تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : المديح الزائد.. خطر تربوي ينتهي بضغط نفسي على الطفل
source icon

سبوت

.

المديح الزائد.. خطر تربوي ينتهي بضغط نفسي على الطفل

كتب:مروة علاء الدين

في زمن تتسارع فيه مفاهيم التربية الحديثة، أصبح التشجيع حاضرًا بقوة في حياة الأطفال، باعتباره أداة أساسية لبناء الثقة وتعزيز التقدير الذاتي. ويحرص كثير من الآباء والأمهات على إغداق عبارات الثناء مثل؛ «أنت ذكي»، «أنت الأفضل»، «لا تخطئ أبدًا»، ظنًا أن هذه الكلمات تمنح الطفل أمانًا نفسيًا ودافعًا دائمًا للنجاح.

غير أن هذه النوايا الإيجابية، حين تُستخدم بلا وعي أو اتزان، قد تنقلب إلى عبء نفسي صامت، يربك صورة الطفل عن ذاته، ويجعل قيمته مرتبطة برضا الآخرين لا بوعيه الداخلي أو جهده الحقيقي.

مبالغة ضارّة
توضح الدكتورة زينب ممدوح، المستشارة المعتمدة في الإرشاد النفسي والأسري، أن المديح في جوهره وسيلة تربوية فعّالة، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى مبالغة دائمة أو يُقدَّم دون ارتباط حقيقي بسلوك أو جهد واضح.

وتشرح: «بدلًا من أن يتعلم الطفل تقييم ذاته من الداخل، يبدأ في انتظار التصفيق الخارجي ليشعر بقيمته، ومع الوقت يصبح أكثر قلقًا، وأكثر خوفًا من الخطأ، وأقل قدرة على المحاولة بحرية».

مديح سام
وتلفت د. زينب إلى مفهوم بالغ الأهمية يُعرف بـ«المديح السام»، وهو ذلك النوع من الثناء الذي يبدو إيجابيًا في ظاهره، لكنه يحمل رسائل نفسية سلبية خفية، مثل المقارنة أو النقد غير المباشر.

وتضرب مثالًا عندما نستخدم عبارات الإطراء بقصد التشجيع، لكن بعضها يترك أثرًا نفسيًا غير واعٍ. فجملة مثل "ملابسك أنيقة اليوم، ليس كالعادة" قد تُفهم كمدح، لكنها في الحقيقة تحمل حكمًا سلبيًا ضمنيًا، ومع التكرار تُزعزع صورة الطفل عن نفسه.

تشجيع واعٍ
وتقدّم مستشار الإرشاد النفسي والأسري قاعدة عملية للتمييز بين المديح الصحي والضار، موضحة أن المديح البنّاء يركّز على الفعل لا على الشخص، وعلى الجهد لا على النتيجة.

فبدلًا من قول «أنت أحسن واحد في الرسم»، يمكن القول «ألوانك اليوم متناسقة وجميلة، ويبدو أنك استمتعت كثيرًا بالرسم»، مؤكدة أن الفرق كبير؛ فالأول يخلق مقارنة وضغطًا دائمًا، بينما الثاني يُنمّي ثقة داخلية حقيقية.

وتؤكد د. زينب أن المديح قد يتحول إلى مصدر أذى نفسي في عدة حالات، من أبرزها:
- المبالغة وعدم الواقعية: مثل قول «أنت أذكى طفل في العالم»، ما يضع الطفل تحت ضغط مستمر للحفاظ على صورة مثالية.
- قمع المشاعر: مثل «أنت طيب جدًا ومستحيل تزعل» تعلّم الطفل كبت مشاعر الغضب الطبيعية.
- الحب المشروط: ربط القبول بالإنجاز، كما في «أنا أحبك لأنك شاطر»، ما يزرع لدى الطفل اعتقادًا بأن قيمته مرهونة بالأداء.
- المقارنات المؤذية: المقارنة بالأشقاء أو الآخرين، مثل «أنت أشطر من أخيك»، وقد تزرع الغيرة أو الغرور وتؤثر سلبًا في العلاقات.

اعتماد نفسي
من جانبه، يرى الدكتور خالد أبو بكر، استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين، أن الطفل الذي يعتاد المديح المفرط دون ربطه بالجهد أو السلوك يصبح معتمدًا نفسيًا على رأي الآخرين لتقدير ذاته، ويخسر القدرة على تقييم نفسه داخليًا، يبدو واثقًا ظاهريًا، لكنه في العمق يعيش قلقًا دائمًا للحفاظ على الصورة المثالية، ما قد يظهر في توتر دراسي، حساسية مفرطة للنقد، أو انسحاب اجتماعي عند أول إخفاق. هذه الحالة تضعف الدافعية الذاتية، حيث يتعلم الطفل العمل من أجل الثناء لا من أجل التعلم أو التطور، ويفقد متعة المحاولة نفسها إذا غاب التصفيق.

ويفسر د. خالد ما يحدث داخل دماغ الطفل عند التعرض للمديح الزائد، فعندما ينجز الطفل مهمة ويحصل على مديح حقيقي ومتناسب مع الجهد، يفرز الدماغ جرعة صحية من الدوبامين، مما يعزز شعور المتعة بالإنجاز، لكن عندما يتحول المديح إلى جرعات مكثفة وغير مرتبطة بالجهد، يعتاد الدماغ على هذه الجرعات العالية، عندها يحتاج الطفل إلى مديح أكبر ليشعر بنفس المتعة، ويبدأ في فقدان القدرة على الاستمتاع بالإنجاز ذاته، فيصبح أشبه بمدمن يحتاج إلى جرعة خارجية مستمرة، وهذا ما يفسر ظهور القلق والتوتر عندما يغيب التصفيق.

لغة الجسد
ويشير استشاري الطب النفسي إلى بُعد مهم يغفل عنه كثير من الآباء، وهو لغة الجسد والاهتمام الحقيقي، فالطفل يقرأ عيوننا قبل أن يسمع كلماتنا؛ نظرة فخر صادقة، أو ابتسامة دافئة، أو تربيتة حانية على الكتف بعد بذل جهد، قد تبني في نفسه ثقة أكبر من مئات عبارات المدح التي تُقال بينما نشعره بأننا منشغلون عنه.
ويؤكد أن الطفل يحتاج أن يشعر بقيمته لذاته، لا لأنه ناجح أو متفوق فحسب، فالحضور العاطفي الصادق يصنع أثرًا أعمق وأدوم من الكلمات وحدها.

مراحل عمرية
يشدد د. خالد على أن تأثير المديح يختلف حسب عمر الطفل:
الطفولة المبكرة (قبل 6 سنوات): المديح البسيط والمباشر مثل "أحسنت" مفيد لتعزيز السلوك الإيجابي.
المرحلة الابتدائية (7–12 سنة): يبدأ الطفل تكوين صورته الذاتية والمقارنة الاجتماعية؛ المديح غير الواقعي مثل "أنت عبقري" يخلق فجوة بين توقعات الأهل وواقع الطفل، ما يسبب صدمة عند اكتشاف أنه ليس الأفضل دائمًا.
المراهقة: يعيش المراهق مرحلة تشكيل الهوية ويكون شديد الحساسية لأي حكم خارجي، خصوصًا فيما يتعلق بالمظهر أو العلاقات الاجتماعية. المديح قد يسبب قلقًا وارتباكًا، إما بوضعه تحت ضغط الالتزام بصورة لا تعكس شخصيته، أو بفقدان الثقة في صدق من حوله إذا شعر أن المديح غير حقيقي.

ثقافة مجتمع
ويشير استشاري الطب النفسي إلى أن المديح الزائد مرتبط بالسياق الثقافي العربي، حيث تميل المجتمعات للتضخيم العاطفي والمبالغة في التعبير عن المشاعر.

الجدة تمتدح حفيدها بـ "أحلى وأذكى واحد"، والأب يصف ابنه بـ "النجم" دائمًا" رغم صدق المشاعر، يصنع هذا لدى الطفل واقعًا موازيًا للعالم الخارجي، ويجعل الآباء يتجنبون التقييم الموضوعي ويستبدلونه بمديح عام ومفرط، مما يحرم الطفل من فرصة التعلم من أخطائه.

تقدير لا مديح
ويقدّم استشاري الطب النفسي مفهومًا مهمًا للتمييز بين نوعين مختلفين من الثناء، مشيرًا إلى أن التقدير يختلف جوهريًا عن المديح.
فالمديح هو حكم إيجابي يُصدره الكبار على الطفل أو عمله، مثل "أنت رائع" أو "أنت عبقري"، وهو يضع الطفل تحت مجهر تقييم الآخر، أما التقدير، فهو اعتراف حقيقي بجهد الطفل أو مشاعره أو اختياراته دون إصدار حكم، مثل "لقد بذلت مجهودًا كبيرًا في ترتيب غرفتك، بدا الأمر صعبًا لكنك أكملته"، فالتقدير يغذي الدافع الداخلي، بينما المديح يغذي الاعتماد على الخارج. 

توازن تربوى
ختامًا، تؤكد التجارب النفسية أن التربية الإيجابية ليست إفراطًا في الثناء ولا قسوة في النقد، بل توازن دقيق بين الدفء والوضوح،  وأن بيئة يشعر فيها الطفل بالأمان النفسي، ويتعلم أن قيمته نابعة من ذاته وجهده، لا من تصفيق الآخرين، هي الأساس الحقيقي لبناء إنسان متزن، واثق، وقادر على مواجهة الحياة دون خوف أو غرور.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية