تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
قبل أن تفتح محال الإسكندرية أبوابها، ينحني رجل بهدوء فوق كومة قمامة عند ناصية شارع، لا يبحث عن طعام ولا عن شيء مفقود؛ بل يبحث عن زجاجة مياه شفافة، أو قطعة بلاستيكية ملونة، أو حتى غطاء بلاستيكي صغير.
يلتقط الرجل القطع البلاستيكية بعين خبيرة، ليضعها في جوال كبير يرافقه على ظهره طوال رحلته اليومية، التي يعرف جيدًا أن ستنتهي بعد أيام إلى إنتاج كرسي بلاستيكي، أو عبوة منظف، أو صندوق فاكهة، وربما ألياف «بوليستر» في ملابس شتوية ثقيلة.
«الفريز» هو الاسم الذي يعرفه الناس به، ولكن ربما ما لا يعرفونه عنه، أنه أولى خطوات رحلة إعادة تدوير البلاستيك.
يضع «الفريز» أول حجر في سلسلة إنتاج متكاملة؛ لتحويل المخلفات البلاستيكية من عبء بيئي متزايد إلى مورد صناعي ذي قيمة اقتصادية.
جولة مع رحلة تدوير البلاستيك
«بوابة الأهرام» تجولت في شوارع الإسكندرية لتتبع مسار البلاستيك المعاد تدويره، بدءًا من أكوام القمامة في الشوارع، مرورا بمخازن الفرز، إلى كسّارات البلاستيك، ومنها إلى مصانع التحبيب والتشكيل، وصولًا إلى منتج نهائي يستخدمه الناس يوميًا.
فرز القمامة مهنة تبدأ بالوراثة.. وتنتهي بالصناعة
«لمّ الزبالة مهنة ورثناها أبًا عن جد» بفخر يتحدث علي حميدو صاحب مخزن بالإسكندرية لتدوير المخلفات البلاستيكية بعد الفرز، واصفًا أن العمل في «الشغلانة» لم يأت صدفة، وحرص على نقل أسرارها إلى أبنائه، باعتبارها مصدر رزق مستدام، فضلا عن دورها الذي لا غنى عنه.
أسرار فرز القمامة.. رحلة داخل العالم الخفي
«بنشتري المخلفات القابلة لإعادة التدوير من الفرّيزة ومن المتعهدين اللي بيجمعوا الزبالة من المنازل» يشرح حميدو لـ«بوابة الأهرام» أسرار الصنعة.
ويضيف، بعدها تُنقل إلى المخزن لتبدأ «المرحلة الأصعب»: الفرز الدقيق حسب النوع والخامة، قبل إعادة إدخالها في دورة التصنيع.
يبدو البلاستيك للعين العادية مادة واحدة، لكن حميدو يؤكد: «البلاستيك مش نوع واحد.. ولكل خامة طريقها».
ويوضح صاحب مخزن القمامة: البلاستيك أنواع متعددة تختلف في اللون ودرجة الصلابة؛ منه الملون والأبيض والشفاف، ولكل نوع طريقة خاصة في إعادة التصنيع.
بعد الفرز، يجري توريد المخلفات إلى الكسّارات لتحويلها إلى مادة أولية قابلة لإعادة الاستخدام، تمهيدًا لرحلة أطول داخل المصانع.
مخلفات البلاستيك.. من القمامة إلى المنزل مجددًا
ويشير حميدو إلى أن البلاستيك المعاد تدويره لا يظل حبيس المخازن، بل يتحول إلى خام يدخل في آلاف المنتجات، مثل الأدوات المنزلية، وعبوات المنظفات، بينما يذهب بعضها لصناعة ألياف البوليستر، وتصنيع مراتب الأسِرة واللحاف الفايبر.
ويستخدم البلاستيك المعاد تدويره كذلك في صناعة أجزاء من الأجهزة المنزلية، مثل أجسام الغسالات وأرفف الثلاجات والميكروويف والسخانات.
داخل «الكسارة».. قلب عملية الصناعة
هنا يتحدث ربيع أبو الخير، صاحب كسارة بلاستيك معاد تدويره، مؤكدًا أنه يعمل في هذا المجال منذ ما يزيد على عشر سنوات، اكتسب خلالها خبرة واسعة بمراحل إعادة التدوير.
يقول: إن عمل الكسارة يبدأ بشراء «جوالات البلاستيك» المستعمل من مخازن الفرز، لتبدا بعدها مرحلة فصل ألوان البلاستيك عن بعضها، قبل إدخاله إلى عملية التكسير؛ حيث يتحول البلاستيك إلى قطع صغيرة استعدادا لدخول الخطوة التالية.
«نظافة الخام».. كلمة سر تصنيع البلاستيك
«التكسير لوحده مش كفاية.. علشان إعادة تصنيع البلاستيك»، يوضح «أبو الخير» لـ«بوابة الأهرام» أحد أسرار الصنّعة.
ويقول: إن البلاستيك المكسّر يخضع لمرحلة الغسل والتنظيف داخل أحواض مياه كبيرة، ثم يُنقل إلى معدات خاصة تشبه الغسالات الصناعية لإزالة الشوائب منه، ثم يُغسل مرة أخرى لضمان أعلى مستوى من النظافة.
وتأتي بعد ذلك مرحلة التجفيف عبر معدات دوّارة سريعة، تعتمد على الحرارة لطرد أي مياه متبقية، ثم يُعبأ البلاستيك في جوالات استعدادًا لـ«النقلة الأهم».. «التحبيب».
التحبيب.. عندما يتحول «كسر البلاستيك» إلى «خرز»
تختلف مسميات البلاستيك في المصنع عنها في الشارع؛ لتتحول من «الكسر» و«الجوال» إلى «حبيبات» و«خامة».
خالد محمد، أحد العاملين بمصانع إعادة تدوير البلاستيك، تحدث إلى «بوابة الأهرام» عن دور المصنع في تحويل «كسر البلاستيك» إلى «حبيبات – خرز» —المادة الخام الأساسية المستخدمة في تصنيع المنتجات البلاستيكية.
يؤكد خالد، أن هذه الحبيبات تدخل في صناعات متعددة مثل: الأدوات المنزلية والأكياس وصناديق الفاكهة ومواسير الكهرباء وغيرها من المنتجات الأساسية.
لم يقف وعي خالد محمد إلى وصف العملية أو المسميات، بل يربط ما يقوم به بالاقتصاد، موضحًا أن حبيبات البلاستيك تُعاد معالجتها داخل المصانع عن طريق تسخينها، ثم حقنها داخل قوالب مختلفة وفقًا لنوع المنتج.
والنتيجة—بحسب حديثه—أن إعادة التدوير تسهم مباشرة في تقليل الفاتورة الاستيرادية، وتوفير العملة الصعبة، عبر الاعتماد على خام محلي، بدلًا من استيراده من الخارج.
التشكيل النهائي.. هنا يلمس المستهلك النتيجة
قاربت سلسلة التصنيع على نهايتها، ينتظر وليد صلاح أن تصل إليه.
وليد صاحب مصنع منتجات بلاستيكية، أوضح لـ«بوابة الأهرام» أنه يشتري حبيبات البلاستيك الخام من مصانع التدوير، ثم يعيد تصنيعها بالتسخين والصب داخل قوالب لإنتاج مقاعد وصناديق بلاستيكية وغيرها من الأشكال.
ويوضح تنوع الخامات المستخدمة بحسب طبيعة المنتج؛ حيث يستخدم «البوليسترين» لصناعة الأكياس، و«البولي بروبلين» للأدوات المنزلية والكراسي، فضلا عن خامات أخرى تدخل في صناعة نعال الأحذية.
متى يستخدم الخام النقي؟ ومتى يستخدم البلاستيك «المعاد تدويره»
داخل مجمع مرغم، يشرح محمد عبد العزيز، صاحب مصنع للمنتجات البلاستيكية لـ«بوابة الأهرام»، أن للبلاستيك مصدرين رئيسيين، الأول: خام نقي يُستخرج من شركات البترول «مشتقات بترولية»، وغالبًا يتم استيراده من دول نفطية مثل السعودية والإمارات، والمصدر الثاني: بلاستيك معاد تدويره من المخلفات.
«ولكل نوع من مصادر البلاستيك استخداماته» يؤكد محمد عبدالعزيز، مشيرًا إلى أن الصناعات الطبية والغذائية مثل: السرنجات وعبوات الدواء وزجاجات المياه، تعتمد على البلاستيك الخام النقي.
ويتابع أن البلاستيك المعاد تدويره يُستخدم في الصناعات التي لا توضع على الفم مباشرة، مثل الأدوات المنزلية، وعبوات المنظفات، والكراسي وصناديق الفاكهة، وكذلك تصنيع الفيبر المستخدم في المراتب واللحاف والملابس الشتوية الثقيلة.
للنباشين والفريزة دور في استقرار الأسعار!
ويشير عبد العزيز إلى دور العاملين في الظل «النباشين» و«الفريزة».
«النباشين والفريزة عنصر محوري بيئي واقتصادي» يحذر عبدالعزيز من توقفهم عن العمل، مؤكدا أن ذلك سيؤدي إلى تضرر مصانع البلاستيك، وارتفاع أسعار المنتجات البلاستيكية بنسبة لا تقل عن 30%
«لن يتوقف الأثر عند البلاستيك وحده» لا يزال عبدالعزيز يحذر من توقف النباشين والفريزة عن العمل؛ إذ يشير إلى أن قطاعات مثل الزراعة وتصدير الخضر والفاكهة قد تتأثر أيضًا، لأن هذه المنظومة توفر الخام الضروري لتصنيع صناديق نقل وتخزين الفواكه والخضر.
صناعة واعدة بحاجة للدمج في الاقتصاد الرسمي
تكشف رحلة إعادة تدوير البلاستيك في مصر عن صناعة تحمل أبعادًا بيئية واقتصادية واجتماعية في آن؛ حيث تقلل المخلفات، وتدعم الإنتاج المحلي، وتوفر فرص عمل لآلاف الأسر.
لكنها على اتساعها لا تزال بحاجة إلى اهتمام مؤسسي أكبر، ودمجها ضمن منظومة الاقتصاد الرسمي، خاصة أن شريحة واسعة من العاملين بها، وعلى رأسهم الفريزة المنتشرون في الشوارع، يعملون دون أطر قانونية واضحة أو تصاريح تنظم نشاطهم وتحمي حقوقهم.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية