تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أصبح مألوفًا اليوم في مصر أن تقدم المطاعم والفنادق الطعام في صورة بوفيه متعدد الأصناف، وأن يسكب زبائن هذه الفنادق والمطاعم تلالًا من الطعام في أطباقهم، رغم أنهم لا يتناولون في نهاية الوجبة أكثر من 30 - 40 % منها، أما الباقي فيُلقى كنفايات.
معدلات الهدر
قد لا تبدو الكمية الفائضة شيئًا يُذكر، لكن تراكمها يوميًا يُحدث فرقًا كبيرًا، فحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، فإن معدل هدر الطعام حول العالم يقارب 30 % من إجمالي الغذاء المنتج، ففي العالم العربي يتم هدر نحو 34 % من الطعام بعد تناول الوجبات مباشرة، عندما تُلقى بقايا الأطعمة من الأطباق في النفايات.
أرقام كبيرة
ويبلغ متوسط حجم الهدر الغذائي للفرد الواحد في مصر يبلغ نحو 91 كيلوجرامًا من الطعام سنويًا، وفقًا لتقديرات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، كما تشير التقديرات إلى تزايد نسبة الغذاء المُهدر في المناسبات الخاصة والأعياد والمهرجانات، حيث يتم التخلص من 60 % على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل، ووفق دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن نحو 50 % من الخضروات والفاكهة، و40 % من الأسماك، و30 % من الحليب والقمح يتم هدرها سنويًا في مصر.
إهدار الطعام
يقول الشيف عبد العزيز غالي، إن مصر ليست من الدول الأولى في إهدار الطعام، بل تحتل بعض دول الخليج المراتب الأولى في ذلك، مشيراً إلى أنه في إحدى هذه الدول يتم التخلص من الأرز البسمتي المتبقي من المطاعم عبر سيارات تجمعه وتنقله بالأطنان إلى القمامة، وأضاف أن المصريين، بسبب ارتفاع الأسعار، لا يتوافر لديهم فائض كبير من الطعام أو فضلات منه.
وأوضح أن أغلب الفنادق تلتزم بإعداد الوجبات بالجرام؛ فالشخص العادي يستهلك في وجبة الغداء مثلًا نحو 200 جرام من اللحم أو ربع دجاجة أو ثلث كيلو سمك كمصدر للبروتين، بينما لا تزيد كمية الأرز المقدمة له على 100 جرام، نظرًا لأن الأرز يزداد حجمه بعد الطهي.
وجبات اقتصادية
وأشار الشيف عبد العزيز إلى أن بعض الأكلات يمكن إعدادها لتصبح وجبات اقتصادية متكاملة، مثل التونة والويكة والبصارة، كما أوضح أنه في بعض الدول الأوروبية، وللحد من الإسراف وإهدار الطعام، تُباع الخضروات بعدد الثمرات وليس بالوزن؛ فالبطيخ يُباع بالشريحة، والطماطم تُباع على مدار اليوم بثلاثة أسعار؛ يكون سعرها مرتفعًا صباحًا، ثم ينخفض عصرًا، ويقل أكثر مساءً، بما يشجع المواطنين على شراء احتياجاتهم من الخضروات والفاكهة الطازجة دون فائض.
سلوكيات المواطنين
وتقول الدكتورة رباب مدني، أستاذ التغذية بجامعة فاروس بالإسكندرية، إن إهدار أفراد الأسرة للطعام سلوك سلبي يحتاج إلى توعية لتغييره، موضحة أن إهدار الطعام يمثل إهدارًا للمال العام؛ لأن هذا الغذاء تم إنتاجه باستخدام وقود ومياه وزيوت ومواد دهنية مستوردة، وكل هذه الموارد تضيع بمجرد إلقاء بقايا الطعام في القمامة، كما أن إهدار كميات من الطعام يُعد استنزافًا لميزانية الأسرة.
إعادة التدوير
وكشفت د. رباب أن المطاعم ليست المسئولة الرئيسية عن مشكلة إهدار الطعام، إذ تقوم بإعادة تدوير بقايا الطعام ومخلفاته؛ حيث يتم تخزين بعض البقايا في الثلاجات لاستخدامها مرة أخرى، بينما تُورد المخلفات إلى مراكز تجميع القمامة للتخلص منها، وأكدت أن الحد من إهدار الطعام يتطلب تثقيف المواطنين لإعداد كميات تكفيهم ليوم أو يومين على الأكثر.
حل مشكلة الجوع
ويشير الدكتور معز الشهدي، المؤسس ورئيس شبكة بنوك الطعام الإقليمية، إلى أن عدم هدر الطعام والتوعية بأهميته يمثلان أحد أهم حلول مشكلة الجوع في العالم، مضيفاً أنه قام بوضع أول دليل تشغيل علمي عالمي لكيفية تداول الغذاء بطريقة صحية وسليمة، بعد اعتماده من الجهات المعنية، وتم تطبيقه في أكثر من 112 دولة بعد ترجمته إلى خمس لغات رئيسية، لتوزيع الفائض غير الممسوس على المستحقين من الفئات المهمشة، إلى جانب تدوير فضلات الطعام وتحويلها إلى أعلاف ذات قيمة غذائية مرتفعة لإطعام الطيور والأسماك والحيوانات، بتكلفة تمثل 40 % مقارنة بالأعلاف الأخرى في الأسواق.
كما تم إطلاق العديد من البرامج التوعوية لتغيير ثقافات المجتمعات بمختلف مستوياتها وأعمارها، وتسجيل محاضرات حول معالجة مشكلة هدر الطعام وكيفية تداول الغذاء بطريقة صحية دون التخلص منه في القمامة.
بقايا الطعام
وأوضح د. معز أنه تم ابتكار حل لتقليل هدر الطعام في البوفيه المفتوح بالفنادق من خلال تصغير حجم الطبق من 32 إلى 27 سم، ما ساهم في زيادة عدد الوجبات التي يتم إنقاذها للتوزيع بنسبة 25 %، وتقليل وزن الطعام المهدر من الأطباق بنسبة 30 %.
المناهج الدراسية
وأكد د. معز أنه بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم تمت إضافة درس بعنوان "بنك الطعام" في كتب القراءة للصف الثالث الابتدائي منذ عام 2014، لتعليم الأطفال كيفية الحفاظ على نعمة الطعام والتطوع والتبرع، وأوضح أن اختيار هذه المرحلة العمرية جاء لقدرة الأطفال على الاستيعاب، إضافة إلى أن الأسرة تكون ملازمة للطفل في هذه السن، فتصل الرسائل التوعوية إلى جميع أفراد الأسرة.
وكشف د. الشهدي أن بنوك الطعام الـ 67 التي أسسها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا قامت بتدريب العاملين بالفنادق على تطبيق دليل تشغيل تداول فائض الطعام وتوزيعه على جمعيات رعاية الأيتام والمسنين، وفي عام 2011، وخلال مؤتمر "الفاو" في لبنان بعنوان "الأمن الغذائي في العالم العربي"، تم طرح رؤية مفادها أن عدم إهدار الطعام يقضي على الجوع، كما تبنى البنك الدولي تمويل دراسة حول حجم هدر المواد الغذائية الأفضل للتغذية السليمة في مراحل تداول الأغذية من نقل وتغليف وتخزين وتوصيل للمستهلك، وتم رصد كميات الهدر في الحبوب والمأكولات البحرية والخضروات والفاكهة والألبان واللحوم، وجاءت النتائج صادمة.
إهدار المحاصيل
وأوضح رئيس شبكة بنوك الطعام الإقليمية أن العالم يهدر 43 % من إنتاج الحبوب، فيما تبلغ نسبة الهدر من الخضروات والفاكهة عالميًا 64 %، ويرجع ارتفاع النسبة إلى حصاد بعض المحاصيل دفعة واحدة، مثل الطماطم والعنب، ما يستدعي تجزئة الحصاد على مراحل لتقليل الفاقد، كما ترتفع نسبة الهدر في المأكولات البحرية بسبب عدم تجهيز بعض مراكب الصيد بشكل مناسب، ما يؤدي إلى فساد جزء من المصيد قبل العودة، إضافة إلى الفاقد خلال النقل والتخزين والاستهلاك.
ثقافات الشعوب
وأشار د. الشهدي إلى أن ثقافات الشعوب تلعب دورًا أساسيًا في فقد كميات كبيرة من الطعام؛ فبعض أنماط الطهي المتوارثة تتسبب في إهدار أجزاء من الأسماك، كما أن اعتماد الأسر على الوجبات السريعة الجاهزة يؤدي إلى التخلص من كميات كبيرة من الطعام المخزن في الثلاجات.
بنوك الطعام
واختتم رئيس شبكة بنوك الطعام الإقليمية حديثه مؤكدًا أنه تم تأسيس 67 بنك طعام في دول الشرق الأوسط وأفريقيا تطبق نموذج بنك الطعام المصري الناجح منذ عام 2006، وفي عام 2025، أصبحت شبكة بنوك الطعام الإقليمية الأولى في تدوير فائض الطعام من المطاعم، انطلاقًا من سياسة عدم الإهدار وإعادة التدوير، كما بدأ التعاون مع منظمة "الفاو" عام 2011 لنقل الخبرات وتطبيق هذه السياسات، كما وضع دليل تشغيل لتداول الغذاء وتم تسجيله كملكية فكرية باسم شبكة بنوك الطعام الإقليمية، لضمان متابعة تطبيقه ودعمه.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية