تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
على الرغم من تردد مصطلح «الاقتصاد الأزرق» خلال الفترة الأخيرة على مسامعنا، فإنه مصطلح تم تقديمه لأول مرة على يد الاقتصادي البلجيكي جانتر بول عام 1994، كمسار للاستفادة المستدامة من البحار والمحيطات باعتبارها مصدرًا للعديد من الثروات الاقتصادية، بهدف تحقيق نمو اقتصادي يحسّن سبل العيش دون المساس بصحة النظم البيئية المائية. وتُعد مصر على مشارف الاعتماد عليه كأحد أدوات التنمية المستدامة، حيث يُعد من الاقتصاديات الواعدة خلال الفترة المقبلة.
تحسين جودة الحياة
أوضحت الدكتورة سامية جلال سعد، الأستاذ بالمعهد العالي للصحة العامة والبيئية بالإسكندرية ومستشار الأمم المتحدة لصحة البيئة وإدماج نظم الإدارة البيئية المتكاملة، أنه في ظل التحديات المناخية المتسارعة لم يعد مفهوم النمو الاقتصادي التقليدي كافيًا لضمان مستقبل الأجيال، ومن هنا برزت رؤية برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) حول «الاقتصاد الأخضر»، وهو النموذج الذي يتبنى خفض الانبعاثات الكربونية كمنهج، وكفاءة الموارد كأداة، والعدالة الاجتماعية كغاية.
وأضافت أن هذا الاقتصاد يركز على تطهير قطاعات الطاقة والنقل والزراعة من ملوثاتها، محولًا المدن إلى كيانات مستدامة تحمي التنوع البيولوجي وتخلق فرص عمل «خضراء» تضمن سلامة البيئة وتحسن جودة حياة الإنسان.
عماد التنمية الساحلية
أما الاقتصاد الأزرق فيبرز على الضفة الأخرى كعماد للتنمية في الدول الساحلية؛ ووفقًا لتعريف البنك الدولي، فهو الاستخدام المستدام لثروات البحار والمحيطات بهدف تحقيق نمو اقتصادي يحسن سبل العيش دون المساس بصحة النظم البيئية المائية، ويضع هذا التوجه حدًا للاستغلال الجائر للموارد البحرية، ويفتح آفاقًا واسعة في قطاعات الصيد المستدام، والسياحة الساحلية، والطاقة النظيفة المستمدة من الرياح البحرية والأمواج، فضلًا عن تعزيز كفاءة النقل البحري الذي يمثل شريان التجارة العالمية.
تكامل المهام لا تضاربها
ورغم أن كلا الاقتصادين يصبان في نهر التنمية المستدامة، فإن هناك فوارق جوهرية في نطاق التركيز؛ فبينما يبسط الاقتصاد الأخضر اهتمامه على الأنشطة «البرية» لمواجهة تغير المناخ وإدارة الموارد على اليابسة، مرتبطًا بأهداف التنمية المستدامة 7 و13 و15، يتجه الاقتصاد الأزرق بعمق نحو «الحياة تحت الماء»، مستهدفًا حماية الشعاب المرجانية وغابات المانجروف وتطوير الاقتصاد الساحلي، وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن يضاعف «الاستثمار الأزرق» حجم الاقتصاد البحري العالمي ليصل إلى 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030.
الاستفادة من البحار والمحيطات
ويشير الدكتور طارق محمد الجزيري، أستاذ علوم البحار الفيزيائية بشعبة البيئة البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، إلى أن مصطلح «الاقتصاد الأزرق» تم تقديمه لأول مرة عام 1994 على يد الاقتصادي البلجيكي جانتر بول، كمسار للاستفادة المستدامة من البحار والمحيطات باعتبارها مصدرًا للعديد من الثروات الاقتصادية، وفي عام 2015 تبنّت الأمم المتحدة هذا المصطلح كأحد الأدوات المهمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبخاصة الهدف 14 المعني بالحياة تحت الماء، وأوضح د. الجزيري أن مفهوم الاقتصاد الأزرق يرتكز في تطبيقه على ثلاث ركائز أساسية، هي:
- الاستدامة: من خلال تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية والحفاظ على البيئة؛ والتكامل، عبر الربط بين البيئة والاقتصاد والمجتمع.
- الابتكار: من خلال تطوير التكنولوجيات والوسائل المستخدمة في استغلال الموارد البحرية.
وتكمن أهمية تطبيق مخططات الاقتصاد الأزرق في كونه أداة تطوير أساسية لاقتصاد البلدان الساحلية، وتنمية الموارد البحرية الطبيعية مثل المصايد والنقل البحري، فضلًا عن دوره في مواجهة الآثار السلبية للتغيرات المناخية عبر توظيف الطاقة المتجددة من البحار كمصادر نظيفة لإنتاج الطاقة، بما يسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة المناخ على المدى البعيد.
ويرى أستاذ علوم البحار الفيزيائية أن الموقع الجغرافي الفريد لمصر، الممتد على ساحلي البحر المتوسط والبحر الأحمر، إضافة إلى قناة السويس والبحيرات الشمالية ونهر النيل ومصباته، يمنحها مقومات استثنائية تؤهلها لتكون لاعبًا محوريًا في مجال الاقتصاد الأزرق على المستويين الإقليمي والدولي.
تحديات وفرص
ورغم امتلاك مصر مقومات بحرية وساحلية متميزة، فإن الاقتصاد الأزرق يواجه تحديات جسيمة، أبرزها التغير المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر، الذي يهدد المناطق الساحلية المنخفضة، خاصة دلتا النيل، إلى جانب التلوث البحري، والتعديات الساحلية، والضغط المتزايد على الموارد السمكية. وتفرض هذه التحديات ضرورة تبني سياسات متكاملة للإدارة الساحلية، وتعزيز الرصد العلمي، وتحديث الأطر التشريعية.
وبالرغم من تلك التحديات، بدأ الاقتصاد الأزرق يتحول إلى واقع عملي، من خلال إطلاق خارطة طريق للاقتصاد الأزرق بالتعاون مع جهات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الأوروبي، وهي وثيقة استراتيجية ترسم مسارات التنفيذ بشكل عملي، كما تم الإعلان عن برامج دعم وتمويل للابتكار والمشروعات الزرقاء، من بينها تدشين برنامج Blue Economy Pre-Incubation لدعم رواد الأعمال في مجالات مثل الاستزراع السمكي والتكنولوجيا البحرية والطاقة البحرية المتجددة، بما يعكس استعداد الدولة والجهات الداعمة لتعزيز ريادة الأعمال في هذا المجال.
استثمارات مائية
وأكدت الدكتورة سوسن العوضي، خبيرة التغيرات المناخية، أن الاقتصاد الأزرق يقوم على التنمية الاقتصادية من خلال الموارد المائية، مثل تربية الأحياء المائية، والصيد المستدام، والسياحة الساحلية. وخلال مؤتمر COP24، وهو مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالاقتصاد الأزرق واستضافته مصر في ديسمبر 2025، تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأزرق، والتي جاءت في توقيت مهم، خاصة أن مصر تمتلك حجمًا كبيرًا من الاستثمارات القائمة على الموارد المائية.
وأضافت أن هذه الاستراتيجية تستهدف الحد من التعديات على السواحل المائية، مثل الموانئ والشواطئ، بما يحفظ التوازن بين حجم الاستثمار والحفاظ على البيئة المائية، إلى جانب تطوير أساليب الصيد البحري وتربية الأحياء المائية المستدامة، في ظل الطفرة التي تشهدها مصر في الخدمات اللوجستية.
الحفاظ على صحة كوكبنا
وأشارت خبيرة التغيرات المناخية إلى أن الاقتصاد الأخضر يعتمد على التنمية الزراعية المستدامة، وإعادة تدوير المخلفات، وتحسين السلوك الإنساني تجاه الطبيعة بما يضمن الحفاظ على التنوع البيولوجي، ويأتي الاقتصادان الأخضر والأزرق معًا كأداتين أساسيتين للحفاظ على صحة كوكبنا، حيث تلعب كل دولة دورها وفقًا لموقعها الجغرافي وحجم انبعاثاتها الكربونية، من خلال تخفيف آثار التغيرات المناخية بالتحول إلى الطاقة المتجددة، والتكيف عبر سلوكيات صديقة للبيئة، والاستخدام المستدام للموارد المتاحة، بما يحقق استدامة الاقتصاد المصري في مواجهة التحديات البيئية المتجددة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية