تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
طُرحت عدة مقترحات للتعامل مع أزمة الدين العام، من بينها مقترح «تصفير الدين» أو ما أُطلق عليه «المقايضة الكبرى»، وهو مقترح قديم أُعيد طرحه مجددًا على الساحة الاقتصادية، وجرى الترويج له باعتباره فكرة «خارج الصندوق»، لكنه قوبل في الوقت نفسه باعتراضات واسعة.
ورغم وجود أزمة حقيقية ناجمة عن تفاقم الدين العام، تستوجب البحث عن حلول غير تقليدية، يبقى التساؤل مطروحًا حول طبيعة هذه الحلول، ومدى جدواها، وهل يمكن لمقترحات مثل تصفير الدين أو المقايضة الكبرى أن تُحدث فارقًا حقيقيًا، أم أنها أفكار يصعب تطبيقها على أرض الواقع.
المقايضة الكبرى هو مقترح اقتصادي أطلقه أحد رجال الأعمال، وأُعيد تداوله مؤخرًا في الأوساط الاقتصادية، ويقوم على فكرة تصفير الديون العامة – بحسب وصف صاحبه – من خلال مقايضة الدين العام بأصول مملوكة للدولة، بحيث يُنقل عبء الأزمة المالية من الموازنة العامة إلى البنك المركزي، ليصبح هو الجهة المسئولة عن ضمان سداد الدين وكافة مستحقات الدائنين مستقبلًا.
ورغم وجود أزمة حقيقية ناجمة عن تفاقم الدين العام، تستوجب البحث عن حلول غير تقليدية، يبقى التساؤل مطروحًا حول طبيعة هذه الحلول، ومدى جدواها، وهل يمكن لمقترحات مثل تصفير الدين أو المقايضة الكبرى أن تُحدث فارقًا حقيقيًا، أم أنها أفكار يصعب تطبيقها على أرض الواقع.
المقايضة الكبرى هو مقترح اقتصادي أطلقه أحد رجال الأعمال، وأُعيد تداوله مؤخرًا في الأوساط الاقتصادية، ويقوم على فكرة تصفير الديون العامة – بحسب وصف صاحبه – من خلال مقايضة الدين العام بأصول مملوكة للدولة، بحيث يُنقل عبء الأزمة المالية من الموازنة العامة إلى البنك المركزي، ليصبح هو الجهة المسئولة عن ضمان سداد الدين وكافة مستحقات الدائنين مستقبلًا.
الإصلاح الاقتصادي
يقول الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، إن مصر دولة لديها قروض تتعامل معها وفق سياسات اقتصادية تستهدف خفض نسبة الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما نجحت في تطبيقه منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي في 16 نوفمبر 2016.
وأضاف أن معدلات الدين عادت إلى الارتفاع نتيجة تعرض الدولة لظروف استثنائية خلال السنوات العشر الماضية، من بينها تداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والصراعات الجيوسياسية العالمية، مؤكدًا أن مصر تعمل حاليًا على إعادة الدين إلى مسار تنازلي من خلال خفضه كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، باستخدام الآليات الاقتصادية التقليدية.
آليات تقليدية
وأشار د. جاب الله إلى أن هذه الآليات تشمل التركيز على التمويل التنموي، ووضع سقف للاستثمارات الحكومية، فضلًا عن الدور الذي تقوم به إدارات الدين في كل من وزارة المالية والبنك المركزي، في إطار مشاركة حكومية كاملة تستهدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي.
حل غير حقيقي
وعن المقترح المعروف بـ «المقايضة الكبرى» أو تصفير الدين العام، يقول د. جاب الله إن المقترح يتضمن بعض العناصر القابلة للتطبيق، إلا أن فكرته العامة، القائمة على نقل أصول معينة إلى البنك المركزي، تمثل – في تقديره – حلًا غير حقيقي.
أمريكا أكبر الدول مدينة
ويرفض الخبير الاقتصادي هذا المقترح، موضحًا أن نقل الأصول من جهة حكومية إلى جهة أخرى داخل الدولة لا يُعد نقلًا حقيقيًا للأصول، مؤكدًا أن «المقايضة الكبرى» مقترح غير قابل للتطبيق بشكل كامل.
وأضاف أنه لو كان هذا الطرح عمليًا، لجرى تطبيقه في دول أخرى، فمصر ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من الديون، إذ تُعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة مدينة في العالم، بإجمالي ديون يتجاوز 36 تريليون دولار، إلى جانب دول أخرى مثل إيطاليا واليابان وإسبانيا.
وأوضح أن علم الاقتصاد واحد على مستوى العالم، وأن سياسات التعامل مع ديون الدول تخضع لقواعد وآليات متعارف عليها دوليًا، مشيرًا إلى أن أي مقترح «خارج الصندوق» يجب أن يُطرح في إطار بحث علمي يخضع للتحكيم والتقييم، أو يُقدم للدول المدينة الكبرى لمعرفة مدى قابليته للتطبيق.
الحل ليس في تصفير الديون
ويرى د. جاب الله أن إعادة الترويج لمقترح تصفير الديون باعتباره مخرجًا من الأزمة لا يتجاوز كونه أفكارًا لا تُفضي إلى نتائج حقيقية، مؤكدًا أن الديون في حد ذاتها ليست مشكلة، بل تُعد أداة من أدوات التمويل تستخدمها جميع دول العالم لدعم التنمية، شريطة استخدامها بالقدر والأسلوب المناسبين وفق المعايير الاقتصادية العالمية.
معاناة عالمية
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن ارتفاع نسبة الديون في مصر يُعد جزءًا من أزمة عالمية تعاني منها مختلف الدول، مشيرًا إلى أنه حتى في حال وصول الديون إلى مستويات حرجة، فإنها تظل تحديًا اقتصاديًا يتم التعامل معه عبر الأدوات التقليدية المتعارف عليها.
من جانبه، يقول الدكتور مصطفى أحمد حامد رضوان، أستاذ اقتصاديات التنمية، إن المقصود بتصفير الدين المحلي لا يعني السداد الفوري للدين، وهو أمر غير واقعي اقتصاديًا، وإنما الأدق هو الحديث عن إعادة تصميم هيكل الدين المحلي بما يسمح بتقليصه تدريجيًا أو تحييده كعبء ضاغط على الموازنة العامة، من خلال أدوات مثل إعادة الجدولة طويلة الأجل، أو تحويل الدين إلى استثمارات إنتاجية، أو مقايضته بأصول وحقوق انتفاع.
أزمة مركبة
ويرى أستاذ الاقتصاد والمالية العامة أنه لا يمكن النظر إلى تصفير الدين المحلي كحل منفرد، إذ إن أزمة الديون في مصر مركبة، وتشمل الدين المحلي والخارجي، وعجز الموازنة، وارتفاع تكلفة خدمة الدين، مؤكدًا أن تصفير الدين المحلي قد يكون أداة ضمن حزمة أوسع، لكنه لا يغني عن إصلاح مالي وهيكلي حقيقي.
إعادة هيكلة الديون
وأضاف أن الوصول إلى مستويات منخفضة من الدين العام يتطلب بالضرورة إعادة هيكلة الديون، موضحًا أن إعادة الهيكلة لا تعني التعثر، بل قد تشمل إطالة آجال الاستحقاق، أو خفض أسعار الفائدة، أو تحسين توزيع آجال الدين بما يقلل من المخاطر الواقعة على الموازنة العامة.
مزايا مقابل عيوب
وأوضح د. مصطفى أن لتصفير الدين العام مزايا وعيوبًا، تتمثل الميزة الأساسية في تخفيف عبء خدمة الدين التي تستنزف جزءًا كبيرًا من الإنفاق العام، وإتاحة موارد إضافية للتعليم والصحة، وتقليل مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في سوق الائتمان، وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية.
لكنه حذر في المقابل من مخاطر التنفيذ غير المدروس، الذي قد يؤثر سلبًا على ثقة المستثمرين أو استقرار الجهاز المصرفي، أو يؤدي إلى نقل عبء الدين من صورة إلى أخرى دون معالجة جذوره.
المقايضة الكبرى
وعن مقترح «المقايضة الكبرى» الداعي إلى تصفير الدين العام، أوضح أستاذ الاقتصاد أن المقايضة تعني استبدال جزء من الدين المحلي بأصول مملوكة للدولة أو بحقوق تشغيل واستثمار.
ورغم أن الفكرة قد تخفف الضغط المالي على المدى القصير، فإنها تنطوي على مخاطر كبيرة إذا لم تُنفذ بشفافية كاملة، ودون تقييم عادل للأصول، وضمان عدم التفريط في الأصول الاستراتيجية، مع التأكيد على توجيه العائد لخفض الدين لا لتمويل إنفاق جديد.
مؤشر ضغط مالي
وأكد د. مصطفى أن المقايضة لا تُعد إعلانًا لإفلاس الدولة، لكنها قد تتحول إلى مؤشر ضغط مالي إذا أسيء استخدامها أو فُرضت بشروط قسرية. موضحًا أن الإفلاس السيادي يرتبط بالتعثر عن السداد أو الإخلال بالالتزامات، وليس باستخدام أدوات غير تقليدية لإدارة الدين.
أداة مشروعة
وأشار إلى أن المقايضة تصبح أداة مشروعة عندما تُنفذ بشكل اختياري ضمن إطار استراتيجية معلنة لإعادة هيكلة الدين وتحسين استدامته، مع الحفاظ على السيطرة على الأصول الاستراتيجية.
حل اضطراري
ونبّه إلى أن خطورة المقايضة تظهر عندما تُستخدم كحل اضطراري في ظل غياب رؤية شاملة، أو كبديل للسداد النقدي دون إصلاحات هيكلية موازية، وهو ما قد تفسره الأسواق باعتباره إشارة سلبية تعكس ضغوطًا مالية، بدلًا من كونه إدارة رشيدة للأزمة.
التصدي للدين العام
ويرى د. مصطفى أن إعادة طرح هذه المقترحات في التوقيت الحالي ليست عشوائية، موضحًا أن وجود برلمان جديد بغرفتيه، وزيادة الحديث عن تغيير وزاري، إلى جانب الضغوط غير المسبوقة على الموازنة العامة، كلها عوامل دفعت إلى فتح ملفات كانت مؤجلة، وعلى رأسها ملف الدين العام، والبحث عن حلول غير تقليدية بعد تآكل فاعلية الأدوات التقليدية.
مضيفاً أن هذه الأفكار طُرحت في مراحل سابقة، لكنها كانت تُؤجل بسبب سهولة الاقتراض مقارنة باتخاذ قرارات صعبة سياسيًا واقتصاديًا، إلا أن ارتفاع كلفة الاستمرار في المسار الحالي فرض ضرورة البحث عن بدائل.
استراتيجية الدين
وأشار أستاذ الاقتصاد والمالية العامة إلى أن مصر لا تمتلك حتى الآن استراتيجية متكاملة ومعلنة لإدارة الدين العام بالمعنى الدقيق، وإنما مجموعة من السياسات والإجراءات المتفرقة، مؤكدًا أن المطلوب هو استراتيجية شاملة تربط بين النمو الاقتصادي، والعدالة الضريبية، وإدارة الأصول العامة، وخفض الدين، لا مجرد إعادة تدويره.
وثمّن د. مصطفى ما أعلنته الدكتورة رانيا المشاط بشأن إطلاق سردية وطنية شاملة لحل أزمة الديون، وكذلك ما أعلنه أحمد كجوك، وزير المالية، من التعهد بإطلاق استراتيجية وطنية لإدارة أزمة الدين العام، معتبرًا أن ذلك يمثل تطورًا إيجابيًا في الخطاب الرسمي، لأنه يعترف بأن الأزمة تنموية وهيكلية وليست مالية فقط.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه السردية إلى برنامج تنفيذي واضح، مدعوم بجداول زمنية محددة، ومؤشرات قياس دقيقة، وشفافية كاملة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية