تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : الكحك والعيدية.. عادات مصرية لا يهزمها الغلاء
source icon

سبوت

.

الكحك والعيدية.. عادات مصرية لا يهزمها الغلاء

كتب: سعاد طنطاوي

مع نسمات العيد، ورغم ارتفاع الأسعار والأزمات التي تحيط بالمنطقة إلا أن العادات المصرية تنتصر دائماً، فرائحة كحك العيد تملأ الأجواء، ولمة العائلة بعد صلاة عيد الفطر وتوزيع العيدية، عادات صلبة متينة لا تهزمها الظروف القاسية، مما يجعلها اختبارًا حقيقيًا لقدرة المصريين على "التمسك بالبهجة"، فرغم الارتفاع الملحوظ في أسعار المواد الخام (السمن، الدقيق، المكسرات)، وزيادة أسعار الكحك الجاهز بنسبة تتراوح بين 25- 35% في عام 2026، تغيرت ملامح هذه العادات لكنها لم تنكسر.

زمان "ريحة ولمّة"
تسترجع الحاجة زينب (75 عامًا)، وهي جالسة وسط أحفادها تعلمهم نقش الكحك، ذكريات زمان، فتقول: "يا بنتي، زمان ماكنش فيه حاجة اسمها (كيلو جاهز)، كان أصلًا عيب نشتري الجاهز لأنه دليل على خيبة ست البيت، الكحك كان يعني (أسبوع الخبيز)، كنا بنبدأ من يوم 20 رمضان، نغسل السمسم وننقي الدقيق، والبيت كله يتقلب خلية نحل".

وتكمل وهي مبتسمة: "كانت أهم حاجة عندنا قدحة السمنة، وريحتها كانت تجيب آخر الشارع، والجيران يعرفوا إن بيت فلان بدأوا خبيز الكحك، كنا بنقعد (الستات) حول الطبلية، نغني للعيد وننقش بالمناقيش ونرص الصاجات، والبنات تشكل عروسة، والصبيان يشكلوا ضابط، والشباب يحملوها على رؤوسهم للفرن البلدي كاتبين أسماءهم عليها، وكانت الصاجات بتمشي فوق الرؤوس زي موكب ملوكي، والكل بيسلم على الكل ويبارك، لكن فين دا دلوقتي؟"

وتستطرد قائلة: "الكل بيجري على الجاهز، دلوقتي الأسعار غليت والناس استسهلت الجاهز، بس لسه (نفس) الأم في الكحكاية هو اللي بيخلي للعيد طعم، زمان كانت البركة في اللمة، والعيدية كانت (قرش صاغ) أو (شلن) ورق جديد، بس كان بيشتري الدنيا كلها لأن القلوب كانت راضية".

البيت ورشة عمل
وتدخل في الحوار منى (موظفة وأم لثلاثة أبناء) ضاحكة وتقول: "بصراحة، الموضوع مبقاش سهل زي زمان؛ لا الوقت يسمح ولا الميزانية عادت تستحمل 'الهيصة' القديمة"، وتستنكر قائلة: "مستحيل أقدر أعدي العيد من غير كحك بيتي، مستحيل، الكحك عندي مش بس أكل، ده طاقة حب بملأ بيها البيت عشان ولادي يحسوا إن فيه عيد بجد".

تحدي "الغلاء" وصمود العادات
وتشرح منى كيف طوعت الظروف لصالحها قائلة: "السنة دي، مع غلاء السمن والسكر، قررت أعمل (نص الكمية) بس بجودة عالية، بدل ما أشتري الجاهز اللي سعره بقى خيالي، اشتريت الدقيق وقلبت البيت لورشة عمل، صحيح تعب بعد صيام وشغل، لكن لما أشوف فرحة ولادي وهم بيساعدوني في (رص الصاجات) وبيدوقوا أول كحكاية طالعة من الفرن، بنسى كل التعب، وبقول لولادي؛ مش لازم نملى كراتين، المهم الريحة تملى البيت واللمة تجمعنا، فالعيد عندي هو اللحظة اللي بنقعد فيها كلنا نجهز (علبة المشكل) عشان نهادي بيها الحبايب والجيران، حتى لو كانت بسيطة، قيمتها في إنها "من إيد ماما".

إدارة الفرحة
وتضحك زينب (ربة منزل) من كلام منى وتقول: "أنا لا موظفة ولا عندي خروجات كتير، بس ميزانية البيت كلها في إيدي طول السنة عشان (شيلة العيد)، الكحك بالنسبة لي مش مجرد خبيز، ده (برستيج) ست البيت قدام حماتها وجيرانها وأهل جوزها، لما يدوّقوا كحك ناعم وريحته مالية الدنيا، أكون أسعد واحدة فيها".

وتشرح زينب كيف تدير "أزمة الأسعار" بحكمة ربة المنزل، فتقول: "السنة دي الدنيا غالية، بس (الست الشاطرة) متغلبش، بدل ما أجيب سمنة بلدي للكمية كلها، بخلطها بـ(زبدة نيوزيلندي) أو سمنة نباتي نوع نظيف عشان الريحة، وقبل العيد بأسبوع، ببدأ موسم التنظيف مع الكحك؛ يد بتغسل السجاد ويد بتبسّ العجين، العيد عندي هو سهر الليالي، ولما بوزع طبق المشكل على الجيران ويردوا لي الطبق مليان من كحكهم، بحس إن الدنيا لسه بخير والخير مالي بيوتنا".

الجاهز أريح
وتشترك في الحوار أمنية عادل، فتقول: "بصراحة أنا أفضل شراء الكحك الجاهز عن تحضيره في البيت، ولو بكميات قليلة، وإن كان سعره عاليًا، لكن لا يمنع أن أدخل على النت لتجهيز مثلًا البيتي فور أو البسكوت، وأكون في قمة السعادة لو عجب زوجي والمقربين".

العيدية
وتمثل العيدية عادة مصرية قديمة محببة جدًا لكل الأسر المصرية، ينتظرونها بعد صلاة العيد، حيث يجتمع الأجداد والآباء والأبناء، ويلتف حولهم الصغار، فيحكي عم محمود (80 عامًا)، بابتسامة صافية، واضعًا يده في جيب جلبابه وكأنه يتحسس تلك الأوراق القديمة "يا ولادي، العيدية زمان كانت هيبة، كنا نروح البنك مخصوص قبل العيد بأسبوع، نطلب البواكي الجديدة اللي لسه ريحة الحبر فيها، كان الشلن الورق -خمس قروش- له شنة ورنة، والبريزة -عشر قروش- كانت بتخلي الطفل يحس إنه ملك زمانه".

ويضيف وهو يصف طقوس توزيع العيدية "كنا بنجمع الأحفاد بعد صلاة العيد مباشرة، والكل يقف بالترتيب حسب السن، كنت أطلع الفلوس بتلمع وأقسمها عليهم، كان الربع جنيه (25 قرشًا) ده عيدية (الأكابر) من الشباب، وكان بيجيب تذكرة سينما، وساندوتش، وزجاجة كاكولا، ويفضل منه فكة كمان.

دلوقتي الأرقام كبرت، بنعطي المية والمئتين جنيه والطفل يسأل: هجيب بيها إيه يا جدي؟ لكن في الآخر مش المهم الرقم، المهم الفرحة والضحكة اللي بنشوفها في عيونهم وهم بياخدوا العيدية وهي جديدة.. دي اللي بتخلينا نحس إننا لسه بخير".

تحديث العيدية
ويقفز ياسين وهو يمسك بمحفظته الجديدة التي اشتراها خصيصًا للعيد، ويقول بجدية مضحكة: "أنا بقى أهم حاجة عندي في العيد هي الورقة اللي بتبرق، أنا أقعد أحسب من ليلة الوقفة هيجيلي كام من بابا، وعمو، وجدو، السنة دي قلت لبابا (يا بابا الأسعار غليت، واللعبة اللي نفسي فيها بقت بـ 500 جنيه، لازم تعمل تحديث للعيدية وتزيد شوية ".

وتقاطعه ليلى الصغيرة وهي تهز شعرها الناعم المنسدل على أكتافها: "أنا بحب العيدية الفكة أكتر عشان بتبقى كتير في إيدي، بس المشكلة إن ماما دايمًا بتقولي هاتي أشيلهم لك عشان ما يضيعوش، وأنا عارفة إنهم لو راحوا مع ماما مش هشوفهم تاني، فبقيت أستخبى في أوضتي وأعدهم كل شوية، وأقسمهم؛ شوية للبلالين، وشوية للكاندي اللي لونها أحمر وأخضر".

ويدخل ياسين مرة أخرى بسرعة ليعلن "إحنا بنعمل تحالف أنا وولاد عمي؛ اللي ياخد عيدية من حد يقول للتاني بسرعة عشان يروح ياخد هو كمان قبل ما الفلوس الجديدة تخلص عند طنط أو عمو، العيد يعني جيوب مليانة ورق جديد وصوت فرقعة البمب في الشارع".

موروث ثقافي قديم
ويرى دكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، أن تمسك المجتمع المصري بهذه العادات والتقاليد هو موروث ثقافي منذ القدم، ولم يشكل أزمة اقتصادية، وإن كان يشمل هامشًا من النفقات الأسرية، لكنه هامش غير دائم يرتبط بمواسم محددة.

فطرة العيد
ويقول أستاذ علم الاجتماع إن هناك دوافع بيئية واجتماعية ظهرت من شأنها هذه الدلالات والآثار، والتي ساعدت على تأصل هذه العادات الثابتة في عقيدتنا، بأننا نصوم 30 يومًا، نفطر المغرب ونتسحر قبل الفجر، وهذه الطبيعة البيولوجية عودتنا أنه بعد خروجنا من صلاة العيد نجد أمهاتنا وقد جهزن لنا مائدة مليئة بالترمس والتمر والسوداني بقشره والبسكوت والكحك بأنواعه، ما بين السادة والمحشي بالملبن أو العجوة، وكان يُطلق عليها وقتها "فطرة العيد"، وتعد هذه الفطرة مداعبات هامة للجسم بعد اختلالات في نظام التغذية، تقول للمعدة: سنغير ونفطر اليوم شيئًا جديدًا عليك.

ويستطرد قائلًا: "زمان كان هناك حرص على أنظمة الحياة العامة المرتبطة بالدين والسنة، لكن الآن طالها العبث، إما بطريقة مقصودة أو غير مقصودة، ومثال على ذلك الكحك الجاهز، والذي بشرائه نفتقد لذة تجهيزه في البيت ولمّة الأهل والنساء، ومن حولهم الأطفال تجري وتلعب وتتشارك في صنعها باللهو، محدثة المتعة التي تثبت في الذاكرة الإنسانية المصرية، حتى وإن لم يكن ذلك موجودًا في بعض الدول العربية".

إن هذا الترسيخ الثقافي بدوره يثبت الحدث في أذهان أطفالنا، لعلهم يتذكرونه لاحقًا في مناسبات مشابهة، وأكثر من ذلك أنه يخلق لديهم ارتباطًا غير مباشر بالحالة الدينية، تذكرهم بأن هذا الحدث لا يكون إلا في شهر رمضان لاستقبال العيد، فتكون سببًا في فرحة، وتجعله يتعلق بهذه الثقافة، وتضفي أثرًا صحيًا ونفسيًا جيدًا عليه.

ويرى أن تثبيت هذه العادات ضرورة، خاصة وأن توقعات علماء الأنثروبولوجي والخبراء الجيوسياسيين تقول إن بعد ما وصلنا إليه من أعباء، فإن الحياة سترجع بدائية مرة أخرى.

مسألة رمزية
وعن العيدية، يرى أستاذ علم الاجتماع أنها عادة مصرية قديمة، تدخل البهجة على النفوس كبارًا وصغارًا، خاصة وأنها مسألة رمزية وغير تقييدية، ليس فيها إلزام بإعطاء مبلغ معين، وكلٌّ على قدر استطاعته، والهدف الرئيسي منها هو تعريف صغارنا بأن هناك في عاداتنا كمصريين ما يسمى بـ "العيدية"، وبما أنها رمزية، يمكن لمن أخذ أكثر أن يعطي من أخذ أقل، فتخلق نوعًا من الحب والود بين الناس، خاصة وأن العطاء لا ينقص المال كما يخطئ البعض في الفهم.

طاقة التقدير المرتدة
ويقول أيضًا إنه على العكس، فالمعطي يسعد كما يسعد المتلقي، ويسمى ذلك في الصحة النفسية "طاقة التقدير المرتدة"، وتكون هذه الطاقة هي الرضا والمحبة التي نراها في الآخرين نتيجة هذا العطاء، وفقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"، وهو ما يؤلف القلوب وينشر المحبة بين الناس.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية