تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : بين الضغوط الدولية وحسابات القوة.. سرّ تمسّك طهران ببرنامجها النووي
source icon

سبوت

.

بين الضغوط الدولية وحسابات القوة.. سرّ تمسّك طهران ببرنامجها النووي

كتب:د. نسرين مصطفى

رغم سنوات من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والتهديدات العسكرية، ما تزال إيران تتمسك ببرنامجها النووي، رافضة التخلي عنه أو تقديم تنازلات جوهرية بشأنه، هذا الإصرار يثير تساؤلات متجددة في الأوساط الدولية؛ لماذا تصرّ طهران على المضي قدمًا في مشروع كلّفها عزلة دولية وأعباءً اقتصادية ثقيلة؟ وهل يتعلق الأمر بحق سيادي في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، أم أن وراءه حسابات استراتيجية أعمق ترتبط بموازين القوى في المنطقة وأمن النظام السياسي نفسه؟

ملف معقد
بين الرواية الإيرانية التي تؤكد سلمية البرنامج، ومخاوف الغرب من أبعاده العسكرية المحتملة، يبقى الملف النووي أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا وإثارة للجدل.

يقول الدكتور محمد عبادي، الخبير في الشئون الإيرانية، إن مسألة البرنامج النووي الإيراني تحمل ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولًا، أي تنازل عن هذا البرنامج يُعد ضربة للنظام الإيراني، لأنه يمثل إنجازًا وطنيًا كبيرًا بعد سنوات من الجهد والتضحيات، ويشكّل جزءًا أساسيًا من المشروع الاستراتيجي لإيران، والتخلي عن هذا الإنجاز يعني فقدان جزء من الشرعية التي استند إليها النظام في تقديم البرنامج باعتباره أحد أهم إنجازاته.

ثانيًا، التراجع عن البرنامج يُعد انتصارًا للدول الكبرى على إيران والدول النامية الأخرى، إذ يمثل البرنامج النووي ركيزة استراتيجية تمنح طهران قدرة على مواجهة الهيمنة الدولية، وأي تنازل عنه يُظهر تراجعًا في رؤيتها للتوازن العالمي، فإيران تقبل نظريًا بعدم امتلاك سلاح نووي، لكنها ترفض التخلي عن البرنامج السلمي، لأنه يمثل مشروعًا وطنيًا ممتدًا منذ قيام الجمهورية.

ثالثًا، أي تنازل قد يفتح الباب أمام تنازلات أخرى، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي وإمكانية تصدير الثورة، لذلك تتمسك إيران بموقفها لتجنب سلسلة من التنازلات الاستراتيجية.

أما عن المفاوضات، فيشير د. عبادي إلى أن إيران مستعدة نظريًا لاتخاذ خطوات قد تقبلها الولايات المتحدة، منها التعهد بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مع السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالرقابة، خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات اتفاق 2015 (3.67%)، بعد أن وصلت سابقًا إلى 60%، كذلك نقل جزء من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، كما حدث سابقًا مع روسيا، وفي حال الضغوط الشديدة، قد تقبل بتصفير التخصيب لفترة زمنية محددة، ويضيف أن الولايات المتحدة، رغم التلويح بالتصعيد العسكري، تسعى في الوقت نفسه لاستنفاد جميع مسارات التفاوض قبل أي مواجهة.

توازنات إقليمية
ويقول الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشئون الإيرانية، إنه لا يمكن اختزال البرنامج النووي الإيراني في كونه طموحًا تقنيًا أو مجرد أداة ردع، بل يجب فهمه في إطار أعمق يتداخل فيه الأمن القومي والشرعية الثورية وتوازنات الإقليم وصورة الدولة في مواجهة الغرب.

ويضيف أن إيران، منذ انتصار الثورة، لم تنظر إلى برنامجها النووي كمشروع طاقة فقط، بل كمشروع سيادة، ومؤشر على قدرتها على كسر نظام الهيمنة الدولية الذي تشكل بعد الحرب الباردة، ومن ثم فإن التخلي عنه يُعد اعترافًا ضمنيًا بالضعف أو القبول بمكانة أدنى في معادلة القوة، وهو ما لا تستطيع النخبة الحاكمة تحمّل تبعاته داخليًا قبل خارجيًا.

ضمانة بقاء وورقة تفاوض
وأكد د. السعيد أن البرنامج النووي يمثل لإيران ضمانة بقاء قبل أن يكون مجرد ورقة تفاوض، فالدولة التي ترى نفسها محاطة بقواعد أمريكية ومهددة بضربات إسرائيلية، تدرك أن امتلاك القدرة النووية الكامنة - حتى دون سلاح فعلي - يمنحها مظلة ردع نفسية وسياسية، ويوسع هامش المناورة الإقليمية.

لذلك، فإن التخلي الكامل عن البرنامج يصطدم بحقيقة أنه أصبح جزءًا من هوية النظام، وأحد أعمدة شرعيته أمام الداخل، باعتباره رمزًا للصمود في مواجهة الضغوط.

مسارات متداخلة
وفيما يتعلق بسيناريوهات التفاوض أو المواجهة، يرى د. السعيد أن المشهد يتوزع على مسارات متداخلة، حيث يسعى كل طرف إلى التفاوض بشروط تمنحه مظهر المنتصر، فالولايات المتحدة تدرك أن الحرب الشاملة مكلفة، فيما تعلم إيران أن المواجهة المباشرة قد تكون مدمرة اقتصاديًا وعسكريًا.

لذلك، يبقى السيناريو الأقرب هو استمرار مفاوضات طويلة، يتخللها تصعيد محسوب وضغوط متبادلة، مع استخدام كل طرف لأوراقه لتحسين شروط التفاوض دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

مسار تفاوضي.. واحتمالات التصعيد
وأضاف أن هذا المسار يظل هشًا، وقد ينفجر في حال وقوع خطأ استراتيجي أو ضربة عسكرية محدودة تتوسع لاحقًا. فإذا استهدفت إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية، قد ترد طهران عبر أذرعها الإقليمية أو بضربات صاروخية، ما قد يؤدي إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.

وفي هذا السيناريو، لن تكون الحرب تقليدية شاملة، بل أقرب إلى حرب استنزاف ممتدة، تهدف إلى إضعاف القدرات النووية الإيرانية، مقابل سعي طهران لإثبات قدرتها على الصمود ورفع كلفة أي هجوم.

سيناريو واقعي
ويرى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في اتفاق مؤقت أو تفاهم غير معلن، يجمد أجزاء من البرنامج النووي مقابل تخفيف محدود للعقوبات، دون حل جذري للأزمة، فالصراع في جوهره ليس تقنيًا، بل سياسي يتعلق بمكانة إيران في النظام الإقليمي، وما إذا كانت ستُعامل كقوة إقليمية كبرى أم كدولة يجب احتواؤها، لذلك ستظل المفاوضات وسيلة لإدارة الصراع لا إنهائه.

رسائل للداخل الإيراني
ومن جانبه، يقول محمد خيري، الباحث في المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، إن تمسك إيران ببرنامجها النووي يحمل رسائل داخلية، تؤكد قدرة النظام على الصمود والتفاوض، والحفاظ على ما يعتبره إنجازًا وطنيًا في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

ورقة ضغط على طاولة المفاوضات
وأضاف أن البرنامج النووي يمثل ورقة ضغط قوية، تسعى إيران من خلالها لتحقيق توازن ردع، خاصة في ظل محدودية بعض قدراتها العسكرية، مؤكدًا أنه جزء من العقيدة الأمنية الإيرانية في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي.

وأشار إلى أن إيران تستند إلى حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي وفق القانون الدولي، مع إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد تقبل بتقليص نسب التخصيب، لكنها ترفض تفكيك البرنامج بالكامل.

واختتم خيري بأن احتمالات التصعيد العسكري لا تزال قائمة، خاصة مع تعثر المفاوضات، وقد تلجأ الولايات المتحدة إلى ضربات محدودة لبعض المنشآت النووية، في ظل استمرار الحشد العسكري دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية