تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
خلف الأبواب المغلقة وفي غرف العمليات السرية للقوى العظمى، يبدو أن رائحة "مؤتمر يالطا" الشهير عام 1945 تلوح من جديد، فبينما كانت "يالطا الأولى" اللحظة التي اقتسم فيها المنتصرون كعكة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، يرى محللون دوليون أن العصر الاستعماري قد عاد، مع صفقة كبرى تمنح واشنطن الوصاية على أمريكا اللاتينية، وتترك تايوان للصين، وتفتح لروسيا أبواب نفوذها في أوروبا، في نظام عالمي جديد يبدو فيه القانون الدولي مجرد "حبر على ورق"، وكأننا أمام "يالطا ثانية".
موقع سبوت ناقش هذه الرؤية مع نخبة من أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في مصر، لتجيب على سؤال صعب: هل ضاعت سيادة الدول الناشئة في زحام "الاستعمار الجديد"؟
موقع سبوت ناقش هذه الرؤية مع نخبة من أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في مصر، لتجيب على سؤال صعب: هل ضاعت سيادة الدول الناشئة في زحام "الاستعمار الجديد"؟
مقايضة الصمت الروسي
يقول الدكتور أحمد أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية: هذا اجتهاد قابل للمناقشة، فمن الصحيح أن رد الفعل الروسي الضعيف على أحداث فنزويلا يعود لانشغال روسيا الشديد بموضوع أوكرانيا، فمن المعروف أن ترامب يقود وساطة من شأنها - إن نجحت - أن تحقق روسيا مطالبها في أوكرانيا، مثل ضم إقليم الدونباس، وهو اعتراف رسمي باكتساب الأراضي بالقوة، وهو مخالف للقانون الدولي، علاوة على ذلك، انشغال روسيا في أوكرانيا لا يمكنها من فتح جبهة أخرى مع الولايات المتحدة في فنزويلا رغم علاقاتها القوية معها.
كعكة أوروبا
ويضيف؛ نقطة السماح لروسيا بإطلاق يدها في أوروبا غير واردة، وأكتفي بالقول إن ترامب لا مانع لديه من تحقيق روسيا بعض مطالبها، أما الاستيلاء على الكعكة الأوروبية، فهذا يتجاوز الواقع، أولاً، أوروبا لن تسمح بذلك، فهي ليست لقمة سائغة يستطيع بوتين ابتلاعها بسهولة، وثانياً، عقل بوتين لا يدخله في توسيع حروبه لتشمل دولاً أخرى غير أوكرانيا إلا للدفاع عن النفس أو استكمال متطلبات الحرب الأوكرانية.
ويتابع؛ تحقيق الأهداف الروسية صعب، خاصة بعد أربع سنوات من الحرب مع أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022، والتي كلفته الكثير دون حسم الموضوع بسبب المساندة الأطلسية لأوكرانيا بزعامة الولايات المتحدة في عهد بايدن أولاً، ثم المساندة الأوروبية في عهد ترامب، لذلك الصفقة لا تشمل أوروبا ككل، وأقصى ما يمكن أن تحققه روسيا هو أهدافها في أوكرانيا فقط.
لغز التنين الصيني
بالنسبة لعدم رد الصين على ترامب في فنزويلا، والعكس تجاه إيران، يرى د. أحمد، أنه وفق تقارير غير مؤكدة، الصين ترد على أمريكا بأسلوب اقتصادي قوي يتعلق بالدولار، مع تهديدات بأنها ستستولي على تايوان إذا استمر ترامب في منهجه، لذلك أشك حتى الآن في وجود صفقة بين الصين والولايات المتحدة.
أما إيران، فالصين تعتمد على مصادر الطاقة من الخارج مثل فنزويلا وإيران والسعودية، لذا كل تحركات ترامب تضرب مصالحها، ويجب أن تتصدى لها، لكن هذا التصدي لن يكون بالقوة العسكرية، لأنه لن يكون مجدياً، بل بأسلوب اقتصادي قد يكلف ترامب الكثير ويمنع تحقيق خططه، ونحن منتظرون النتائج.
جغرافيا المصالح
ويضيف د. أحمد، أن فنزويلا دولة قريبة جغرافياً من الولايات المتحدة، وتحدي الصين لها مباشرة صعب، أما إيران فهي أقرب للصين جغرافياً، وتعرف أن ما حدث في فنزويلا قد يتكرر على نطاق عالمي، حيث تبدأ الولايات بفنزويلا ثم إيران، والبقية تأتي. والصين أيضاً لديها مشروع عالمي يتمثل في مبادرة الحزام والطريق، وتخشى أن تعرقلها أمريكا.
فاتورة التشتت الأمريكي
ويقول د. أحمد؛ إن تشتت انشغالات ترامب بقضايا مثل فنزويلا وجرينلاند وإيران - وإن كانت الأخيرة مرتبطة بالشرق الأوسط - يؤثر على الملف الفلسطيني، وقد يعطي حرية أكبر لنتنياهو في الحركة، رغم أن الولايات المتحدة لم تكن يوماً قيداً على السلوك الإسرائيلي في فلسطين.
منطق القوة وتآكل الشرعية
ويعلق الدكتور نجاح الريس، أستاذ العلاقات الدولية، العالم لا يسير وفق تقسيمات بسيطة كما يراها بعض المحللين، بل يواجه تعقيدات جيوسياسية تمنع حصر الصراعات في قوالب جاهزة، ما نشهده اليوم هو عودة شرسة للنظرية الواقعية، حيث أصبحت القوة العسكرية والاقتصادية المحدد الرئيس لمصائر الدول، مع تهميش متعمد للقانون الدولي والمنظمات الأممية.
ثلاثية القوة
ويضيف، القوى العظمى تتبع نفس المنهج في فرض إرادتها؛ فالولايات المتحدة تتجاوز القوانين الدولية في أمريكا الجنوبية وصولاً إلى فنزويلا، وروسيا تسلك ذات النهج في أوكرانيا، أما الصين فتمضي في فرض سيطرتها على بحر الصين الجنوبي متجاهلة أحكام محكمة العدل الدولية وحقوق الدول المتشاطئة، مؤكدة منطق 'الأمر الواقع' على الحق القانوني.
ويرفض د. الريس توصيف المشهد الحالي بـ "العودة للعصر الاستعماري"، واصفاً إياه بـ "حالة من السيولة الفوضوية"، نتيجة سياسات القيادة الأمريكية الحالية التي أطاحت بمعايير النظام الدولي المستقر منذ الحرب العالمية الثانية، بعد 70 عاماً من احترام مواثيق الأمم المتحدة وسيادة الدول، أصبح العالم اليوم ينتقل من "شرعية القانون" إلى "شرعية القوة"، ما أدى إلى تآكل الثقة في المنظومة الدولية.
توازن دولي جديد
ويرى د. الريس أن الحل يكمن في خلق "توازن دولي جديد" تقوده القوى المتوسطة لإعادة هيبة القانون الدولي، ومن نماذج المواجهة:
الموقف الأوروبي بالرفض القاطع لمحاولات ترامب الاستحواذ على "جرينلاند"، كذلك موقف كندا، حيث أكد رئيس وزرائها في دافوس أن "كندا ليست للبيع"، تأكيداً على سيادة الدول أمام "غرور القوة".
ما بعد التعددية القطبية
ويخلص د. الريس إلى أن العالم، الذي كان يتجه نحو "التعددية القطبية"، انحرف الآن نحو "فوضوية عالمية"، يغذيها النمط الشخصي المتغير للرئيس ترامب وتمرده على النظم المستقرة، ويعتقد أن هذه المرحلة ستستمر في التأثير على العلاقات الدولية حتى نهاية فترة حكم الإدارة الأمريكية الحالية، واصفاً إياها بـ "مرحلة اختبار" لصلابة النظام العالمي القديم أمام التغيير الفوضوي.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية