تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
عشقٌ كبير عمره 179 عامًا جمع بين المصريين وحدائق القناطر الخيرية، وارتبط هذا الحب بفسحة العيد، فهذه الحدائق، التي لا تبعد 22 كيلومترًا شمال القاهرة، لم تكن يومًا مجرد مساحات خضراء، بل هي "مشروع قومي" بدأ بقرار عبقري من مؤسس مصر الحديثة، محمد علي باشا، فكيف ولماذا نشأت هذه الحدائق التي عُرفت بـ "أعظم حدائق الشرق"؟
جمال من رحم الضرورة
لم تكن الفكرة في البداية إنشاء حدائق، بل بناء "القناطر" ذاتها لتنظيم الري في الدلتا، وبحسب الصفحة الرسمية لموقع "الملك فاروق الأول - فاروق مصر"، تُعد القناطر الخيرية الأولى من نوعها في العالم وقت إنشائها، بل من أعظم مشروعات هندسة الري عالميًا، في وقت لم يبلغ فيه هذا الفن ما وصل إليه اليوم من تطور.
قبل 179 عامًا، استوحى محمد علي باشا فكرة بناء القناطر بعد أن لمس فوائد القناطر التي أُنشئت على عدة ترع، فوضع حجر الأساس للمشروع في احتفال ضخم يوم 9 أبريل 1847، إيمانًا منه بأهمية الزراعة، ومن ثم الري، كشريان أساسي لنهضة مصر اقتصاديًا.
واستغرق العمل نحو 20 عامًا، واستمر المشروع حتى وفاة محمد علي، ثم توقف في عهد عباس الأول بدعوى عدم توافر الموارد المالية، قبل أن يُستكمل في عهد سعيد باشا، وظهرت بعض العيوب في عيون القناطر عام 1867 نتيجة ضغط المياه، فتمت الاستعانة بكبار المهندسين آنذاك لإصلاحها، منهم موجيل بك، وبهجت باشا، ومظهر باشا، ثم المهندس الإنجليزي فولر، وتمت أعمال الإصلاح في عهد الخديوي إسماعيل.
أعظم حدائق الشرق
برؤية شمولية، لم يُرد محمد علي باشا لهذا المشروع أن يكون مجرد منشأة هندسية، فأمر قبل وفاته بزراعة 500 فدان من الأراضي المحيطة بين فرعي دمياط ورشيد، لتكون متنزهات عامة على الطراز الأوروبي، وأُطلق عليها عند افتتاحها "أعظم حدائق الشرق"، كونها أكبر حديقة نباتية في المنطقة آنذاك.
ولم تقتصر بعثات محمد علي على جلب السلاح والعلم، بل شملت أيضًا النباتات، حيث أمر بجلب أشجار نادرة من الهند وجاوة وأمريكا الجنوبية، لتُزرع في القناطر وتتحول إلى "مشتل مصر الكبير"، ولا تزال بعض الأشجار المعمرة في حدائق "عفلة" و"التوفيقية" شاهدة على تلك الحقبة.
أكاديمية زراعية
لم تكن الحدائق للتنزه فقط، بل مركزًا للتجارب الزراعية، حيث زُرعت أشجار الفاكهة والموالح لاختبار ملاءمتها للتربة المصرية قبل تعميمها، كما تحولت إلى مدرسة ميدانية لتعليم أساليب الري والتنسيق الزراعي الحديث، وتقع القناطر عند رأس الدلتا، حيث يتفرع النيل، وهو ما وفر لها ريًا دائمًا ومناخًا مميزًا، أكسبها لاحقًا لقب “فرساي الشرق”.
من التأسيس إلى الازدهار
إذا كان محمد علي قد أسس القناطر، فإن الخديوي إسماعيل منحها طابعها الجمالي، فحولها إلى قطعة أوروبية على أرض مصر، وجعلها ملتقى للملوك والأمراء، لتتحول من مشروع ري إلى منتجع راقٍ.
باريس على ضفاف النيل
تأثر إسماعيل بفرنسا، فسعى إلى جعل القناطر نسخة من حدائق باريس، مستعينًا بمهندسين أوروبيين لتنسيقها وفق الطراز الهندسي الحديث، القائم على الممرات المنتظمة والتصميم المدروس.
ووسع إسماعيل أيضاً من استيراد النباتات النادرة، فزُرعت أشجار التين البنغالي والنخيل الملوكي والسيكاس، التي أصبحت رموزًا جمالية حتى اليوم.
وجهة للترفيه الملكي
وتحولت القناطر إلى مقر للاستجمام الملكي، حيث أُنشئت استراحات لاستقبال الضيوف، وظهرت الرحلات النيلية باليخوت الملكية، لتصبح مقصدًا للنخبة.
فسحة العيد
ويقول المهندس محمد غانم، المتحدث الرسمي لوزارة الموارد المائية والري، تمثل حدائق القناطر "فسحة العيد" للمصريين، فهي متنفس طبيعي لسكان القاهرة والمحافظات القريبة، حيث تستقبل العائلات التي تفترش المسطحات الخضراء، بينما يستمتع الأطفال بالألعاب، ويقبل الشباب على الرحلات النيلية.
جاهزية دائمة
وأكدت المهندسة إيمان نصرت، مدير عام حدائق القناطر، أن الحدائق تستعد باستمرار لاستقبال الزوار، من خلال أعمال النظافة والصيانة وتأمين المرافق، مع توفير خدمات الإسعاف وتنظيم المرور، وفتح الأبواب من الثامنة صباحًا خلال العيد.
9 جواهر خضراء
عفلة: تُعد حديقة "عفلة" الأكبر والأشهر، بمثابة متحف نباتي يضم أندر الأشجار، ومنها التين البنغالي، وقد شهدت تطويرًا حديثًا مع الحفاظ على طابعها التاريخي، و تجمع بين الطبيعة والثقافة، حيث تضم مسرحًا وقاعات ومتحفًا لعلوم الري، وتعد وجهة للاحتفالات والفعاليات.
الياسمين: حديقة حديثة تتميز بتصميم جمالي وممشى مطل على النيل، وتعد من أبرز حدائق العائلات.
البحيرة: وتتميز ببحيرة صناعية وممرات هادئة، ما يجعلها مثالية للاسترخاء.
حديقة النيل: وتطل مباشرة على فرع دمياط، وتعد مقصدًا لعشاق النيل.
التوفيقية: حديقة تاريخية تحمل اسم الخديوي توفيق، وتضم أشجارًا معمرة شاهدة على تاريخ القناطر.
النخيل: تضم حديقة النخيل أنواعًا نادرة من النخيل، بتصميم هندسي جذاب، يعتمد على المحاور البصرية، حيث تتقاطع ممراتها المرصوفة بالرخام مع صفوف النخيل الشاهقة، تجذب المصورين وعشاق الهدوء.
أبو قردان: تعتبر الحديقة موطن لطائر أبو قردان، حيث يتخذ من أشجارها العالية مكاناً للتعشيش، وتضفي طابعًا ريفيًا مميزًا.
حديقة "أ": وهي الحديقة التاسعة وتمثل المدخل الرئيسي، وتم تطويرها لتكون نقطة بداية جذابة للزوار، وتمثل حجر الزاوية في مدخل منطقة الحدائق؛ وتتميز بتصميمها الطولي الذي يمتد كبساط أخضر يرحب بالزائرين، وقد خضعت الحديقة لعملية رفع كفاءة شاملة لتكون "بوابة البهجة"، حيث تم تزويدها بممرات حديثة وإضاءات ليلية تبرز جمال أشجارها وتجعل منها نقطة البداية المثالية لرحلة استكشاف كنوز القناطر التسعة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية