تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
"صدق أو لا تصدق".. فلسطين أسعد من دول عربية كثيرة، رغم كل المعاناة التي يعيشها أهلها من قتل وتهجير وتهويد وفقدان لأبسط مقومات الحياة، إلا أن مؤشر السعادة العالمي -الذي تصدره شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة- سجل تقدم فلسطين في تصنيفها هذا العام، حيث حلت في المرتبة 109 عالميًا، متقدمة على عدة دول عربية من بينها مصر والأردن والعراق.
والأغرب هو هذا التقدم، رغم ما تعرضت له على مدار العام على يد الاحتلال، إذ صعدت بنحو 30 مركزًا مقارنة بالتصنيفات الماضية، وهو ما يعكس أن الشعور بالرضا والسعادة لا يرتبط بالحسابات المادية أو رفاهية الحياة، بل يتعلق بعوامل عقائدية ونفسية في المقام الأول، لذا نحاول في هذا التقرير معرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء شعور الشعب الفلسطيني بالرضا والسعادة، من خلال تحليل سيكولوجيته والعوامل الاجتماعية المؤثرة في ذلك.
والأغرب هو هذا التقدم، رغم ما تعرضت له على مدار العام على يد الاحتلال، إذ صعدت بنحو 30 مركزًا مقارنة بالتصنيفات الماضية، وهو ما يعكس أن الشعور بالرضا والسعادة لا يرتبط بالحسابات المادية أو رفاهية الحياة، بل يتعلق بعوامل عقائدية ونفسية في المقام الأول، لذا نحاول في هذا التقرير معرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء شعور الشعب الفلسطيني بالرضا والسعادة، من خلال تحليل سيكولوجيته والعوامل الاجتماعية المؤثرة في ذلك.
المعنى وليس الظرف
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة هنا شاهين، أخصائي الصحة النفسية؛ من الأمور المثيرة للدهشة تقدم فلسطين الشقيقة في مؤشر السعادة على بعض الدول العربية الأكثر استقرارًا، والتي يعيش أهلها حياة حرة دون استعمار أو قتل أو إبادة، كما هو الحال في الأراضي المقدسة.
وتساءلت؛ كيف يشعر شعب يعيش تحت القصف وفي حرمان لا مثيل له بدرجات من الرضا أعلى من مجتمعات تمتلك أفضل مقومات الحياة وتنعم بالحرية والأمان؟ موضحة أن إجابة هذا السؤال تتعلق بالمعنى وليس بالظروف.
وأضافت أن علم النفس الحديث يفرق بين السعادة بوصفها متعة، والسعادة بوصفها معنى ورسالة، فالشعب الفلسطيني يقدم نموذجًا واضحًا لمعنى السعادة الحقيقي.
نظرية الصمود النفسي
ووفقًا لنظرية الصمود النفسي، فإن الإنسان يطور قدراته النفسية بشكل استثنائي عندما يواجه تهديدًا وجوديًا طويل المدى، ويعمل على التكيف والاستمرار مع الوضع الجديد، خاصة إذا كان يمتلك هوية راسخة وعقيدة متأصلة وشبكة دعم اجتماعي متماسكة، وهو ما يتمتع به المجتمع الفلسطيني الأبي.
وتشير د. شاهين إلى أن المعاناة المرتبطة بالقضية الوجودية والكرامة والهوية تمنح صاحبها قدرة مذهلة على الاحتمال والصمود، ومن ثم الشعور بالسعادة، لأن المعاناة بلا معنى تُحبط صاحبها وتحطمه.
التدين الإيجابي
ولفتت إلى أن دراسات التدين الإيجابي تؤكد أن العقيدة، حينما تتحول إلى مصدر ثقة، تعمل كعامل حماية نفسي قوي ضد اليأس والانهيار، فالإيمان ليس مجرد ممارسة فردية، بل إطار نفسي يمنح الناس القدرة على الصبر والرضا، ومن ثم السعادة رغم المعاناة والألم.
وشددت على أن السعادة لا تعني غياب الألم أو تجاهل الفقد، بل هي قدرة نفسية على الاستمرار والتمسك بالأمل وتحويل المعاناة إلى معنى لمواصلة المشوار، وهذا سر من أسرار صمود الشعب الفلسطيني ورضاه عن حاله.
فعل مقاومة
واتفقت معها في الرأي الدكتورة شيماء طه، مدرس الأدب والنقد بجامعة الأزهر، مؤكدة أن السعادة في المنظور الفلسطيني هي "فعل مقاومة"، فصاحب الأرض يتمسك بابتسامته وكرامته كنوع من التحدي للواقع المرير الذي يعيشه.
وأضافت أن الشعب الفلسطيني ضرب أروع الأمثلة في الصمود ومفهوم السعادة، وأكد أن السعادة لا تُستمد من رغد العيش أو طمأنينة الاستقرار، بل تنبثق من التمسك بالحرية والكرامة والأمل في غد مشرق، وعدم الاستسلام للواقع المرير، والرغبة في تغييره نحو الأفضل.
عدالة القضية
وأوضحت أن الشعور بعدالة القضية يمثل دافعًا قويًا للصمود والتحدي، كما يرفع من التقييم الذاتي للحياة رغم صعوبتها وأضافت؛ نشاهد أمهات الشهداء يودعن أبناءهن بالزغاريد، في مشهد يعكس التسليم بقضاء الله، دون اعتراض أو سخط، كما نرى الشباب، رغم الفقد والظروف المأساوية، ينشدون الأغاني والقصائد في تحدٍ واضح، مؤكدين تمسكهم بالحياة والدفاع عن أرضهم، وبث الأمل وتجديد العزيمة في نفوس بعضهم البعض.
مجتمع فريد
ومن جانبها، قالت الدكتورة دينا علم أحمد الشربيني، مدرس علم الاجتماع بجامعة الأزهر، إن الشخصية الفلسطينية من الشخصيات القوية، التي تمتلك ثقة بالنفس مستمدة من الإيمان، وعزة نفس وكرامة لافتة، فضلًا عن اعتزازها بالهوية الوطنية.
وأضافت أن ذلك انعكس على تماسك الأسرة وتقوية الروابط العائلية، ومساندة الأفراد لبعضهم البعض في أوقات الشدائد، إلى جانب الرضا والتسليم بقضاء الله، وهو ما يعزز الشعور الإيجابي، رغم قسوة الظروف.
التحديات النفسية
وأشارت د. دينا إلى أنه رغم التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فإن المجتمع الفلسطيني يسعى إلى امتصاص الصدمات والتكيف الإيجابي معها، والحفاظ على تماسكه واستمرار الأمل في غد أفضل.
كما أوضحت أن الأسرة الفلسطينية تُعد من أكثر الكيانات تأثرًا سلبًا بالاحتلال، خاصة فيما يتعلق بالحياة اليومية والترابط الأسري، إلا أنها ما زالت تحافظ على تماسكها بشكل لافت.
ويتميز المجتمع الفلسطيني بعقيدة دينية راسخة، وترابط مجتمعي قوي، والحفاظ على القيم الاجتماعية، مثل احترام كبار السن، وإكرام الضيف، ومساندة الجار، وتقدير المرأة، وهي عوامل عززت الشعور بالسعادة والرضا الداخلي.
وفي النهاية، يؤكد ذلك أن السعادة لا ترتبط فقط بالوضع المادي أو السياسي أو الاقتصادي، بل تعتمد بدرجة كبيرة على الإيمان والعوامل النفسية والاجتماعية، التي تختلف من مجتمع لآخر.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية