تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في لحظة واحدة، قد يتحول شخص عادي إلى مليونير؛ لا لأنه اجتهد أكثر، ولا لأنه امتلك فكرة استثنائية، بل فقط لأنه اختار الأرقام الصحيحة.. مشهد يتكرر كلما ارتفعت قيمة جوائز اليانصيب، كما حدث مؤخرًا في الولايات المتحدة، حين ترقّب ملايين الأمريكيين سحب يانصيب تجاوزت جائزته 1.25 مليار دولار، بعد أن أعلنت الجهات المنظمة عدم فوز أي تذكرة بالجائزة الكبرى لعدم تطابق الأرقام الستة، فكبرت الجائزة، وكبر معها الحلم، هكذا يعمل اليانصيب، يصنع الأمل، يؤجله، ثم يعيد بيعه من جديد.
وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على أسباب الانتشار الواسع لليانصيب في الولايات المتحدة، ومن المستفيد الحقيقي منه، ولماذا يبدو هذا الحلم مشروعًا في بعض المجتمعات ومرفوضًا في أخرى، وصولًا إلى موقف الدول العربية والإسلامية من هذه الظاهرة.
وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على أسباب الانتشار الواسع لليانصيب في الولايات المتحدة، ومن المستفيد الحقيقي منه، ولماذا يبدو هذا الحلم مشروعًا في بعض المجتمعات ومرفوضًا في أخرى، وصولًا إلى موقف الدول العربية والإسلامية من هذه الظاهرة.
مؤسسات تراهن وتربح دائمًا
يوضح الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، أن اليانصيب منتشر على نطاق واسع في الولايات المتحدة، حيث تنظر إليه المؤسسات باعتباره وسيلة مباشرة لجمع الأموال وتحقيق أرباح ضخمة، ولذلك تتولى إدارته جهات ذات ثقل مالي قوي، مثل البنوك والمؤسسات النقدية والمالية.
وتُعد شركات مثل Powerball وMega Millions من أبرز الجهات المنظمة، وقد تحولت إلى علامات تجارية كبرى، تُتابَع نتائجها كما تُتابَع الأحداث الرياضية العالمية، بينما تظل المؤسسات المنظمة هي الرابح الأكثر استقرارًا.
حين يصبح الحظ قانونًا
ويضيف أستاذ علم الاجتماع أن هناك دولًا، من بينها الولايات المتحدة، يخضع فيها الفائزون في اليانصيب لضريبة على الأرباح، قد تصل الضريبة الفيدرالية إلى 37%، ما يعكس أن المسألة منظمة قانونيًا ولها وضع ثابت داخل المنظومة المالية.
ويُعرف هذا النظام في أمريكا باسم «اللوتري»، ويقوم على شراء الفرد رقمًا أو تذكرة بمبلغ محدد، ثم إجراء سحب عشوائي لاختيار فائز أو أكثر بالجائزة المالية الكبرى. ورغم أن احتمالات الفوز ضئيلة للغاية بسبب تساوي الفرص بين الملايين، فإن الإقبال لا يتراجع.
خمسة قرون من الحلم
ويرجع د. طه هذا الارتباط القوي باليانصيب إلى جذور تاريخية تمتد لنحو خمسة قرون، حين استُخدم بنظام التداول الجمعي لتمويل مشروعات تنفذها مؤسسات وجمعيات خيرية.
وأكد أن هذا الدمج بين الربح والتمويل جعله جزءًا من صلب التعامل النقدي في الولايات المتحدة، ولا يزال يحظى بدعم قانوني يتماشى مع التوجه العلماني للدولة، رغم أن الكنيسة لا تزال ترفضه.
من الحلم إلى المقامرة
وأوضح أستاذ علم الاجتماع أنه في الوقت الذي يفوز فيه شخص واحد أو قلة قليلة، تتحمل الأغلبية خسائر متراكمة نتيجة عدم الفوز، وهو ما يترك حسرة نفسية قد تدفع البعض إلى الإصرار على المحاولة مرة بعد أخرى، أملًا في تعويض الخسارة، معتبرًا أن هذا السلوك يندرج ضمن مفهوم المقامرة.
الهدف غير المعلن
ويرى د. طه أن الإنسان بطبيعته يحمل هدفًا غير معلن يتمثل في الثراء السريع، ولذلك يتمسك بأي فرصة يعتقد أنها قد تقوده إلى هذا الهدف، رغم إدراكه أن فرص الفوز ضئيلة للغاية في ظل الأعداد الهائلة من المشاركين.
ورغم الدعم الكبير الذي يحظى به اليانصيب في العديد من الولايات الأمريكية، يشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن بعض الولايات قيدته أو منعته، بعدما رأت أن التعامل به يترك آثارًا سلبية على أنظمتها المالية والاجتماعية.
هوس اليانصيب
من جانبه، يفتح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، زاوية مختلفة لفهم الظاهرة، حيث يرجع هوس البعض باليانصيب إلى تفضيلهم عدم العمل، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسب التشرد بين النساء والرجال والأطفال في عدد من الولايات، مع استثناء ولاية كاليفورنيا الغنية بفرص العمل والمصانع والبترول.
وأشار إلى أن هذه النسب ارتفعت بعد موجات الهجرة، خاصة من المكسيك وبعض الدول العربية، حيث يعتمد بعض المهاجرين على الإعانات الحكومية، وتخفيضات السكن، والدعم الغذائي، إلى جانب تذكرتي طيران مجانيتين سنويًا، وهي مزايا – على حد تعبيره – «تجعل الفرد يعيش ملكًا»، لكنه يفقدها إذا التحق بالعمل.
ضغط حكومي
وأكد د. فرويز أن هذه الأعداد الكبيرة تمثل ضغطًا على الحكومة الأمريكية، التي تطبع الدولار دون سند ذهبي، فضلًا عما تتحصل عليه من دول أخرى تحت مسمى الحماية.
وأضاف أن الاتكالية وتفضيل عدم العمل يدفعان البعض إلى شراء تذاكر اليانصيب أو الدخول في مراهنات مختلفة، سواء على مباريات الملاكمة أو البيسبول أو غيرها، اعتمادًا على الحظ، خاصة مع تضخم قيمة الجوائز لتصل إلى مليارات الدولارات.
واختتم استشاري الطب النفسي حديثه مؤكدًا أن الحلم بالثراء السريع أمر طبيعي، لكن الوهم الحقيقي هو الاعتقاد بأن المال يأتي بلا جهد، مشددًا على أن العمل والكد هما الطريق الوحيد، ومؤكدًا أن مصر من أفضل الدول التي تقوم على قيمة العمل.
ظاهرة عالمية
ويُعد «اللوتري» ظاهرة عالمية، إذ ينتشر في دول أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا وإسبانيا، وكذلك في كندا ودول أمريكا اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين، ووفقًا للدكتور طه أبو حسين، تخصص بعض هذه الدول أجزاء من أرباح اليانصيب لدعم دور رعاية المسنين والأيتام وذوي الإعاقة واللاجئين، بينما لا تهتم به دول أخرى، أو تسمح به وفق أنظمة تحقق قدرًا من العدالة.
حلم لا يشبهنا
وعند العودة إلى الشرق، يقول د. طه إن مصطلح «اليانصيب» ليس غريبًا عن المنطقة العربية ولا عن مصر، خاصة خلال فترة الحكم الملكي، حيث كان يصدر عن بنك مصر تحت رعاية الدولة، واتسم وقتها بالنزاهة والحيادية في توزيع الجوائز.
وأشار إلى أنه لا يتوقع السماح باليانصيب حاليًا في المنطقة العربية كما كان الحال في نهاية الستينيات، مؤكدًا أن مصر حظرته مع استثناءات محدودة، كما حرمت المراهنات، وهو ما ينطبق على دول الخليج وباكستان والدول الإسلامية عمومًا، باعتباره مقامرة تمثل خطرًا في إهدار المال، وتتعارض مع الفلسفة الإسلامية.
وأضاف أن اليانصيب حلم لا يشبه المجتمعات العربية، إذ يُنظر إليه بوصفه قمارًا مرفوضًا دينيًا وثقافيًا، على عكس المجتمعات الأوروبية والأمريكية.
فكرة واحدة وأشكال متغيرة
ويرى أستاذ علم الاجتماع أنه لا يمكن الجزم بمنع اليانصيب كليًا في مصر، إذ لا تزال هناك شركات تعمل به مثل «لوتري القاهرة» وفق قانون 1973، كما اتخذ أشكالًا أخرى مثل السحوبات والمسابقات الترويجية التي انتشرت في مصر وعدد من الدول العربية، وساعد الإنترنت على رواجها.
وتشمل هذه البدائل سحوبات تنظمها شركات وبنوك ومؤسسات تجارية على المشتريات، وجوائز مالية أو عينية مثل السيارات والأجهزة والرحلات، إضافة إلى المسابقات التفاعلية، وهي أنشطة قانونية لأنها تعتمد على المشاركة الفعلية لا على الحظ وحده، وتُعد أكثر توافقًا مع الشريعة الإسلامية وأقل خطرًا اجتماعيًا.
وأشار إلى أن ضعف الوعي بطبيعة هذه الأنظمة أسهم في محدودية انتشارها شعبيًا، في ظل تعامل حكومي يحاول الموازنة بين الإتاحة والتقييد، في محاولة لإمساك العصا من المنتصف.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية