تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أثار تقليص الوظائف ذات الياقات البيضاء، أو الوظائف المكتبية، وسيطرة أنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتحل محل العنصر البشري، مخاوف عالمية واسعة، وذلك بعد نشر تقارير لكلٍّ من وكالة رويترز وصحيفة «وول ستريت جورنال» حول اتجاه عدد كبير من الشركات إلى تقليص الوظائف المكتبية.
فقد قامت شركة «أمازون» بتسريح أربعة عشر ألف موظف إداري، مع خطة لخفض عشرة في المائة من القوى العاملة المكتبية، بينما سرّحت شركة «UPS» أربعة عشر ألف وظيفة إدارية خلال اثنين وعشرين شهرًا فقط، واستغنت شركة «تارجت» عن ألف وثمانمائة موظف إداري، في حين شطبت شركة «نستله» ستة عشر ألف وظيفة، وخفضت شركة «كارتز» خمسة عشر في المائة من الوظائف المكتبية.
فقد قامت شركة «أمازون» بتسريح أربعة عشر ألف موظف إداري، مع خطة لخفض عشرة في المائة من القوى العاملة المكتبية، بينما سرّحت شركة «UPS» أربعة عشر ألف وظيفة إدارية خلال اثنين وعشرين شهرًا فقط، واستغنت شركة «تارجت» عن ألف وثمانمائة موظف إداري، في حين شطبت شركة «نستله» ستة عشر ألف وظيفة، وخفضت شركة «كارتز» خمسة عشر في المائة من الوظائف المكتبية.
وضمّت قائمة الشركات التي اعتمدت على أنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي كبديل للموظف البشري عددًا من الكيانات الكبرى، من بينها «Rivian» و«Molson Coors» و«Booz Allen» و«جنرال موتورز».
ولم يتوقف الأمر عند حد الاستبدال، بل أصبح مبررًا لإعادة الهيكلة، حيث اتخذت شركات عدة هذا المسار في ظل ضغوط تقليص العمالة، نتيجة الأزمات الاقتصادية، والإغلاق الحكومي الأمريكي، ورفع الرسوم الجمركية.
فقامت شركة «Accenture» بإعادة هيكلة للتخلص من الموظفين غير القادرين على التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما أعلنت شركة «Lufthansa» اعتزامها الاستغناء عن أربعة آلاف موظف حتى عام 2030.
ذوو الياقات البيضاء
ليظهر ما يُعرف بتقليص وظائف «ذوي الياقات البيضاء» أو الوظائف المكتبية، لتحل محلها أنظمة الأتمتة أو روبوتات مزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، باعتبارها البديل الأرخص للموظف البشري في ظل سعي الشركات لرفع الكفاءة، وضغوط المستثمرين لتقليل النفقات، ليصبح تسريح الموظفين الحل الأسرع نحو نهاية وظائف المكاتب التقليدية.
وبات من المؤكد أن التطورات المتلاحقة في مجال الأتمتة والذكاء الاصطناعي شكّلت تهديدًا حقيقيًا للمهن التي تشغل فيها الوظائف المكتبية المستويات المبتدئة.
الحلول الذكية
يقول الدكتور المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، إن الأمر بدأ في أكتوبر 2023 عندما أعلنت صحف المال والأعمال عن موجات تسريح واسعة طالت الإداريين قبل العمال، بدءًا من «أمازون»، مرورًا بشركات لوجستية وصناعية كبرى، وصولًا إلى مؤسسات الخدمات والاستشارات.
ويتابع: «المفارقة أن الضربة وُجّهت إلى ذوي الياقات البيضاء، أو الموظف الإداري، وكان السبب هو التحول إلى الحلول الذكية، فلم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية قادمة، بل أصبح ميزان كفاءة يفرض نفسه على القرارات والميزانيات وأصحاب الأعمال».
ويتساءل صبحي هل الذكاء الاصطناعي هو القاتل؟، مجيبًا بأن الإجابة مركبة؛ إذ إن جزءًا من التسريحات يعود إلى الركود والتقشف، لكن الجزء الأكبر يرجع إلى خوارزميات تُنجز الرواتب في دقائق، وروبوتات تُصدر الفواتير، ومحركات تتعامل مع معظم استفسارات العملاء، وأنظمة مراجعة قانونية تلتهم آلاف الصفحات في ثوانٍ، ما يؤكد أن الدافع الحقيقي هو الكفاءة والسرعة والدقة وتوفير النفقات.
من سيُحسن قيادة الأنظمة الذكية؟
يرى المهندس عمرو أن السؤال الحقيقي لم يعد «من سيُقصى؟» بل «من سيُحسن قيادة الأنظمة الذكية لرفع إنتاجية فريقه وتقليل أخطائه؟»، ويشير إلى أن الوظائف الأكثر عرضة لتهديدات الذكاء الاصطناعي تشمل إدخال البيانات، والمحاسبة المبتدئة، وخدمة العملاء، خاصة باللغة الإنجليزية، ومحللي التقارير الدورية باستخدام أدوات مثل Power BI وCopilot، والمراجعين الداخليين مع التدقيق الضخم للقيود، والتصفية الأولية في الموارد البشرية عبر أنظمة ATS.
ويفسر صبحي قدرة الذكاء الاصطناعي على الحلول محل هذه الوظائف عند دمجه مع أنظمة إدارة موارد المؤسسات (ERP)، حيث تقترب التكلفة الحدية من الصفر بعد النشر، ولا يتكرر الخطأ بعد إصلاحه، مع التوافر على مدار أربع وعشرين ساعة طوال الأسبوع، وسهولة الامتثال عند تبرير القرارات بالأرقام.
التحول الرقمي
وحول تكرار التجربة داخل مصر، يشير صبحي إلى أننا لا نزال في مرحلة التحول الرقمي، ما يخلق فجوة كبيرة، إلا أنه يتوقع عند وصول الموجة أن يتم أتمتة ما بين ثلاثين إلى ستين في المائة من أعمال نحو 2.3 مليون موظف حكومي يعملون في وظائف مكتبية خلال خمس سنوات، إضافة إلى نحو 800 ألف موظف في مراكز الاتصال والدعم الإداري في القطاع الخاص، وهم الفئة الأكثر حساسية.
ويرى أن الحل الوحيد هو إعادة التأهيل على أدوات الذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بنموذج «بنك مصر» الرقمي الذي أعاد تدريب آلاف الموظفين، فارتفعت الإنتاجية بنحو الثلث مقابل تسريح طوعي محدود، في حين أن شركات التعهيد المتباطئة ستخسر عقودًا بمئات الملايين سنويًا.
خارطة طريق رقمية
ويطالب صبحي بوضع خارطة طريق رقمية مصرية واضحة، تتضمن تشريعات توازن بين الأتمتة والعمالة، وتأسيس صندوق لإعادة التأهيل ممول من ضرائب شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب دمج «إدارة الذكاء الاصطناعي» في كليات التجارة والحقوق، مع تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تعيد تدريب موظفيها بدلًا من تسريحهم، وتوجيه الشباب إلى مهارات عالية القيمة مثل التفكير النقدي، وأمن المعلومات، وتصميم التجربة، وصناعة المحتوى.
ويتابع: «الذكاء الاصطناعي اختبار كاشف للروتين، ويمكن لمصر أن تصبح مركزًا إقليميًا لخدمات ما بعد الأتمتة، مثل أمن المعلومات، ومراجعة الخوارزميات، والتدقيق الأخلاقي، إذا بدأنا اليوم لا غدًا، وعلى أصحاب الياقات البيضاء أن يتعلموا إدارة الروبوت لا أن يديرهم، وأن يمتلكوا مهارة متقدمة واحدة على الأقل، ليتحولوا من مستبدَلين إلى موجّهين».
نهاية للوظائف؟
ويختتم المهندس عمرو صبحي حديثه قائلًا: «الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة القواعد بسرعة مذهلة، فمن يتمسك بالتعلم والتدريب ومواكبة التكنولوجيا الجديدة لن يُسرّح، ومن يتفرج سيكون الرقم التالي في القائمة».
من جانبه، يقول الدكتور محمد عسكر، استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني، إن الذكاء الاصطناعي لم يعد يهدد فقط الوظائف منخفضة المهارة، بل أصبح البديل الأرخص والأكثر كفاءة في نظر الشركات الساعية إلى تقليص التكاليف وتعظيم الإنتاجية، ما يجعل نهاية الوظائف المكتبية التقليدية أقرب من أي وقت مضى.
عناصر إنسانية إبداعية
ويرى د. عسكر أن ما يحدث ليس نهاية للوظائف بقدر ما هو إعادة هيكلة لسوق العمل، فبدلًا من اختفاء الوظائف كليًا، سيحدث تحول في الأدوار، حيث يُعاد تدريب بعض الموظفين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للعمل في وظائف جديدة مرتبطة بإدارة الأنظمة الذكية أو تحليل نتائجها.
ويؤكد أنه رغم التطور المذهل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن القول بحلولها الكامل محل الوظائف المكتبية مبالغ فيه، لأن هذه الوظائف تعتمد أيضًا على عناصر إنسانية إبداعية يصعب تقليدها، مثل التفكير النقدي، واتخاذ القرار في المواقف المعقدة، والإبداع، والتواصل الإنساني، وإدارة الفرق.
وظائف في مرمى الخطر
يوضح د. عسكر أن وظائف إدخال البيانات تأتي في مقدمة المهن المهددة، تليها خدمة العملاء، والمساعدون الإداريون، والمحاسبون الأساسيون، وكتّاب المحتوى البسيط، ومحللو البيانات الأساسيون، إضافة إلى محرري الصور والفيديو التقليديين، مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي المرئي.
ويرى أن احتمالية استبدال الوظائف المكتبية في مصر لا تزال ضعيفة على المدى القريب، لكنها مرشحة للحدوث تدريجيًا مع تطور البنية التكنولوجية، خاصة في القطاعات البنكية والمالية، والتسويق الرقمي، والتعليم، والرعاية الصحية.
ويختتم حديثه قائلًا: «المستقبل في مصر، كما في العالم، سيكون لمن يمتلك مهارات رقمية وقدرة على التفكير التحليلي، وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الخوف منها».
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية