تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : الـ "حريديم" خارج الخدمة.. أزمة تهدد الجيش الإسرائيلي
source icon

سبوت

.

الـ "حريديم" خارج الخدمة.. أزمة تهدد الجيش الإسرائيلي

كتب:مصطفى أمين عامر

كشفت تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، التي نقلتها صحيفة "جيروزاليم بوست"، والتي تحدث فيها عن "أخطار تهدد بانهيار الجيش الإسرائيلي"، عن مشهد معقد يتجاوز مجرد أزمة تجنيد أو نقص في أعداد الجنود داخل الجيش، ويعكس أيضًا في جوهره أزمة بنيوية مركبة تمس توازنات الدولة الإسرائيلية ذاتها.

تآكل جاهزية الجيش
اعتبر الدكتور سعيد محمد أبو رحمه، الخبير في الشئون الإسرائيلية، أن التحذيرات الصادرة عن رئيس أركان جيش الاحتلال بشأن انهيار داخلي محتمل للجيش الإسرائيلي تثير نقاشًا واسعًا يتجاوز بعدها العسكري المباشر، ليصل إلى عمق التداخل بين المؤسسة العسكرية وصناعة القرار السياسي في إسرائيل.

وأضاف أن النقص الحاد في أعداد الجنود، والتآكل في جاهزية القوات النظامية، لا يمكن قراءته بوصفه توصيفًا تقنيًا بحتًا، بقدر ما يعكس لحظة مركبة من الضغوط البنيوية والسياسية التي يعيشها الكيان الإسرائيلي.

وتابع؛ من الناحية الظاهرية، تبدو هذه التحذيرات منسجمة مع معطيات ميدانية حقيقية، أبرزها اتساع رقعة العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، واستمرار حالة الاستنزاف البشري، سواء في القوات النظامية أو في صفوف الاحتياط، فالحروب الممتدة بطبيعتها تُنتج إرهاقًا تدريجيًا، وتفرض تحديات على مستوى الجاهزية والاستدامة القتالية، خاصة في ظل غياب أفق سياسي واضح ينهي حالة الاشتباك المفتوح، وهو ما يجعل الحديث عن التآكل ونقص الموارد البشرية أمرًا واقعيًا إلى حد بعيد.

تصدع داخلي
وشدد على أن توقيت إطلاق هذه التحذيرات يكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو البعد السياسي، إذ تأتي هذه التصريحات في لحظة حساسة داخليًا، تتزامن مع صراع محتدم حول قضايا التجنيد، خصوصًا فيما يتعلق بالأحزاب الحريدية التي ترفض الانخراط في الخدمة العسكرية، وتمتلك في الوقت ذاته وزنًا حاسمًا في معادلة الحكم.

ومن هنا، يمكن فهم التحذير باعتباره أداة ضغط موجهة تهدف إلى تحميل هذه الأطراف مسئولية أي تراجع في كفاءة الجيش، ودفعها نحو تقديم تنازلات في ملف التجنيد، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية مصيرية، مثل التصويت على الموازنة.

وأشار إلى أن هذه التصريحات أوجدت للمعارضة الإسرائيلية فرصة لتعزيز خطابها النقدي للحكومة، متهمة إياها بإدارة الحرب دون استراتيجية واضحة، وبالزج بالجيش في معارك مفتوحة دون توفير الحد الأدنى من الموارد البشرية اللازمة. وبالتالي، فإن هذا التلاقي بين خطاب المؤسسة العسكرية وخطاب المعارضة، حتى وإن لم يكن منسقًا بشكل مباشر، يعكس حجم التصدع داخل بنية القرار الإسرائيلي، ويُظهر كيف تحوّل الجيش من أداة تنفيذ إلى طرف فاعل في معادلة التأثير السياسي.

الواقع المأزوم
وتساءل حول وظيفة هذه التحذيرات؛ هل هي انعكاس صادق لواقع مأزوم، أم أنها جزء من أدوات التفاوض الداخلي؟ وهو أمر يصعب الإجابة عنه بشكل قاطع، حيث إن الجيش الإسرائيلي يواجه بالفعل تحديات حقيقية تتعلق بالموارد البشرية والاستنزاف، لكن في الوقت ذاته تُستخدم هذه التحديات كورقة ضغط في مواجهة القيادة السياسية، أو في إدارة التوازنات داخل النظام.

وأضاف د.سعيد أن تأثير هذه التحذيرات لا يتحدد فقط بمدى دقتها، بل أيضًا بقدرة الأطراف الأخرى على استثمارها؛ فحتى لو كشفت هذه التصريحات عن نقاط ضعف حقيقية، فإنها لا تتحول تلقائيًا إلى عامل حاسم في تغيير موازين القوى، ما لم تُترجم إلى استراتيجيات مضادة على الأرض، وبالتالي فإن الاكتفاء بتداولها إعلاميًا يمنح أثرًا معنويًا محدودًا، لكنه لا يغيّر من الوقائع الميدانية.

واختتم حديثه بقوله إن الحديث عن انهيار الجيش الإسرائيلي لا يعكس بالضرورة واقعًا نهائيًا، بقدر ما يعكس حالة ضغط مركبة يعيشها الجيش بين استنزاف الميدان وتجاذبات السياسة، وبالتالي يمكن اعتبارها لحظة تعيد فيها المؤسسة العسكرية رسم حدود قدرتها، وتحاول من خلالها التأثير على مسار القرار السياسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب الانهيار، بقدر ما يعني دخول الجيش في مرحلة إعادة توازن تحت ضغط الحرب والسياسة معًا.

أزمة تهدد جيش الشعب
من جانبه، اعتبر الباحث في الشئون الإسرائيلية، وائل الغول، أن حديث رئيس هيئة الأركان يكشف أن أزمة التجنيد داخل إسرائيل لم تعد مجرد ملف اجتماعي أو ديني، بل تحولت إلى أزمة تهدد أحد أهم أعمدة الدولة، وهو نموذج "جيش الشعب".

وأوضح أنه في ظل رفض ما يقارب 80 ألف شاب حريدي في سن التجنيد (18–24 عامًا) الالتحاق بالجيش حتى الآن، رغم أهليتهم القانونية، وهو رقم تعترف به تقارير المؤسسة العسكرية والإعلام الإسرائيلي، فإن نسبة التجنيد داخل المجتمع الحريدي لا تزال منخفضة للغاية، حيث تقل عن 10% في معظم التقديرات، بل وتشير بعض البيانات إلى تراجع إضافي في فترات معينة رغم الضغوط السياسية والقضائية.

الجيش ينزف
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يواجه حاليًا نقصًا حادًا في القوى البشرية، إذ يحتاج بشكل فوري إلى نحو 12 ألف مجند إضافي، معظمهم في الوحدات القتالية، نتيجة الاستنزاف المستمر في جبهات متعددة، من قطاع غزة إلى الجبهة الشمالية.

كما تشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن هذه الفجوة مرشحة للتوسع اعتبارًا من عام 2027، مع حاجة سنوية إضافية تتراوح بين 2500 - 3000 جندي، في ظل تزايد التحديات الأمنية وتراجع معدلات التجنيد.

وشدد على أن الأزمة تصاعدت بشكل غير مسبوق بعد انتهاء صلاحية الإعفاءات القانونية السابقة في عام 2023، ما أدخل الدولة في صدام مباشر بين مؤسساتها المختلفة، كما أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكمًا في يونيو 2024 يقضي ببطلان الإعفاء الشامل للحريديم من التجنيد، قبل أن تعود في نوفمبر 2025 وتطالب الحكومة باتخاذ إجراءات صارمة ضد المتهربين، تشمل عقوبات اقتصادية وإدارية، مثل الغرامات ومنع السفر.

إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم تنفذ هذه القرارات بشكل كامل، ما يفتح الباب أمام أزمة دستورية متصاعدة، خاصة مع اقتراب جلسات محتملة تتعلق بازدراء قرارات المحكمة.

تجنيد بلا تنفيذ
وكشف أن الجيش حاول بالفعل التحرك ميدانيًا، حيث أصدر عشرات الآلاف من أوامر التجنيد، التي وصل عددها إلى نحو 54 ألف أمر في يوليو 2025 فقط، لكن نسبة الامتثال ظلت ضعيفة للغاية، بل وواجهت بعض محاولات التنفيذ رفضًا من الشرطة في حالات معينة.

وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى تمرير قانون جديد يعيد عمليًا الإعفاءات لطلاب المدارس الدينية (اليشيفوت)، مع وضع أهداف تجنيد محدودة لا تتجاوز بضعة آلاف بحلول 2027، وهو ما ترفضه المؤسسة العسكرية والمستشار القانوني للحكومة، باعتباره لا يعالج الأزمة الفعلية.

وأشار إلى أن الشارع الإسرائيلي يشهد انقسامًا حادًا، حيث تتصاعد الاحتجاجات في المدن ذات الثقل الحريدي، مثل بني براك والقدس، مع وقوع صدامات متكررة مع الشرطة، في مقابل احتجاجات من العلمانيين وقوات الاحتياط تطالب بما وصفوه بـ "عدالة التجنيد"، في الوقت الذي تصر فيه الأحزاب الدينية، وعلى رأسها "شاس" و"يهدوت هتوراه"، على ممارسة ضغوط سياسية كبيرة على الحكومة، مهددة بإسقاطها أو تعطيل الميزانية في حال فرض التجنيد على طلابها.

أزمة وجودية
واعتبر الغول أن الإعلام الإسرائيلي، بمختلف توجهاته، يتعامل مع هذه القضية باعتبارها أزمة وجودية داخلية؛ إذ يرى البعض أنها تهدد التماسك الاجتماعي والاقتصادي، بينما يحذر آخرون من تأثيرها المباشر على جاهزية الجيش.

وأشار إلى أن ذلك يطرح عدة سيناريوهات داخل إسرائيل، على رأسها فرض التجنيد بالقوة، وهو ما قد يؤدي إلى صدام داخلي واسع، أو استمرار الوضع الحالي بما يحمله من تآكل تدريجي في قدرات الدولة، أو البحث عن تسوية سياسية، وهي حتى الآن غير واضحة المعالم.

واختتم الغول حديثه بقوله إن ما يحدث في إسرائيل ليس مجرد أزمة تجنيد، بل أزمة تمس بقاء نموذج الدولة ذاته، وهو ما ينذر بتفاقم الأزمة خلال السنوات المقبلة، خاصة مع النمو الديموجرافي السريع للحريديم، بما قد يؤدي إلى واقع غير مسبوق يتمثل في جيش يتقلص عدديًا، مقابل مجتمع يتزايد فيه غير المشاركين في الخدمة العسكرية.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية