تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > سبوت : إدمان بلا مخدرات.. الدوبامين الرقمي يسرق العقول
source icon

سبوت

.

إدمان بلا مخدرات.. الدوبامين الرقمي يسرق العقول 

كتب:مروة علاء الدين 

شاب يقضي ساعات وهو ينتقل بين إشعارات هاتفه، يبحث عن إعجاب أو تعليق ليُشعر بلحظة فرح سريعة تتبدد، ليعاود البحث من جديد، هذه اللحظة ليست بريئة؛ إنها جرعة من "الدوبامين الرقمي"، إدمان عصبي خفي تُحذّر منه الأبحاث الحديثة.

تؤكد دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن الاستخدام المستمر للمنصات الرقمية يخلق اعتماداً سلوكياً يشبه الإدمان، مُعيداً تشكيل كيمياء الدماغ، مما يؤثر سلبًا على حياتنا الاجتماعية ونمط تفكيرنا وصحتنا النفسية.

مفهوم مركب
يقول الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن الرقمنة فرضت موضوعات جديدة على العلوم المختلفة، وجعلت الإنسان يعيش في بيئة محفزة باستمرار ويشير إلى أن "الدوبامين الرقمي" هو استجابة عصبية تحدث داخل الدماغ مع كل إعجاب أو تعليق أو مشاركة على مواقع التواصل، أو مع الفوز في الألعاب الإلكترونية، أو المقامرات الرقمية لدى بعض المستخدمين، هذه الاستجابة تمنح شعورًا سريعًا بالمتعة والنشوة، لكنها مع الوقت تدفع الدماغ للمطالبة بجرعات أكبر من التحفيز.

ويضيف د. رشاد أن المصطلح لم يعد مجرد توصيف نفسي، بل أصبح حالة بيولوجية واجتماعية متكاملة، تهتم بدراستها علوم الأعصاب والبيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد، نظرًا لتأثيره على السلوك والاستهلاك وأنماط الحياة.

ويشير إلى أن دورة الدوبامين جزء رئيسي من "نظام المكافأة" في الدماغ، وهو النظام الذي تعتمد عليه معظم أنواع الإدمان، سواء كانت مرتبطة بالمواد أو السلوكيات.

دورة المكافأة
يوضح د. وليد أن الاستخدام الرقمي المكثف يخلق دورة ذاتية التعزيز حيث يحصل المستخدم على مكافأة رقمية "تعليق، إشعار أو إعجاب "، فيُفرز الدوبامين ويشعر بلذة مؤقتة، ثم يطالب الدماغ بجرعة أكبر لتكرار الشعور، وتكون له أعراض انسحاب تتمثل في القلق والانزعاج عند التوقف.

عوامل عصبية
ويكشف د. وليد أن الدوبامين الرقمي يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية داخل الدماغ:
- تنشيط مسارات الناقلات العصبية بشكل مكثف وغير طبيعي.
- تعزيز نظام المكافأة بما يزيد السلوكيات الإدمانية.
- ظهور مفاهيم التحمل والانسحاب عند غياب التحفيز الرقمي.

ويشير إلى أن خوارزميات المنصات الرقمية تستغل هذه الآليات؛ إذ تقدّم محتوى مصممًا خصيصًا لكل مستخدم، بما يبقيه أطول فترة ممكنة على التطبيق، ويصعّب الانفصال عنه، ويختصر مفهوم الدوبامين الرقمي بأنه: "شعور زائد بالمتعة عند استخدام التطبيقات الرقمية، يتبعه انزعاج وقلق عند التوقف عنها".

استخدامات خطرة
يوضح د. رشاد أن تصميم المنصات الرقمية يعتمد على نظام المكافآت المتغيرة، وهو النظام ذاته المستخدم في المقامرات، حيث يحصل المستخدم على "مكافآت غير متوقعة" مثل إشعارات أو إعجابات عشوائية، مما يضاعف الرغبة والتفاعل.

ويشير إلى دور الإشعارات الفورية في تعزيز هذا الإدمان، كونها تقدم جرعة لحظية من المكافأة، كما يسهم السعي وراء القبول الاجتماعي والهرب من ضغوط الواقع في زيادة إفراز الدوبامين وفي تقوية الاعتماد على العالم الرقمي.

فئات معرضة
يلفت د. وليد النظر إلى أن المراهقين والشباب هم الأكثر تأثرًا بالدوبامين الرقمي؛ بسبب عوامل جينية مرتبطة بمستقبلات الدوبامين أو الإنزيمات المسؤولة عن تحلّله في الدماغ، مما يجعلهم أكثر عرضة للإدمان السلوكي من كبار السن.

تأثيرات خطيرة
لا يتوقف الضرر عند الإحساس بالحاجة للتصفح، بل يمتد إلى:

- عزلة رقمية: يحذر د. وليد من أن كثرة التحفيز الرقمي تؤدي إلى انخفاض المتعة من المكافآت الطبيعية – كالإنجاز الواقعي أو العلاقات المباشرة، وهو مؤشر أساسي للإدمان، يدفع الفرد إلى الابتعاد عن العالم الحقيقي والدخول في عزلة رقمية متزايدة.

- خلل إدراكي: فالدوبامين الرقمي يؤثر سلبًا على الانتباه، الذاكرة العاملة، تنظيم العواطف، وجميعها عناصر أساسية في عملية اتخاذ القرار.

- تراجع ضبط: تؤكد الدراسة أن الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية يسبّب اضطرابات في إدارة الوقت، التنظيم الشخصي، ومراقبة الذات، ما يجعل التوقف عن الاستخدام مهمة شبه مستحيلة للبعض.

- سلوك اندفاعي: يشير إلى أن مدمني الألعاب الإلكترونية يميلون إلى اتخاذ قرارات عالية المخاطرة بسبب تراجع كبح الاندفاع وضعف التوازن في معالجة المكافآت.

- قلق دائم: تكشف الدراسة عن علاقة وثيقة بين الدوبامين الرقمي واضطراب "الخوف من فوات الشيء" (FOMO) الذي يؤثر على نمط النوم، إيقاع الحياة، والقدرة على إنجاز المهام اليومية.

تشابه عصبي
يعلّق الدكتور كريم سامي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، على نتائج الدراسة قائلًا إن التغيرات التي يسببها «الدوبامين الرقمي» في الدماغ تشبه، على مستوى المسارات العصبية، التغيرات المصاحبة لإدمان المواد المخدرة، إلا أن خطورتها تكمن في كونها تحدث في سن أصغر، ومع أدوات رقمية متاحة في أيدي الجميع، ويوضح أن هذا النمط من التحفيز المستمر قد يؤدي إلى إعادة تشكيل دوائر المكافأة في الدماغ، بما يدفع السلوك الطبيعي نحو مسار إدماني يصعب التحكم فيه بمرور الوقت.

وقاية مبكرة
ويؤكد د. كريم أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تبنّي برامج تدخل وقائية داخل المدارس والجامعات، إلى جانب نشر ثقافة أسرية تقوم على متابعة الاستخدام الرقمي بشكل واعٍ دون قمع أو تشدد، مشددًا على أن التدخل المبكر يظل العامل الأهم في منع تحوّل هذا السلوك إلى اضطراب مزمن. ويضيف أن الأبحاث الحديثة تؤكد أن تقليل الإشعارات، والحد من التعرض للشاشات قبل النوم، وزيادة التفاعل الواقعي، تمثل أدوات فعالة في كسر دورة الدوبامين وإعادة التوازن إلى كيمياء الدماغ، وينصح د. كريم بالبدء بعدد من الخطوات العملية، من بينها:

- خفض الإشعارات: إيقاف الإشعارات غير الضرورية لتقليل جرعات المكافأة العشوائية.
- حدود رقمية: تخصيص أوقات محددة للاستخدام والالتزام بها، وإبعاد الهواتف قبل النوم بساعة.
- الصمت الرقمي: تخصيص فترات يومية "بلا شاشات" لتعزيز التفاعل الواقعي.
- استبدال الهوايات: تعويض الوقت الرقمي بهوايات وأنشطة واقعية تدعم الصحة النفسية.
- التربية الواعية: متابعة الأبناء باستيعاب ودون قمع، مع تطبيق بروق توعية في المدارس.

وختامًا، لم يعد «الدوبامين الرقمي» مجرد مصطلح نظري متداول في الأوساط الأكاديمية، بل أصبح ظاهرة واقعية عابرة للتخصصات،  وفي ظل تصاعد تأثيرها على الأفراد والمجتمعات، تصبح الأبحاث والتوعية والاستراتيجيات الوقائية ليست خياراً، بل ضرورة للحفاظ على التوازن النفسي والسلوكي في العصر الرقمي.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية