تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
تتصاعد التوترات الإقليمية، وتتنامى احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية–إسرائيلية لإيران، إلا أن نتائج هذه الضربة، أو مدى تحقيق الهدف المعلن منها والمتمثل في إسقاط النظام الإيراني، تبدو أكثر تعقيدًا، فمثل هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني، خاصة أن إيران تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، وانقسامات داخلية حادة، في مقابل تطلعات شعب أنهكته العقوبات والقبضة الأمنية، إلى جانب مخاوف تفكك الدولة أو انزلاقها إلى صراعات داخلية.
ورغم أن النظام الإيراني يمتلك بنية سياسية وأمنية شديدة التماسك، نجحت على مدار عقود في امتصاص الأزمات ومواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، فإن صعوبة سقوطه لا تعني وضوح ما بعده. فحدوث هذا السيناريو، وإن بدا مستبعدًا، من شأنه أن يفتح بابًا واسعًا من الضبابية داخل إيران، في ظل غياب بديل جاهز وتعدد مراكز القوة، كما أن نتائج هذا التحول لن تتوقف عند حدود الداخل الإيراني، بل ستمتد لتعيد تشكيل موازين القوى في الإقليم، وتضع المنطقة بأكملها أمام مرحلة شديدة التعقيد.
ومن هنا تبرز تساؤلات معقّدة حول مستقبل الداخل الإيراني في حال سقوط النظام الحاكم، إذ لا يبدو المشهد مهيّأً لانتقال سلس للسلطة، في ظل تشابك مراكز النفوذ بين المؤسستين العسكرية والدينية، وغياب بديل سياسي موحّد قادر على ملء الفراغ. وبين مخاوف الانزلاق إلى الفوضى أو الصراع الداخلي، وتوقّعات إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد، تظلّ ملامح إيران ما بعد النظام الحالي غامضة، ومفتوحة على سيناريوهات متباينة قد تتجاوز حدودها لتطال استقرار الإقليم بأكمله.
النظام ليس ضعيف
يقول الدكتور محمد محسن أبو النور، الخبير في الشئون الإيرانية ورئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، إنه رغم ما تبرزه الأحداث من تعرض إيران لاحتمالات حملة عسكرية أميركية–إسرائيلية لإسقاط النظام الإيراني، فإنه لا يمكن التكهن بأي سيناريوهات حاسمة في هذا الشأن، مؤكدًا أن النظام الإيراني ليس ضعيفًا، ولا يمكن لأي قوة إسقاطه بسهولة.

د. محمد محسن أبو النور
يستشهد د. أبو النور بتجربة نظام بشار الأسد في سوريا، الذي يعد أضعف بكثير من النظام الإيراني، ومع ذلك استغرق إسقاطه نحو 13 عامًا.
وأضاف أن إيران تمتلك حاليًا ثلاثة جيوش وليس جيشًا واحدًا، حيث عزز الحرس الثوري الإيراني وجوده باستقدام قوات عراقية من الحشد الشعبي على الجبهة الغربية، إلى جانب قوات جماعتي «الزينبيون» و«الفاطميون» من أفغانستان وباكستان، وهو ما مكّنه من إحكام قبضته على الاتجاهين الاستراتيجيين شرقًا وغربًا، وتُقدَّر هذه القوات بنحو 100 ألف عنصر، مهمتها ضبط الأوضاع داخليًا والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.
حرب نفسية معقدة
وأوضح الخبير في الشئون الإيرانية أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الحرب الأميركية المتوقعة، إن حدثت، لن تكون معروفة المدى أو الكيفية، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة لجأت إلى إغراق إيران في حرب نفسية مركبة ومعقدة عبر أدوات دعائية ضخمة، وهو ما يجعل التنبؤ بسلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة أنه ظهر في صورة الرجل غير المنضبط بالعقيدة العسكرية التقليدية، ما يصعّب على الباحثين والمراقبين تحليل نواياه أو استشراف مسار الأحداث في حال إسقاط النظام الإيراني.
وأشار د. أبو النور إلى أن أكبر خطأ ارتكبه المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي يتمثل في عدم تعيين نائب أو خليفة له، يمكنه الحفاظ على وحدة البلاد في حال تعرضه للاستهداف بالاغتيال أو الاختطاف، على عكس ما فعله الخميني حين عيّن آية الله حسين منتظري نائبًا له.
وأكد أن الشعب الإيراني لن يقبل، بأي حال من الأحوال، فرض نظام سياسي عليه، لافتًا إلى أن الحراك الشعبي والسياسي الحالي يحول دون إسقاط النظام أو تغيير الجينات الأساسية للنظام القائم، بهدف تجنيب إيران سيناريو كارثيًا يتمثل في التقسيم إلى خمس دويلات، وفق المنظور الإيراني الداخلي.
واستبعد د. أبو النور وجود نزعة انفصالية واسعة داخل المجتمع الإيراني، لكنه لم ينفِ وجود مطالب كبيرة، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني حاول الاستجابة لبعض المطالب الإثنية، باستثناء تعيينات محدودة في بعض الوظائف ذات الطابع الإثني.
جهاز أمني قوي
من جانبها، تقول رقية حامد، الباحثة في برنامج تحليل السياسات الإقليمية، إن ما تمر به إيران من احتجاجات لا يعني بالضرورة أن النظام السياسي على وشك الانهيار، إذ تمتلك الدولة جهازًا أمنيًا قويًا مدعومًا بشبكات المحسوبية ونخبة سياسية قادرة على قمع المعارضة، إلا أن فقدان الدولة لسلطتها الرمزية يمثل ضعفًا أعمق لا يمكن معالجته بالقمع وحده.
وأضافت أن جيل الشباب الإيراني نشأ وهو يشاهد الاحتجاجات والجنازات والهتافات على أسطح المنازل، ما خلق أرشيفًا مشتركًا من الذاكرة والمعاني الثورية، أسهم في إعادة تفسير مفهوم الشرعية، مؤكدة أن الدولة تحكم حاليًا مجتمعًا بات مركزه الأخلاقي خارج الإطار الأيديولوجي للحكومة، وهو ما يعكس أزمة عميقة في علاقة الدولة بالمواطن.
الاحتجاجات مسار تطور هام
وأكدت أنه رغم صعوبة إسقاط النظام الإيراني، فإن الاحتجاجات ستشكّل مسار تطور إيران خلال العقد القادم، فحتى لو بقي النظام قائمًا، فإنه سيحكم شعبًا لم يعد يعترف بالمصطلحات المقدسة التي تشكّل الركيزة الأساسية لشرعيته، ولا يقبل مزاعمه الأخلاقية.
وأشارت إلى فشل السلطة في حشد التأييد الشعبي لخلفاء محتملين، سواء من رجال الدين أو التكنوقراط، فضلًا عن أن الخطاب الإعلامي الحكومي، القائم على مفردات مثل التضحية والثبات الثوري والبسالة الحربية، لم يعد يلقى صدى لدى الشباب الإيراني.
وأوضحت أن هذا الواقع دفع بعض مؤسسات الدولة إلى التركيز على خطاب مكافحة الفساد، وتحسين الإدارة الاقتصادية، والسعي لتخفيف العقوبات، بدلًا من التمسك بالشرعية الدينية أو الأيديولوجية، كما أعادت المؤسسة الأمنية صياغة خطابها ليتمحور حول النظام والاستقرار والكرامة الوطنية، بدلًا من لغة الاستشهاد الثوري التي اعتادت استخدامها في أزمات سابقة.
واختتمت بالتأكيد على أن سقوط النظام الإيراني لا يبدو مرجحًا في المدى القريب، لكن تغييرات كبيرة قد تطرأ خلال الفترة المقبلة، خاصة على الصعيد الاقتصادي، محذرة من أن انهيار النظام السياسي، إن حدث، قد يدفع البلاد إلى حالة من الفوضى، في ظل وجود مطالب إثنية لم يستجب لها النظام حتى الآن.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية