تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في تطور دراماتيكي يعيد رسم خارطة التجارة العالمية، ألغت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب، هذا الحكم لم يفتح الباب أمام مواجهة سياسية شرسة بين الجمهوريين والديمقراطيين فحسب، بل دفع الرئيس للجوء إلى "مخارج قانونية طارئة" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إيرادات الموازنة، ومع صدمة الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الذهب لمستويات تاريخية، تبرز تساؤلات حتمية؛ كيف سيؤثر هذا التراجع على الصراع مع الصين؟ وما هي "الفرصة الذهبية" التي قد تجنيها دول المنطقة، وعلى رأسها مصر، من هذا الارتباك في القمة الأمريكية؟
صراع السلطات
يوضح الدكتور أشرف البيومي، الخبير الاقتصادي، أن السياسة التجارية للولايات المتحدة شهدت تحولًا جوهريًا خلال إدارة الرئيس ترامب في ولايته الأولى (2017-2021)، حيث فرض رسومًا جمركية كبيرة، تحديدًا في مارس 2018 بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على واردات الألومنيوم، بدعوى حماية الأمن القومي استنادًا إلى المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962.
وفي يوليو 2018، بدأت أول دفعة من الرسوم على السلع الصينية بقيمة 34 مليار دولار، ثم توسعت في سبتمبر لتشمل سلعًا صينية إضافية بقيمة 200 مليار دولار، وفي 2019، تم رفعها إلى 25%، وهنا فعليًا بدأت الحرب التجارية الأمريكية-الصينية.
وفي عهد الرئيس بايدن (2021 –2025)، لم تُلغَ هذه الرسوم بالكامل، بل أبقت إدارته على جزء كبير منها، واستمر التصعيد خلال الولاية الحالية لترامب، وهو ما يعكس تحولها من سياسة ظرفية إلى توجه استراتيجي ممتد في السياسة التجارية الأمريكية، ويؤكد ذلك أن الجدل القانوني الأخير كان حول مدى سلطة الرئيس في فرض رسوم واسعة دون موافقة صريحة من الكونجرس.
حرب سياسية وتأخر حكم العليا
يضيف الخبير الاقتصادي أن ما فرضه ترامب من رسوم جمركية كان يهدف إلى تحسين موقف العجز في موازنة الدولة الأمريكية، وتغطية خدمات الدين التي ارتفعت بشكل كبير، وكان يأمل أن يغطي جزءًا من هذه الإيرادات.
وأوضح أن تأخر المحكمة العليا الأمريكية في إلغاء القرار التنفيذي للرئيس بفرض الرسوم الجمركية على كافة المنتجات والسلع التي تدخل الأسواق الأمريكية يعود إلى موائمات سياسية، أو ما يُطلق عليه "حرب سياسية" بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، خاصة أن الأخير يبحث عن كافة الحجج القانونية التي تثبت بطلان قرارات الرئيس دون الرجوع إلى السلطة التشريعية.
خطة الإنقاذ و150 يومًا
أما رد الفعل السريع من ترامب عقب صدور قرار المحكمة العليا بفرض رسوم تتراوح بين 10-15%، فيفسره أستاذ الاقتصاد الدولي بأنه محاولة لإنقاذ ما تم إصداره من قبل، ولو بقدر الإمكان، لخفض العجز بالموازنة.
ويشير إلى أن القوانين، مثل المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، تمنح الرئيس سلطة مؤقتة جدًا لمدة أقصاها 150 يومًا، دون الحاجة لموافقة فورية من الكونجرس، كنظام "إجراء طارئ مؤقت" لفرض رسوم أو قيود استيراد في حالة وجود عجز خطير في ميزان المدفوعات أو تهديد لاستقرار الدولار، ولا تتجاوز 15%، وبعد ذلك يجب إلغاء الرسوم أو طلب موافقة الكونجرس لتمديدها.
ويضيف د. البيومي أن ترامب بدأ أولًا بنسبة 10% كمحاولة لإنقاذ جزء من الإيرادات التي بلغت حوالي 150 مليار دولار، لحين وجود ثغرات أخرى يمكن الاستفادة منها لإبطال حكم العليا.
تسويف وقضايا
كما يؤكد د. البيومي أن القرارين يحملان آثارًا سلبية وإيجابية؛ فإيقاف التعريفة سيؤثر سلبًا على الموقف التفاوضي للحكومة الأمريكية مع الدول المنافسة مثل الصين والاتحاد الأوروبي واليابان، فقد كانت هذه الرسوم تقوي موقف ترامب للنفاذ إلى أسواق هذه الدول بشكل عادل، ويحقق التوازن في الميزان التجاري.
وفي سياق متصل، يرى الدكتور مصطفى بدره، الخبير الاقتصادي، أن الشركات ستقاضي الحكومة الأمريكية لاسترداد ما تم دفعه بالفعل، وتُقدَّر حتى الآن بما بين 130 - 150 مليار دولار.
ويشير د. بدره إلى أن ترامب أعلن أنه حصل عام 2025 على حوالي 600 مليار دولار من التعريفة الجمركية التي ألغتها المحكمة، بينما أكدت هيئة الجمارك الأمريكية أن ما تم تحصيله هو 285 مليار دولار فقط، شاملة الرسوم العادية. لذا قررت الحكومة تعويض الدول بـ 150 مليار دولار، مع ظهور مطالبات من المواطنين الأمريكيين بالتعويض أيضًا.
هروب الاستثمارات
يشير د. البيومي إلى أن فرض ترامب لهذه الرسوم كان محاولة لاسترجاع الشركات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا الأمريكية المهاجرة للأسواق الخارجية، بهدف إنعاش الصناعة ورفع معدلات الإنتاج التي فقدتها الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية.
ويستغرب د. بدره من القيمة الزهيدة 150 مليار دولار مقارنة بديون أمريكية تصل إلى 38 تريليون دولار، خاصة أن ترامب لا يقدم تسهيلات تشجع الشركات على العودة مجددًا إلى أمريكا.
ويضيف أن التدهور خلال السنوات العشر الماضية شمل ولاية ترامب الأولى، بسبب صراعه مع الصين حول حجم الواردات من المنتجات الصينية للسوق الأمريكية، بالإضافة إلى انتهاء ولايته الأولى دون تحقيق أهدافه في رفع معدل النمو الأمريكي، وتأثره بأزمة "كورونا" التي تسببت في ركود اقتصادي عالمي.
رسوم انتقامية وصدمة ترامب
لا يرى د. البيومي وجود رد فعل انتقامي من الصين أو الاتحاد الأوروبي، بل يعتقد أن المناخ جيد لإعادة التفاوض دون تشدد من الحكومة الأمريكية، مما قد يخفف حدة التوترات التي أحدثتها الرسوم الجمركية المسماة بـ "صدمة ترامب"، خاصة مع الإجراءات الجيوسياسية المصاحبة، مثل تفكيره في الحصول على جرينلاند الغنية بالمعادن النادرة.
طفرة في أسعار الذهب
يقول د. البيومي إن حكم المحكمة العليا أثر بلا شك على ارتفاع أسعار الذهب بنسبة 75%، متجاوزة 5000 دولار للأونصة، تلاها اهتزاز في حركة الدولار كعملة أساسية، ودخول منصات أخرى لتبادل العملات المحلية، ما قد يسبب هزات أخرى في الأسواق والعقود الآجلة، خاصة المعادن والذهب مقابل الدولار.
عجز الدين وطرح السندات
طرح الخزانة الأمريكية للسندات الحكومية لتغطية العجز في الدين يؤثر على أسعارها في الأسواق العالمية، لعدم وجود موارد كافية لتغطية الإنفاق الهائل على الدفاع وحماية السيطرة الأمريكية على الأسواق العالمية.
ارتياح ولكن
على مستوى المواطن الأمريكي، هناك ارتياح لحكم المحكمة لأنه سيخفض تكلفة السلع المستوردة، ويعود سعرها لتوازن يمكن أن يغطيه الدخل النقدي، لكن على الجانب الآخر، يؤثر الحكم على درجة الإنفاق الحكومي على الخدمات والبنية التحتية، ويدفع لتقليص دعم الطاقة المتجددة والمزارعين وصناعات الذكاء الاصطناعي والبترول، وهو ما يفسر لجوء الحكومة الأمريكية سابقًا إلى تعاقدات مع فنزويلا للحصول على النفط.
توقع مسبق وخطط بديلة
يوضح د. البيومي أن الحكومة الأمريكية كانت تتوقع صدور مثل هذا الحكم، واستعدت له بخطط بديلة للحفاظ على نسبة الإيرادات أو تخفيض تكلفة مدخلات الإنتاج والطاقة.
على مستوى الدول المنتجة والمصدرة للبترول، ستجني أرباحًا عالية نظرًا لحاجة السوق الأمريكي لمجاراة معدلات النمو المتزايدة من الصين.
أما الدول ذات الاحتياطي النفطي، فقد تتعرض لضغوط من ترامب لزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما يفسر الأزمات الجيوسياسية مع إيران ورفض إسرائيل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاقية السلام في غزة.
وتسعى دول مثل مصر وتركيا وباكستان واليونان وقبرص إلى جذب الاستثمارات الخارجية عبر حوافز جديدة للشركات التكنولوجية الحديثة، مثل الشركات الصينية والكورية، والنمور الآسيوية مثل فيتنام وماليزيا وتايلاند.
كما تتسارع السعودية ومصر والإمارات في إنشاء مناطق اقتصادية بمميزات خاصة، وتأثرت كل الدول بالقرارين بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما دفع ترامب للتفاوض مع كل دولة على حدة.
ويشير الخبيران البيومي وبدره إلى أن هذه التوترات تمثل فرصة ذهبية لمصر، بفضل ضعف قيمة الجنيه ووفرة العمالة وحزمة الحوافز المشجعة، ما ساعد على استقطاب الشركات العالمية وتوطين الصناعات، مثل صناعة النقل في العين السخنة، وصناعة الغزل والنسيج بالتعاون مع الصين في مناطق الروبيكي والمحلة والسادات، والصناعات التكنولوجية بالتعاون مع كوريا الجنوبية في بني سويف، حيث بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر من 2024 حتى الآن حوالي 150 مليار دولار، مع تحويلات المصريين بالخارج التي وصلت إلى حوالي 40 مليار دولار، وتحقيق معدل نمو اقتصادي يقارب 5.3%.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية