تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في خطوة سياسية فجّرت عاصفة من التساؤلات الإقليمية والدولية، أعلنت إسرائيل اعترافها بإقليم «صومالي لاند» كدولة مستقلة، في سابقة هي الأولى من نوعها لدولة عضو بالأمم المتحدة، رغم أن الكيان الانفصالي لا يحظى بأي اعتراف دولي رسمي حتى الآن.
ورغم أن القرار بدا مفاجئًا في ظاهره، فإن قراءته في سياق التفاعلات الأمنية والتاريخية تكشف أنه لم يكن وليد اللحظة، ولا مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل حلقة جديدة في صراع النفوذ المحتدم على البحر الأحمر وباب المندب، أحد أخطر الممرات الملاحية في العالم.
ورغم أن القرار بدا مفاجئًا في ظاهره، فإن قراءته في سياق التفاعلات الأمنية والتاريخية تكشف أنه لم يكن وليد اللحظة، ولا مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل حلقة جديدة في صراع النفوذ المحتدم على البحر الأحمر وباب المندب، أحد أخطر الممرات الملاحية في العالم.
الجرح الذي لم يلتئم
يفسّر اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، في تصريحات لـ «سبوت»، جانبًا مهمًا من خلفيات القرار الإسرائيلي، مؤكدًا أن إسرائيل لم تنسَ يوم السادس من أكتوبر 1973، حين نجحت القوات المصرية في اقتحام قناة السويس وتحطيم خط بارليف.
ويضيف اللواء فرج أن مصر أعلنت في الساعة الثانية والربع من ظهر ذلك اليوم إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، وهو ما شكّل ضربة استراتيجية قاسية أثّرت بشكل مباشر على واردات النفط القادمة من إيران إلى إسرائيل في ذلك الوقت.
وأشار إلى أن بُعد المسافة بين إسرائيل وباب المندب، والتي تتجاوز 2000 كيلومتر، حال دون أي تدخل عسكري إسرائيلي ضد القوات البحرية المصرية التي أغلقت المضيق آنذاك.
معاناة متجددة
ويؤكد الخبير الاستراتيجي أن إسرائيل عانت بشدة خلال حرب أكتوبر بسبب هذا التحدي البحري، مشيرًا إلى أن هذه العقدة الاستراتيجية عادت للظهور مجددًا خلال المواجهات الأخيرة بين حماس وإسرائيل، والتي استمرت قرابة عامين، ولعب خلالها الحوثيون في اليمن دورًا مؤثرًا في تهديد الملاحة الإسرائيلية في باب المندب.
القرن الإفريقي
ومن هنا، يرى اللواء سمير فرج أن إسرائيل باتت تعتبر التواجد في منطقة باب المندب والقرن الإفريقي ضرورة استراتيجية، معتبرًا أن الاعتراف بصومالي لاند يمثل فرصة ذهبية لتحقيق هذا الهدف.
السيناريو الإسرائيلي
ويشرح اللواء فرج أن السيناريو الإسرائيلي يبدأ بالاعتراف السياسي أولًا، ثم تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية للإقليم، تمهيدًا لطلب تواجد عسكري في ميناء بربرة، المطل على خليج عدن وباب المندب، بما يتيح لإسرائيل القدرة على التعامل المباشر مع الحوثيين في أي اشتباكات محتملة مستقبلًا، فضلًا عن تحقيق سيطرة غير مباشرة على المدخل الجنوبي لقناة السويس.
ملف التهجير
ويكشف اللواء سمير فرج عن بُعد شديد الخطورة لقرار الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند، يتمثل في طرح إسرائيل فكرة تهجير جزء من الفلسطينيين إلى الإقليم، مشيرًا إلى أن صومالي لاند يمكنها – نظريًا – استيعاب ما يقرب من مليون ونصف المليون فلسطيني من سكان قطاع غزة، ضمن سيناريوهات تسعى تل أبيب إلى تمريرها تحت غطاء أمني وسياسي.
اعتراف قوة أم ضعف؟
في قراءة أعمق للمشهد، يرى الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن اعتراف إسرائيل بصومالي لاند يعكس حالة ضعف أكثر مما يعكس قوة، موضحًا أن إسرائيل تعترف بكيان لا يحظى بأي اعتراف دولي، ما يضعها في موضع الدولة المخالفة لقواعد القانون الدولي.
ويضيف أستاذ العلوم السياسية أن هذا القرار يُفقد إسرائيل جزءًا معتبرًا من التعاطف الإفريقي، ويُضعف مكانتها الإقليمية، محذرًا من أن موافقة صومالي لاند على إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية سيجعل من الصعب على أي طرف منع هذا الوجود لاحقًا، وهو ما يستدعي تشكيل تحالفات إقليمية من دول القرن الإفريقي لتطويق هذا النفوذ.
وأشار د. أحمد إلى ما لمح به رئيس دولة الصومال من امتلاكه معلومات استخباراتية تفيد بموافقة صومالي لاند على استقبال لاجئين من غزة، واستعدادها للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
رؤية عربية غائبة
ويؤكد د. أحمد أن الحاجة باتت مُلحّة لوجود رؤية عربية مشتركة لمواجهة هذا الخطر الإسرائيلي، في ظل غيابها حتى الآن، رغم ما يشهده الإقليم من مخاطر متصاعدة، بدءًا من الإبادة الجماعية المستمرة في غزة منذ أكثر من عامين رغم وقف إطلاق النار، مرورًا بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان بالمخالفة لاتفاق نوفمبر 2024، وصولًا إلى العربدة الإسرائيلية في سوريا رغم التوجهات السلمية لحكامها الجدد، والتخلي الرسمي عن الجولان.
ويشير إلى أن هذا الغياب العربي يمتد أيضًا إلى الموقف من المقاومة الفلسطينية، التي يُفترض أنها تمثل عاملًا مهمًا في كبح جماح التوسع الإسرائيلي، لافتًا إلى أن هذا الفراغ يلقي بعبء خاص على مصر تتحمله بمسئولية تاريخية.
خطر التدخل الخارجي
ويضيف أستاذ العلوم السياسية أن خطر الانقسام الداخلي في عدد من الدول العربية لا يقل خطورة، إذ لا تقتصر تداعياته على هذه الدول وحدها، بل تمتد لتؤثر مباشرة على الأمن القومي العربي، باعتباره دعوة مفتوحة للتدخل الخارجي، كما حدث في اليمن، وسوريا، وليبيا، وأخيرًا الصومال، حيث سمح الانقسام لإسرائيل بالاعتراف بصومالي لاند، بما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن العربي.
مفاجأة غير صادمة
من جهتها، ترى نورا فرج، الباحثة في الشأن السياسي، أن اعتراف إسرائيل بصومالي لاند في هذا التوقيت، ورغم الضجة التي أحدثها، لم يكن مفاجأة صادمة، مشيرة إلى أن رئيس صومالي لاند كان قد زار إسرائيل في أكتوبر الماضي بدعوة رسمية من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتم الاتفاق حينها على إعلان الاعتراف بنهاية العام.
الانتخابات على الأبواب
وتوضح الباحثة السياسية أن توقيت القرار يرتبط بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، حيث يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي باعتباره الضامن الأول لأمن إسرائيل، عبر توسيع نطاق النفوذ العسكري خارج الحدود، خصوصًا في مناطق استراتيجية مثل القرن الإفريقي.
مضيفة أن نتنياهو يهدف كذلك إلى تشتيت انتباه الرأي العام العالمي بعيدًا عن تأجيل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق السلام الموقع في شرم الشيخ، بعد تسليم حماس 20 رهينة وبقية الجثامين، مع استمرار الجدل حول جثمان واحد لم يُسلَّم بعد.
تهديد مباشر
ويجمع الخبراء على أن أي تواجد عسكري إسرائيلي في صومالي لاند يُمثّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، نظرًا لحساسية موقع الإقليم القريب من باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ويزداد هذا القلق في ظل وجود خمس قواعد عسكرية بالفعل في جيبوتي، تابعة للولايات المتحدة والصين واليابان وإيطاليا وفرنسا، وهي قواعد يرى الخبراء أنها كافية لتأمين المنطقة دون إدخال لاعب جديد يفاقم التوتر.
تحرك متوقع
وتشير التقديرات، وفق ما ذكره اللواء الدكتور سمير فرج، إلى أن مصر ستقود – بالتنسيق مع دول المنطقة – تحركًا سياسيًا ودبلوماسيًا واسعًا يضم الصومال وجيبوتي والمملكة العربية السعودية وتركيا، إلى جانب الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، لوقف هذا التصرف الإسرائيلي الأحادي، تمهيدًا لعرض الملف على مجلس الأمن الدولي.
وفي هذا السياق، تستعد مصر لإرسال قوات عسكرية إلى الصومال بناءً على طلب الحكومة الصومالية، وبدعوة من مجلس التعاون الإفريقي، ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام، والتي تُقدّر بنحو 10 آلاف جندي، بينهم 5 آلاف جندي مصري.
قرار مجلس الأمن
وقد اعتمد مجلس الأمن الدولي قرار عمل هذه القوة اعتبارًا من 1 يناير 2026 ولمدة 12 شهرًا، لدعم استقرار الصومال ومكافحة حركة الشباب الإرهابية، خلفًا للبعثة الإفريقية السابقة التي تنتهي ولايتها بنهاية عام 2024.
تحول تاريخي ووضع استثنائي
ووفقًا لوكالة رويترز، أعلن إقليم صومالي لاند استقلاله عن الصومال عام 1991، لكنه لم يحصل على اعتراف رسمي كامل من أي دولة عضو بالأمم المتحدة طوال أكثر من ثلاثة عقود، رغم تمتعه بحكم ذاتي وإدارة مستقلة.
ومع الاعتراف الإسرائيلي في 26 ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة عضو بالأمم المتحدة تعترف رسميًا بصومالي لاند كدولة مستقلة ذات سيادة، وهو وضع استثنائي رغم رفض معظم المجتمع الدولي له، حيث لا تزال الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وغالبية الدول العربية والإفريقية تعتبر الإقليم جزءًا من الصومال وتدعم وحدة أراضيه.
خريطة نفوذ تتشكل
ويرجع انفصال صومالي لاند إلى عام 1991 عقب حرب أهلية وقمع عنيف من نظام سياد بري للشمال، الذي كان خاضعًا للاستعمار البريطاني سابقًا.
ورغم غياب الاعتراف الدولي، سبقت إثيوبيا إسرائيل في التعامل مع الإقليم ككيان مستقل بحكم الأمر الواقع، عبر توقيع مذكرة تفاهم في يناير 2024، حصلت بموجبها على منفذ بحري على البحر الأحمر، في خطوة قوبلت برفض حاد من الحكومة الفيدرالية في مقديشو.
وجاء الاعتراف الإسرائيلي لاحقًا ليكشف، بحسب مراقبين، عن تلاقٍ في المصالح الاستراتيجية بين أديس أبابا وتل أبيب داخل منطقة شديدة الحساسية تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن وباب المندب.
ويرى خبراء أن هذا المسار يفتح الباب أمام تحالف غير مباشر بين إثيوبيا وإسرائيل في القرن الإفريقي، يجمع بين الطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر والهواجس الإسرائيلية المرتبطة بباب المندب، ما يضاعف من حجم التهديدات المحتملة للأمن القومي المصري.
كما يؤكد محللون أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في الاعتراف بكيان غير معترف به دوليًا، بل في تراكم خطوات متتابعة تعيد رسم خريطة النفوذ في جنوب البحر الأحمر، بما قد ينعكس مباشرة على أمن قناة السويس، وحركة التجارة الدولية، وتوازنات القوة في الإقليم.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية