تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
تبدلت ملامح كثير من الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن كانت الخصوصية حقًا أصيلًا للأب والأم، باتت اليوم مساحة الخصوصية داخل البيوت لصالح الأبناء، هاتف الابن أو الابنة أصبح «سرًا حربيًا» لا يجرؤ الوالدان على الاقتراب منه، وغرفهم تحولت إلى مساحات معزولة لا يدخلها أحد إلا بعد الاستئذان، فيما باتت مواعيد الطعام والجلوس العائلي تُحدد وفقًا لمزاج الأبناء وظروفهم.
ومؤخرًا، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تحذير من عدد من خبراء الصحة النفسية والتربية، نبهوا فيه إلى خطورة استمرار هذا الوضع، مطالبين بعودة هيبة الوالدين وخصوصيتهما داخل البيت، دون إهدار حق الأبناء في الاستقلال.
وبحسب المتخصصين، فإن للأبناء خصوصية داخل الأسرة، وهو حق مشروع يعزز الثقة بالنفس ويمنح الشعور بالاستقلالية، إلا أن المبالغة في هذه الخصوصية وتحولها إلى عزلة تامة قد تؤدي إلى خلل في التوازن الأسري، خاصة في ظل غياب الدور الرقابي للأب والأم.
تحولات الأسرة المصرية
يوضح الدكتور حشمت عبد الحكم، العميد الأسبق لكلية التربية بجامعة الأزهر بالقاهرة، أن هذا التحول الذي طرأ على الأسرة المصرية له أسباب عديدة، في مقدمتها التطور الهائل والمخيف في استخدام التقنيات التكنولوجية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، الذي أثر بشكل كبير في عزلة الآباء والأبناء على حد سواء.
ويشير إلى أن الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات والعالم الافتراضي أسهم في الابتعاد النفسي والعقلي عن الأسرة، إلى جانب طغيان الماديات ولهث الآباء والأمهات وراء العمل لتلبية احتياجات الأبناء، ما أدى إلى انشغالهم عنهم وغياب الرقابة الأبوية.
خصوصية مفرطة
ويرى العميد الأسبق لتربية الأزهر أن ظهور جيل «ألفا»، الذي تزامن ميلاده مع الطفرة التكنولوجية، أفرز جيلًا بخصائص نفسية واجتماعية وثقافية مغايرة تمامًا للأجيال السابقة، حيث يفضل العزلة والعيش داخل عالمه الافتراضي، والابتعاد عن التفاعل الأسري المباشر.
ويؤكد أن هذا الواقع منح أبناء هذا الجيل مساحة خصوصية أكبر مما ينبغي داخل البيت، على حساب خصوصية الوالدين وهيبتهما، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأجيال، بحيث يصبح لكل جيل عاداته وسلوكياته الخاصة التي يتمسك بها دون اعتبار للآخر.
حلول مطلوبة
ويشير د. حشمت إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بضرورة التعايش الحقيقي بين الوالدين والأبناء، من خلال التعرف على احتياجاتهم واهتماماتهم ومشاركتهم فيها، مع الابتعاد عن أسلوب الأوامر والنواهي، وفتح باب الحوار المستمر لمعرفة مشكلاتهم سواء داخل المدرسة أو مع الأصدقاء والأقارب.
كما يؤكد أهمية إعداد محتوى تعليمي متطور يتناسب مع عقلية وسيكولوجية هذا الجيل، ومخاطبته عبر المنصات الإلكترونية والمواقع التي يتفاعل معها.
تعزيز القيم الدينية والأخلاقية
ويوصي العميد الأسبق لتربية الأزهر بضرورة تعزيز القيم الدينية والأخلاقية في تربية الأبناء، مثل الصدق والأمانة واحترام الكبير والعطف على الصغير، معتبرًا أن هذه القيم قادرة على إصلاح ما أفسدته المادية والتكنولوجيا الحديثة.
التكنولوجيا والغياب الأسري
وتتفق الدكتورة سمر كشك، استشاري الصحة النفسية، مع هذا الرأي، مؤكدة أن التطور التكنولوجي المتلاحق وسيطرته على حياة الآباء والأبناء يُعد من أبرز أسباب هذا التحول داخل الأسرة، إلى جانب الظروف الاقتصادية وغياب الرقابة الأسرية.
وتوضح أن حياة الأبناء أصبحت مفتوحة على العالم الافتراضي الخارجي، لكنها منغلقة داخل الأسرة، حيث باتت لهم مساحة خاصة يتواصلون من خلالها مع العالم دون رقابة أو متابعة من الوالدين.
خطوط عريضة لإعادة التوازن
وترى استشاري الصحة النفسية أن الحل يبدأ من الوالدين أنفسهم، عبر تقليل استخدام الهواتف المحمولة أمام الأبناء، وتفعيل التواصل الحقيقي داخل الأسرة، مع تخصيص وقت يومي للحوار والاستماع للأبناء والتعرف على ما يدور بداخلهم.
كما تشدد على أهمية إسناد مسئوليات ومهام منزلية للأبناء للحد من عزلتهم، وإعادة النظر في أساليب التربية بوضع خطوط عريضة للتعامل داخل البيت، مثل تنظيم استخدام الهواتف، بحيث يكون للوالدين الحق في متابعة استخدام الأبناء لها بطريقة هادئة ومقنعة، دون تصعيد أو صدام.
لمّ الشمل الأسري
وتطالب د. سمر بضرورة تخصيص وقت منتظم لجلوس الأسرة معًا، وخلق اهتمامات مشتركة، وتنظيم أنشطة وخروجات ترفيهية، بما يسهم في إعادة الدفء للأسرة ولمّ شملها من جديد، وتقليص المسافات التي فرضها العالم الافتراضي بين الآباء والأبناء.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية