تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في الوقت الذي تعتبر فيه الدولة المصرية معبر رفح ممراً للتخفيف من الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، تنظر إليه الرؤية الإسرائيلية بوصفه جزءًا من منظومة قيود وعراقيل تهدف إلى إعادة هندسة حركة البشر والمساعدات، بما يخدم أهدافًا سياسية وأمنية بعيدة المدى، تتجاوز الإغاثة الآنية إلى إعادة تشكيل الواقع الديمجرافي والإنساني للقطاع.
هندسة العبور
اعتبر الباحث الفلسطيني سعيد أبو رحمة أن إسرائيل لا تتوقف عن وضع قيود وعراقيل أمام حركة العبور خلال معبر رفح، في محاولة لإعادة هندسة حركة البشر والمساعدات بما يخدم أهدافًا سياسية وأمنية بعيدة المدى، تتجاوز الإغاثة المؤقتة إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والإنساني في قطاع غزة.
وأوضح أن أولى هذه العراقيل تتمثل في التلاعب بوظيفة المعبر ذاتها؛ فبدلًا من أن يكون بوابة لإدخال المساعدات وتخفيف الكارثة الإنسانية، يُعاد توجيهه ليصبح معبر خروج أكثر منه معبر حياة، ويتجلى ذلك بوضوح في محاولات زيادة أعداد المغادرين من غزة مقابل تقليص أعداد العائدين أو الداخلين إليها، في معادلة غير متوازنة تعكس تصورًا إسرائيليًا يرى في إفراغ القطاع من سكانه حلًا أمنيًا طويل الأمد، حتى وإن تم ذلك تحت غطاء "الاختيار الطوعي".
تهجير بمفهوم العبور
واعتبر أبو رحمة أن المشروع الإسرائيلي المزمع بإنشاء مخيم للفلسطينيين بجوار معبر رفح يمثل أحد أخطر التحولات المفاهيمية في إدارة الأزمة، فهذا المخيم، سيكون مخصص للراغبين في الهجرة والخروج بلا عودة، لا يمكن فصله عن التاريخ الفلسطيني وتجارب اللجوء السابقة، ففكرة تجميع الفلسطينيين خارج حدودهم، حتى وإن قُدِّمت بعبارات إنسانية، تعيد إنتاج سيناريوهات التهجير القسري الناعم، حيث يُدفع السكان إلى المغادرة تحت ضغط الجوع والخوف وانعدام الأفق، لا تحت تهديد السلاح المباشر فقط.
الإغاثة المقيَّدة
ويؤكد أبو رحمة أن إحباط الجهود الإنسانية ومنع دخول المساعدات عبر معبر رفح يشكل أحد أكثر العراقيل قسوة وتأثيرًا، فالمعبر الذي يُفترض أن يكون شريان حياة، يخضع لقيود مشددة تتعلق بنوعية المساعدات وكميتها وتوقيت دخولها، ويتم في كثير من الأحيان تعطيل القوافل الإغاثية أو تقليصها بذريعة الاعتبارات الأمنية، في حين يشير الواقع إلى استخدام الغذاء والدواء كأدوات ضغط سياسي، تُدار بمنطق العقاب الجماعي لا بمنطق القانون الدولي الإنساني.
وشدد على أن المشهد يزداد تعقيدًا مع إضافة طبقات جديدة من التدقيق الأمني للداخلين إلى غزة، حيث يُجرى الحديث عن آليات تدقيق إضافية، بعضها ذو طابع أوروبي، ما يحوّل المعبر إلى نقطة فرز أمني متعددة المستويات، وبالتالي فإن هذا التراكم في إجراءات الفحص لا يهدف فقط إلى ضبط الحركة، بل إلى إبطائها وتعقيدها، وتحويل الدخول إلى غزة إلى عملية استثنائية تخضع لمزاج سياسي وأمني متغير، بدلًا من أن تكون حقًا إنسانيًا مشروعًا.
فرض واقع جديد
وأوضح أن من بين العراقيل غير المعلنة تبرز محاولة فرض واقع جديد لإدارة المعبر بشكل غير مباشر، فرغم عدم السيطرة الإسرائيلية المباشرة على رفح، تسعى إسرائيل إلى التأثير على آلية عمله عبر شروط تتعلق بالأسماء والقوائم وطبيعة الحركة، بما يحوّل السيادة الشكلية إلى سيادة منقوصة، والهدف هنا لا يقتصر على مراقبة من يدخل أو يخرج، بل يمتد إلى إعادة تعريف المعبر كأداة ضبط إقليمي، لا كمعبر سيادي فلسطيني-مصري.
وأضاف أنه لا يمكن إغفال البعد الإعلامي والسياسي لهذه العراقيل، إذ يُستخدم فتح المعبر في الخطاب الدولي بوصفه دليلًا على "تسهيلات إنسانية"، بينما يكشف الواقع الميداني فجوة واسعة بين الإعلان والممارسة، وتسمح هذه الازدواجية لإسرائيل بتخفيف الضغط الدولي دون إحداث تغيير حقيقي في معاناة السكان، مع تحميل أطراف أخرى مسؤولية أي تعثر أو تأخير.
في قلب المشهد
وشدد على أن مصر تقف في قلب هذا المشهد في موقع بالغ الحساسية، مؤكدة باستمرار أن معبر رفح معبر فلسطيني-مصري، وأنها ترفض أي مخططات للتهجير أو التوطين خارج الأراضي الفلسطينية، وفي الوقت ذاته تعمل القاهرة على إدارة المعبر بطريقة منضبطة تتوافق مع ترتيبات ما بعد الحرب، وتتحمل عبئًا إنسانيًا ضخمًا، سواء من حيث استقبال الجرحى، أو تسهيل مرور المساعدات، أو إدارة التدفقات البشرية في منطقة شديدة الحساسية أمنيًا.
وأوضح أن مصر تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ ففتح المعبر قد يُستغل لفرض واقع تهجير جماعي مرفوض مصريًا، في حين أن الإغلاق أو التقييد الشديد قد يُحمّلها مسئولية إنسانية جسيمة، وبين هذين الحدّين تحاول القاهرة إدارة المعبر بوصفه أداة توازن لا أداة انفجار.
الصراع عبر الجغرافيا
واختتم أبو رحمة حديثه بالتأكيد على أن العراقيل الإسرائيلية أمام معبر رفح لا يمكن فهمها بوصفها إجراءات منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من استراتيجية شاملة لإدارة الصراع عبر التحكم في الجغرافيا البشرية؛ وهي سياسة لا تهدف فقط إلى ضبط الأمن، بل إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي، وإضعاف القدرة على الصمود، ودفع الفلسطيني إلى خيارات قاسية بين البقاء في جحيم مفتوح أو الخروج إلى مصير مجهول بلا ضمانات للعودة.
من جانبه، اعتبر الباحث في الشئون الإسرائيلية وائل الغول أن ما يجري عند معبر رفح لا يمكن وصفه بإجراءات أمنية عابرة أو تنظيمًا لوجستيًا لحركة المدنيين، بل هو جزء من مشروع أوسع ومنظم لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة تحت مسميات مثل "الهجرة الطوعية" أو "التهجير البطيء"، وهي مصطلحات تمهيدية لتفريغ القطاع من سكانه على مراحل وبوسائل غير مباشرة.
وأكد أن الخطوات الإسرائيلية المتتابعة — من إنشاء مخيمات قرب المعبر، وزيادة عدد الخارجين مقابل تقليل الداخلين، إلى منع دخول الإغاثة الإنسانية أو تأخيرها — ليست تفاصيل تقنية أو تدابير إنسانية كما تحاول إسرائيل تصويرها، بل أدوات تنفيذ لمشروع تفريغ ديمغرافي متدرج يمهّد لتثبيت رؤية اليمين الإسرائيلي المتطرف بشأن ما يسمى "دولة إسرائيل الكبرى".
وشدد الغول على أن اليمين الإسرائيلي المتطرف يتعامل مع غزة بمنطق مختلف عن خطاب الأمن والإغاثة والقانون الدولي؛ إذ يرى القطاع بوابة لتنفيذ مشروع أوسع لإعادة رسم الخرائط في المنطقة على المدى المتوسط، وليس مجرد ملف إنساني أو أمني كما يظهر في الإعلام الغربي.
وأشار إلى أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول فتح رفح والسماح لسكان غزة بالمغادرة - مع أو دون موافقة مصر- تكشف الوجه الحقيقي للمشروع العقائدي الذي تتبناه قوى نافذة داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية.
وأضاف أن سموتريتش لا يتحرك من حسابات انتخابية أو تكتيكية فقط، بل من لاهوت سياسي يؤمن بالنبوءة والتوسع، وإعادة إنتاج فكرة التيه كوسيلة لإعادة ترتيب الجغرافيا الحديثة، مؤكدًا أن هذه القراءة لفلسطين ومصر والحدود ليست جديدة، بل تمتد إلى جذور الحركة الصهيونية الأولى.
حائط صد أمام التطرف اليميني
وأوضح الغول أن اليمين الإسرائيلي المتطرف يعتبر غزة "عقبة جغرافية يجب تفكيكها"، ويرى في مصر "عقبة استراتيجية يجب تجاوزها"، ولذلك لم يكن هجوم سموتريتش على القاهرة مجرد انفعال إعلامي، بل رسالة عقائدية مفادها أن مصر هي الجدار الذي يمنع استكمال “النبوءة اليمينية”.
وحذّر من أن التهجير عبر معبر رفح يُعد اليوم أكثر الطرق واقعية أمام اليمين المتطرف لتنفيذ مشروعه دون الدخول في مواجهة مباشرة مع مصر أو المجتمع الدولي، مؤكدًا أن القاهرة تمثل العائق الجغرافي والسياسي والعقائدي الأكبر أمام هذا المشروع، وأن مصر لا تتعامل مع غزة كملف إنساني فقط، بل كملف أمن قومي، ولذلك فإن سيناريو التهجير إلى سيناء يُعد “خطًا أحمر لا يُسمح بالاقتراب منه”.
واختتم حديثه بالقول: "اليوم أصبح معبر رفح ميدان تنفيذ، وليس مجرد معبر حدودي؛ فمن ينجح في إخراج الفلسطينيين ينجح في استكمال خريطة النبوءة".
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية