها بأدوات أكثر واقعية واستدامة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية