تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تمكين المرأة وتعزيز استقلالها النفسي والمادي، لا تزال بعض النساء عالقات في نمط داخلي غير مرئي يدفعهن للاعتماد على الآخرين، خاصة الرجال؛ بحثًا عن الأمان، هذا النمط النفسي يُعرف بـ «عقدة سندريلا»، وهو مصطلح صاغته المعالجة النفسية الأمريكية كوليت داولينج عام 1981 لوصف خوف المرأة اللاواعي من الاستقلال، وانتظارها الدائم لشخص يتولى عنها المسؤولية ويمنحها الشعور بالحماية.
ورغم تطور المجتمعات، لا تزال هذه العقدة تؤثر على العلاقات والعمل والصحة النفسية، في صورة قيود نفسية خفية قد لا تدركها المرأة إلا بعد معاناة طويلة.
ورغم تطور المجتمعات، لا تزال هذه العقدة تؤثر على العلاقات والعمل والصحة النفسية، في صورة قيود نفسية خفية قد لا تدركها المرأة إلا بعد معاناة طويلة.
المفهوم النفسي
توضح الدكتورة زينب مهدي، الاستشاري النفسي، أن «عقدة سندريلا» تصف نمطا سلوكيًا تنغمس فيه بعض النساء في الاعتماد المفرط على الآخرين، بحثا عن الشعور بالأمان العاطفي والاجتماعي، وتضيف أن صاحبة هذه العقدة تميل إلى انتظار شخص يتولى عنها المسئولية، سواء في القرارات أو مواجهة الأزمات وهو " المنقذ الوهمى".
الجذور النفسية
لا تنشأ عقدة سندريلا من فراغ، بل تتشكل من عوامل متداخلة تبدأ منذ الطفولة وتستمر عبر مراحل الحياة المختلفة، ومن أبرزها:
- التنشئة الاجتماعية: في مجتمعات تُرسخ فكرة أن الرجل هو الحامي والمُعيل، تُربى بعض الفتيات على الاتكال العاطفي والمادي، ما يزرع بداخلهن تصورًا بأن الاستقلال مخاطرة أو عبء نفسي.
- القصص والإعلام: من «سندريلا» إلى «الأميرة النائمة»، أسهمت الحكايات الرومانسية والأعمال الدرامية في ترسيخ صورة المرأة التي تنتظر من ينقذها، مقابل تغييب نماذج المرأة القوية القادرة على اتخاذ القرار.
- التجارب الشخصية: الصدمات العاطفية، أو فقدان الدعم في الطفولة، أو التعرض للتقليل المستمر من القدرات، قد تعزز الشعور بالعجز وتُكرس الحاجة إلى مصدر أمان خارجي.
أبرز الأعراض
تظهر عقدة سندريلا في صورة مجموعة من السلوكيات المتكررة، من بينها:
- الاعتماد المفرط على الآخرين في اتخاذ القرارات.
- الخوف من الاستقلال وتحمل المسئولية.
- البحث المستمر عن شخص «ينقذها» من المشكلات.
- التقليل من القدرات الذاتية وتجاهل الإنجازات الشخصية.
وتشير د. زينب إلى أن هذه الأعراض لا تعني بالضرورة ضعف الشخصية، لكنها تعكس احتياجًا نفسيًا لم يتم إشباعه بصورة صحية.
التأثير اليومي
وعن تأثير «عقدة سندريلا» على مسارات الحياة المختلفة، يوضح الدكتور علي النبوي، الطبيب النفسي، أن انعكاساتها تمتد إلى أكثر من جانب:
- في العلاقات: تُنتج علاقات غير متوازنة، تُلقى فيها المسئولية العاطفية كاملة على الطرف الآخر، ما يؤدي مع الوقت إلى الشعور بالضغط أو السيطرة أو الخذلان.
- في العمل: تخشى المرأة المصابة بهذه العقدة تولي الأدوار القيادية أو اتخاذ قرارات حاسمة، وهو ما يعرقل تطورها المهني ويضعف ثقتها بذاتها.
- في الصحة النفسية: الاعتماد الزائد على الآخرين يجعل الشعور بالأمان مرهونا بعوامل خارجية، ما يزيد من احتمالات القلق والاكتئاب وعدم الاستقرار النفسي.
طرق التعامل
وبما أن لـ «عقدة سندريلا» تأثيرات واضحة على حياة المرأة، فمن الضروري التعرف على الطرق الفعالة لمواجهتها والتغلب عليها، يؤكد د. النبوي أن التعامل مع عقدة سندريلا ممكن وفعّال، شريطة الوعي والاستمرار، وذلك من خلال:
- الوعي الذاتي: إدراك وجود المشكلة هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها.
- الاستقلال التدريجي: خوض تجارب بسيطة واتخاذ قرارات يومية صغيرة بشكل مستقل يعزز الثقة بالنفس تدريجيًا.
- العلاج النفسي: يُعد العلاج السلوكي المعرفي (CBT) من أكثر الأساليب فعالية في تفكيك الخوف من الاستقلال وإعادة بناء الصورة الذاتية.
- الدعم الأسري: البيئة المشجعة تساعد المرأة على التعبير عن نفسها وتحمل مسئولياتها دون خوف أو تبعية.
ليست أزمة نساء فقط
لا يقتصر تأثير هذا الخلل على المرأة وحدها، بل يُخلف عبئا نفسيًا على شريك الحياة أيضا، يوضح د. علي، أن «عقدة سندريلا» لا تُلقي بظلالها على النساء وحدهن، بل تمتد آثارها النفسية إلى الرجال داخل العلاقة، حيث يجد الرجل نفسه تحت ضغط دائم لأداء دور «المنقذ» والمسئول الأول عن الاستقرار العاطفي والنفسي للطرف الآخر، ويشير إلى أن هذا الدور المستمر يخلق حالة من الإرهاق النفسي، إذ يشعر الرجل بأن أي تقصير بسيط قد يُفسَّر كخذلان أو فشل، ما يدفعه إلى تحمل أعباء تفوق طاقته.
ويتابع د. النبوي أن هذا النمط من العلاقات يُنتج خللا في التوازن العاطفي، حيث تتحول العلاقة من شراكة متكافئة إلى علاقة تعتمد على طرف واحد في اتخاذ القرار والدعم، وهو ما يُفقد الرجل بدوره الشعور بالراحة والأمان، ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الضغط المتراكم إلى انسحاب عاطفي، أو غضب مكتوم، أو حتى انهيار العلاقة، مؤكدا أن العلاقات الصحية لا تقوم على الإنقاذ، بل على التكامل والمسؤولية المشتركة بين الطرفين.
هل تصيب الرجال أيضا؟
رغم ارتباط المصطلح بالنساء، إلا أن هذه العقدة النفسية قد تؤثر على الرجال أيضًا، كما يشرح لنا الدكتور محمد علي استشاري الصحة النفسية، "جوهر ما يُسمى بـ «عقدة سندريلا» ليس حكرًا على جنس بعينه، التسمية ارتبطت بالمرأة لأنها صيغت في سياق اجتماعي محدد، لكن الآلية النفسية نفسها يمكن أن تُصيب الرجال أيضا".
فعلى سبيل المثال، قد يظهر النمط نفسه عند الرجل في شكل الاعتماد الكامل على شريكته في إدارة الحياة اليومية والعاطفية، أو البقاء في حالة تبعية لوالديه، أو انتظار منقذ خارجي يغير مسار حياته المهنية بدلا من المبادرة الذاتية
ويضيف د. علي: " المشكلة الحقيقية ليست في الجنس، بل في نمط التفكير الاعتمادي الذي يجعل سعادتك واستقرارك مرهونين بشخص آخر. الخبر السار هو أن هذا النمط قابل للتغيير بالوعي والخطوات العملية الصغيرة نحو الاستقلالية
حقيقة الاعتماد
تقول دكتورة رضا علي، استشاري الصحة النفسية وأخصائية علم النفس الإيجابي والعلاج المعرفي السلوكي، إن «عقدة سندريلا» هي حالة نفسية تجعل المرأة تنتظر قدوم "المنقذ" الذي سيصلح حياتها، يمنحها الحب، يخفف عنها الألم، ويأخذ مكانها في مواجهة المشاكل، تبقى معلقة على أمل هذا الشخص المثالي، لكنها بذلك تعيش في حالة من الاعتماد العاطفي المفرط.
تؤكد د. رضا أن الخطوة الأولى للعلاج هي أن تعي المرأة أنها ليست بحاجة لمنقذ، بل تحتاج لأن تختار نفسها أولًا، عليها أن تبني استقلاليتها خطوة بخطوة، تعزز ثقتها وحدودها، وتستعيد قوتها الذاتية. وعندما تُبنى الشخصية بهذا الشكل، يصبح الشخص القادم بعدها اختيارًا نابعًا من القوة، لا احتياجًا نابعًا من الضعف.
تلخص د. رضا الأمر بقولها: "متلازمة سندريلا تختفي عندما تستيقظ المرأة وتدرك أنها بطلة قصتها، وليست ضحية تنتظر من ينقذها."
حماية البنات
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة سارة ممدوح، استشاري العلاقات الأسرية والتربوية، أن الوقاية من عقدة سندريلا تبدأ منذ الطفولة، وتوضح أن الفتاة التي تُمنح مساحة للاختيار واتخاذ القرار تنمو وهي واثقة في قدراتها، ولا تنتظر من يمنحها الأمان.
وتضيف مجموعة من الإرشادات التربوية، أبرزها:
- تشجيع الفتاة على اختيار ملابسها وتنظيم وقتها بنفسها.
- تعليمها التفكير النقدي وحل المشكلات دون اعتماد كامل على الآخرين.
- الثناء على الإنجازات الذاتية بدل الاكتفاء بالمدح الخارجي.
- تقديم نموذج عملي للاستقلال والمسئولية داخل الأسرة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية