تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في أعقاب المخاوف الإسرائيلية المتنامية من قوة الجيش المصري، والتي عبّر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقوله إن قوة الجيش المصري «تتعاظم»، وإن على إسرائيل مراقبة ذلك عن كثب ومنع هذا التعاظم «أكثر من اللازم»، اعتبر خبراء أن هذه التصريحات تمثل تعبيرًا دقيقًا عن قلق قديم يسكن العقل الأمني الإسرائيلي، ويعكس حالة ارتباك استراتيجي متصاعدة داخل إسرائيل، ناتجة عن إدراك عميق بأن ميزان القوة في المنطقة يشهد تحولات جوهرية لم تعد تصب في اتجاه الهيمنة المنفردة، بل تتجه نحو إعادة صياغة معادلات الردع الإقليمي على أسس أكثر توازنًا وانضباطًا.
قلق قديم
يؤكد الباحث في الشئون الإسرائيلية، وائل الغول، على أن تصريح نتنياهو «لم يكن عابرًا، ولا زلة لسان، بل تعبيرًا دقيقًا عن قلق قديم جدًا يسكن العقل الأمني الإسرائيلي منذ عقود، ومحوره الجيش المصري».
وأوضح أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على مبدأ واضح مفاده أن النوايا قد تتغير، والأنظمة قد تتبدل، والسياسات قد تتحول، لكن القدرة العسكرية إذا تعاظمت تبقى تهديدًا دائمًا، وأشار إلى أنه بالنسبة لإسرائيل، فإن مصر تمتلك جيشًا قادرًا على تهديدها عسكريًا في أي لحظة، وقد يكون هذا التهديد «وجوديًا».
وأضاف أن هذا الإدراك يدفع إسرائيل إلى دراسة عناصر المفاجأة المصرية، التي شكّل نصر السادس من أكتوبر 1973 جزءًا أساسيًا منها، إذ لم تكن تلك الحرب مجرد هزيمة استراتيجية لإسرائيل، بل واحدة من أخطر الإخفاقات الاستخباراتية في تاريخها.
ونوه إلى أن الجيش المصري نجح في خداع إسرائيل استراتيجيًا، وعبر قناة السويس، وحطم خط بارليف، وأسقط أسطورة «الجيش الذي لا يُهزم»، رغم محدودية القدرات العسكرية المصرية في ذلك الوقت، مؤكدًا أن هذا النصر لا يُعد بالنسبة لإسرائيل مجرد ذكرى تاريخية، بل صدمة نفسية مؤسسة للعقل العسكري الإسرائيلي.
عقائد عسكرية مختلفة
وكشف الغول أن إسرائيل تبني عقيدتها العسكرية على «جيش صغير عالي التكنولوجيا يتمتع بتفوق استخباراتي وحسم سريع للمعركة»، في حين تعتمد مصر على عقيدة «الجيش الضخم القادر على خوض حرب طويلة تستنزف الخصم»، ووفق تصنيف Global Firepower (GFP) 2025، يأتي الجيش المصري ضمن أقوى 20 جيشًا في العالم، والأقوى عربيًا، حيث تمتلك مصر 836 ألف جندي نشط، و479 ألفًا من قوات الاحتياط، مقابل 178 ألف جندي نشط و465 ألف احتياطي لدى إسرائيل، كما تمتلك مصر أكثر من 3600 دبابة مقابل نحو 2700 لإسرائيل، إلى جانب 1089 طائرة مقاتلة مقابل 613 لدى تل أبيب.
وشدد على أن «الفارق مرعب» لصالح القاهرة، وهو ما يفسر خشية إسرائيل من الحروب الطويلة والمعارك المفتوحة واسعة الجبهات، معتبرًا أن الجيش المصري هو النموذج الأمثل لهذا النوع من الحروب.
وأوضح أن اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين عام 1979 قامت، من منظور إسرائيلي، على فكرة نفسية محورية تتمثل في «تقليل الوجود العسكري المصري في سيناء»، وبالتالي فإن أي تعزيز عسكري مصري هناك، حتى في إطار مكافحة الإرهاب أو منع تهجير سكان قطاع غزة، يُفسَّر إسرائيليًا باعتباره عودة تدريجية لـ«كابوس قديم» مرتبط بالمواجهة مع مصر.
وأشار إلى أن إسرائيل، بعد توقيع اتفاق السلام، غيّرت بوصلتها العسكرية نحو الحروب غير التقليدية (Asymmetric Warfare)، والاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة والمواجهات السريعة، في حين لا تزال العقيدة القتالية المصرية قائمة على الجيش النظامي، والمعركة التقليدية، والتدريب الأرضي المكثف، وجاهزية الحرب الشاملة، وأضاف أن الجندي المصري ما زال مدرّبًا على حرب الميليشيات، وهو ما ظهر جليًا في نجاحه في القضاء على الإرهاب في سيناء، مؤكدًا أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من القلق الإسرائيلي تجاه الجيش المصري، وتحوله إلى «رعب حقيقي».
واختتم الغول حديثه بالتأكيد على أن إسرائيل تدرك جيدًا أنها إذا فكرت في الاعتداء على مصر، فإنها ستواجه جيشًا ضخمًا عالي الجاهزية، يمتلك ذاكرة قتالية حقيقية، وعمقًا استراتيجيًا، وقدرات إنذار مبكر، وهو ما يمثل، في العقل الإسرائيلي، أحد أسوأ كوابيس الأمن القومي، كونه تهديدًا يمس وجود الدولة الإسرائيلية من الأساس.
ارتباك استراتيجي
من جانبه، أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن تنامي قوة الجيش المصري تكشف بوضوح عن حالة ارتباك استراتيجي داخل إسرائيل، وتعكس إدراكًا عميقًا بتحولات ميزان القوة في المنطقة، التي لم تعد تميل نحو الهيمنة المنفردة، بل نحو إعادة ضبط معادلات الردع الإقليمي.
وأوضح أن تعاظم القدرات العسكرية المصرية لا يستهدف أي طرف بعينه، وإنما يأتي في إطار رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء الدولة الحديثة القادرة على حماية أمنها القومي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها أنماط الصراع التقليدي وغير التقليدي.
وأكد أن مصر تتحرك وفق عقيدة عسكرية دفاعية صارمة، تضع حماية الأرض وصون السيادة وردع أي محاولات للمساس بالأمن القومي في مقدمة أولوياتها.
وأشار إلى أن القلق الإسرائيلي المتزايد يعكس نجاح الدولة المصرية في بناء قوة عسكرية عصرية قائمة على تنويع مصادر السلاح، والتحديث المستمر لمنظومات القتال، ورفع مستوى الكفاءة القتالية والتدريب الاحترافي، بما منح القوات المسلحة قدرة عالية على الانتشار السريع وإدارة العمليات المركبة، وأعاد لمصر ثقلها العسكري الإقليمي، وفرض احترامًا جديدًا لإرادتها الاستراتيجية.
مشدداً على أن حديث نتنياهو عن ضرورة «منع» هذا التعاظم ينطوي على منطق بالغ الخطورة، يعكس ذهنية الوصاية ومحاولات الهيمنة على توازنات المنطقة، مؤكدًا أن مصر دولة ذات سيادة كاملة، لا تقبل أي إملاءات أو قيود على حقها المشروع في بناء قدراتها الدفاعية، وفقًا للقوانين والأعراف الدولية، وضرورات حماية أمنها القومي.
واختتم د. فرحات حديثه بالتأكيد على أن قوة الجيش المصري تمثل اليوم عنصر ضبط استراتيجي أساسي في الإقليم، يحد من مغامرات التصعيد، ويمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى مفتوحة، ويشكل صمام أمان للاستقرار الإقليمي، لافتًا إلى أن أي قلق إسرائيلي من هذه القوة هو اعتراف صريح بعودة مصر كقوة إقليمية مركزية لا يمكن تجاوزها أو القفز فوق دورها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية