تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > قائمة الأخبار > بوابة أخبار اليوم : صحاب الأرض دراما الآلم والأمل وغليان في الكيان من يملك الحكاية يمتلك المستقبل
source icon

بوابة أخبار اليوم

.

زيارة الموقع

صحاب الأرض دراما الآلم والأمل.. وغليان في الكيان من يملك الحكاية يمتلك المستقبل

 

في زمنٍ تتقاطع فيه الصورة مع الرصاصة، والكلمة مع الموقف، خرج المسلسل المصري “صحاب الأرض” إلى الشاشة لا بوصفه عملاً درامياً عابراً في موسم رمضاني مزدحم، بل بوصفه بياناً فنياً مشحوناً بالذاكرة والوجدان، مسسلسل يقول إن الكاميرا حين تُمسك بها يدٌ مؤمنة بقضيتها، يمكن أن تصبح منبراً، وإن الحكاية حين تُروى بصدق تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، لعلّ ما أزعج الإسرائيليون هو أن المسلسل لم يكتفِ بعرض مشاهد الألم، بل أعاد صياغة العلاقة بين الأرض وأهلها، بين البيت وذاكرته وبين الإنسان وحقّه في أن يُرى ويُسمع.

يقف مسلسل “صحاب الأرض” عند تقاطع الفن والسياسة بين الشاشة والشارع بين الحكاية والواقع، وما بين نقدٍ عبري يتوجس من أثره، ووجدانٍ عربي يجد فيه صدى لآلامه وآماله، تتجلى حقيقة بسيط أن الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وهوية وأن من يملك الحكاية يمتلك جزءاً من المستقبل.

وما إن ظهر العمل حتى ارتفعت في الفضاء العبري موجات من التحليلات والانتقادات، تصدّرتها تقارير على شاشة التلفاز، ومقالات في الصحف حيث بدا واضحاً أن المسلسل لم يُستقبل هناك كفنّ بل كرسالة، لم تتعامل تلك المنابر مع “صحاب الأرض” كقصة إنسانية تنسج خيوطها من الألم والأمل، بل قرأته في سياق سياسي بحت، رأوا في توقيت عرضه وفي موضوعه الذي يلامس جراح غزة المفتوحة ما يتجاوز الدراما إلى الاصطفاف.

تكررت في التحليلات العبرية مفردات من قبيل “السردية الأحادية” و”الرسائل المبطّنة” و”توظيف الفن في الصراع” وكأن الفن، حين يكون عربياً يُدان لأنه يقول ما يشعر به أهله، ويُلام لأنه يروي ما تراه عيونه، وهكذا تحوّل العمل في الخطاب العبري من حكايةٍ عن بشرٍ تحت النار إلى ملفّ أمني ثقافي يُقرأ بعين السياسة لا بعين الفن.

في تقرير بثّته القناة 12 الإسرائيلية، جرى التأكيد على أن العمل ليس مجرد إنتاج تلفزيوني، بل جزء من معركة وعي، وذهبت بعض التعليقات إلى اعتبار المسلسل محاولة لإعادة تشكيل الرأي العام العربي تجاه مجريات الحرب، بل والتأثير في صورة إسرائيل خارج حدودها، وأن هناك أزمة في المسلسل تتعلق بتوقيت التدخل المصري، حيث أن تدخل القاهرة بدأ خلال المراحل الأخيرة للحرب وليس منذ بدايتها كما يشير “صحاب الأرض”، وأن الحقيقة التي أخفاها المسلسل أن التواجد المصري ظهر بعد أن أنجز الجيش الإسرائيلي مهامه لهذا المسلسل يحاول تقديم صورة زائفة عن استمرار المساعدات طوال فترة الحرب.

وذكر موقع “ماكو” الإسرائيلي، أنها محاولة من القاهرة لتحسين صورتها بعد الفشل في حماية سكان غزة، خاصة في مسألة إيصال المساعدات الإنسانية والأجهزة الطبية إلى المستشفيات، وأن المسلسل مجرد خطوة سياسية محسوبة، وزعم الموقع أن المسلسل حصل على انتقادات عديدة من الفلسطينيين وقوبل بموجات من الغضب وأن الفلسطينيون يعتقدون أن المصريون يحتفلون بدمائهم، وأن القاهرة تستغل المأساة الفلسطينية لتحقيق مكاسب دعائية. 

أما صحيفة “يديعوت أحرونوت” وفي مقال كتبته الصحفية سميدار فري تحت عنوان “مسلسل مصري عن قصة الحب التي نشأت في غزة”، ركّزت سميدار في تقريرها على طاقم العمل، متوقفة عند أسماء بعينها، ومحاولةً أن تُسقط على المسلسل مواقف سابقة لأصحابه، حيث أُشير إلى مشاركة الممثل آدم بكري، نجل المخرج والممثل الفلسطيني محمد بكري الذي لديه مواقف حادة تجاه السياسية الإسرائيلية، في سياقٍ يشير بأن وجوده ليس تفصيلاً فنياً بل دلالة سياسية وكأن الانتماء العائلي أو الموقف الإنساني يتحولان، في ميزان بعض الأقلام العبرية إلى قرينة اتهام.

وذكر موقع “والا” العبري، أن خطورة العمل تكمن في كونه متاحاً للمشاهدة في إسرائيل على الإنترنت، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ما قد يؤثر على الرأي العام، خاصة أنه يتناول تفاصيل الصراع ومعاناة أطفال غزة مع الجيش الإسرائيلي بأسلوب فني مؤثر، وأن المسلسل يحقق يوميا مشاهدات كبيرة، وبالتالي سيحصل على العديد من المتعاطفين مع أهل غزة.

وطرحت هيئة البث الإسرائيلية فقرة خاصة ضمن برنامجها الإخباري اليومي لمناقشة المسلسل، وأنه يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية، معتبرة أن الطرح يتبنى وجهة نظر أحادية الجانب وأنه يحمل رسائل خفية مبطنة، وتطرق البرنامج من خلال ناقدة إسرائيلية قامت بتقديم رؤية تحليلية للعلاقة بين شخصيتي منة شلبي وإياد نصار، قائلة: “تسعى هذه العلاقة بين الطبيبة والمريض إلى التلميح إلى العلاقة بين الشعب المصري وسكان غزة، لا سيما في سياق تصوير مصر كداعمة للفلسطينيين وسكان غزة، ومساعدتهم على البقاء في غزة ونجاحها في منع إسرائيل من تهجيرهم”.

في هذا السياق، لا يبدو أن الاعتراض كان على مستوى الإخراج أو الحبكة أو البناء الدرامي، بل على زاوية الرؤية نفسها، فالمسلسل، كما فهم من الانتقادات، ينطلق من منظور عربي يضع الإنسان الفلسطيني في قلب الصورة ويمنح صوته مساحة، ويعرض معاناته دون مواربة، وهذا في نظر تلك التغطيات العبرية إخلالٌ بـالتوازن، غير أن السؤال الذي يطلّ من خلف السطور هو.. أيّ توازن يُطلب من الضحية وهي تروي قصتها؟، وأيّ حياد يُنتظر من أمٍّ تبحث بين الركام عن اسم ابنها؟، بل عن جثة ابنها !!

لقد بدا واضحاً أن القلق الإسرائيلي لم يكن فنياً بقدر ما كان متعلقاً بالتأثير تحدّثت التحليلات عن ملايين المشاهدين الذين قد يتابعون العمل في العالم العربي، وربما حتى داخل إسرائيل عبر المنصات الرقمية، كما عبّرت عنها بعض التقارير ليست من مشهدٍ بعينه، بل من تراكم الصورة في الوعي الجمعي، فالفن حين يصل إلى البيوت يصبح أكثر رسوخاً من بيانٍ سياسي وأكثر بقاءً من تصريحٍ عابر.

وهنا تكمن المفارقة أن يُخشى من مسلسل لأنه يملك القدرة على أن يحرّك المشاعر وكأن الوجدان نفسه ساحة معركة، وكأن الدموع التي قد تسيل أمام الشاشة تُعدّ خسارةً في ميزان السرديات، لقد تم التعامل مع مسلسل “صحاب الأرض” في بعض الخطابات العبرية كخصمٍ ينبغي تفكيكه وتحجيم أثره، لا كعملٍ يستحق النقاش النقدي الطبيعي.

في الخطاب العبري تكررت الإشارة إلى أن العمل ينحاز.. لكن أليست كلّ روايةٍ تنحاز ؟؟، حتى ولو إلى قيمها؟، أليست الدراما في جوهرها اختياراً لزاوية وتكثيفاً لرؤية؟؟.. إن المطالبة بفنّ بلا موقف تشبه المطالبة بقلبٍ بلا نبض وما دام الصراع قائماً فإن الفن سيبقى مرآته.

إن الهجوم الإسرائيلي على “صحاب الأرض” يكشف في جانب منه إدراكاً عميقاً لأهمية الفن، فالدول لا تتصارع بالسلاح فقط، بل بالصورة والرمز والسرد، وحين تنتج الدولة المصريةعملاً درامياً يلامس قضية فلسطين، فإنها لا تفعل ذلك في فراغ، بل في سياق تاريخي وثقافي تتشابك فيه السياسة بالوجدان، لذلك قرأته بعض التحليلات الإسرائيلية كجزء من خطاب أوسع لا كمسلسل وحسب.

غير أن القراءة الوطنية العروبية لهذا الجدل ترى في الأمر وجهاً آخر.. ترى أن الفن العربي بدأ يستعيد ثقته بقدرته على طرح روايته دون خوف، وأن الشاشة لم تعد مساحةً للحياد البارد بل ساحةً للتعبير الصادق، فإذا كان في إسرائيل من يرى في ذلك تهديداً، فربما لأن الكلمة حين تكون نابعة من جرحٍ حقيقي يصعب تجاهلها، المسلسل أثبت أن الدراما ليست ترفاً ثقافياً بل استحضار للأرض في الذاكرة وللإنسان في الصورة وللحقيقة في مواجهة النسيان، والانتقادات الإسرائيلية مهما اشتدت ليست إلا دليلاً على أن الصوت سمع والرسالة وصلت فلو كان العمل هامشياً لما استحق كلّ هذا الاهتمام.

نحن كعرب قد نختلف في تقييمنا الفني للمسلسل وقد تتباين الآراء حول بعض تفاصيله، لكن الثابت أن ردود الفعل في الإعلام الإسرائيلي كشفت عن حساسية عميقة تجاه السردية العربية حين تُعرض بثقة، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن معركة الوعي قائمة، وأن الفن العربي بات رقماً صعباً في معادلة الصورة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية