تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
قديماً كان يدور النقاش حول جودة المذاق وسر الخلطة، انتقلت المعركة اليوم إلى زاوية الإضاءة وتناسق الألوان، في بيوتنا وتحديداً مع اقتراب المناسبات والولائم، برزت ظاهرة رقمية يمكن تسميتها بـ "سفرة الانستجرام"؛ مائدة مدججة بكل ما لذ وطاب وبأصناف تكفي قبيلة كاملة، لا لإطعام جائع، بل لإرضاء خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي في "ستوري" لا يتجاوز عمره 15 ثانية.
ونتيجة للتحولات المتسارعة التي فرضتها ثقافة "مواقع التواصل الاجتماعي" على العادات الرمضانية، برزت ظاهرة "البذخ التصويري" للموائد كواحدة من أعقد القضايا النفسية والاجتماعية التي تواجه الأسرة العربية اليوم.
- البذخ الرقمي
تطور الأمر ولم يعد الهدف من إعداد الطعام هو "اللقمة الهنية"، بل أصبح "الكادر المثالي". تسارع بين ربات البيوت، يستنفره بعض أفراد الأسرة لتنسيق أطباق قد لا يلمسها أحد، فقط لتبدو المائدة كلوحة فنية. تحولت فلسفة "العين تأكل أولاً" من نصيحة جمالية إلى هوس مرضي، حيث يتم اختيار الأصناف بناءً على ألوانها وتوافقها مع "الفلتر" المستخدم، وليس بناءً على حاجة الأسرة أو رغبتها.
أصبح هناك مبالغة مقصودة لكي تبدو الصورة "غنية"، بل يجب أن تختفي معالم الطاولة تحت ركام الأطباق، مما يخلق انطباعاً زائفاً بالوفرة يغذي "الأنا الرقمية" لصاحب المنشور.
- حاويات القمامة وإحصائيات صادمة
خلف الكواليس، بعد انطفاء فلاش الكاميرا والانتهاء من التصوير، تبدأ المأساة الحقيقية حيث تشير الإحصائيات الرسمية لمنظمة الفاو وبنك الطعام المصري أن متوسط حجم الهدر الغذائي للفرد الواحد في مصر يبلغ حوالي 91 كيلوجرامًا من الطعام سنويًا، وفقاً لتقديرات المركز الوطني للبحوث الاجتماعية والجنائية.
كما تتزايد نسبة الغذاء المُهدر في المناسبات الخاصة والأعياد والمهرجانات؛ حيث يتم التخلص من 60% على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل، وحسب دراسة أخري لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) فإن حوالي 50%من الخضار والفواكه و40 في المائة من الأسماك و30 % من الحليب والقمح يتم هدرهم كل عام في مصر.
وعلى المستوى العالمي؛ يسود الفقد والهدر الغذائي في جميع النظم الغذائية والزراعية العالمية، فوفقًا لمنظمة الفاو، تم إلقاء حوالي 931 مليون طن (أو 17 %) من المواد الغذائية المتاحة للمستهلكين بصناديق نفايات المنازل والمطاعم وتجار التجزئة وغيرها. وقد تم التخلص من حوالي 10% منه بواسطة الأسر، في حين أهدر مقدمو الخدمات الغذائية ومنافذ البيع بالتجزئة حوالي 5% و2% على التوالي.
وفي عام 2019 كشفت منظمة الفاو أن 14% من الأغذية التي يتم إنتاجها عالمياً بموسم الحصاد،؛ تُهدر وتُفقد خلال مرحلة الإنتاج بعد الحصاد.
- فجوة كبيرة بين القيم والمعنى
تحويل الطعام من "نعمة" إلى "أداة زينة" يعكس خللاً في الوعي الاستهلاكي، حيث يتم استبدال قيمة الكرم "التي تعني إطعام الغير" بقيمة الاستعراض "التي تعني إبهار الغير". وفي المقابل أصبح هناك فارق بين المائدة العائلية التي تهدف للشبع والتجمع العائلي وبين المائدة الرقمية التي هدفها حصد الكثير من "الاعجاب "والمشاهدات.
- من "ستر العورة" إلى "هوس العرض"
استهلت إيمان عبدالله، استاذة علم الاجتماع، حديثها بالتذكير بالمنظور الأخلاقي والنبوي للتعامل مع الطعام، مؤكدة أن "الأكل والنوم عورة"، بمعنى أنها خصوصيات إنسانية لا يحق للعامة الاطلاع عليها. موضحة أن ما نشهده اليوم في عزومات رمضان من ترتيب زوايا التصوير بدقة ودراسة أصناف الطعام وتنسيقها، لا يستهدف الإشباع البيولوجي، بل يستهدف "العدسة" فقط.
وتساءلت باستنكار: "هل نحن بلالين متفجرة؟" مؤكدة أن المعدة البشرية محدودة، وأن كميات الطعام الهائلة التي تُعرض لا يمكن استهلاكها فعلياً، مما يحول المائدة من وسيلة لإقامة الصلب بعد الصيام إلى مشهد مبالغ فيه يفتقر للجدوى والقيمة.
حللت الظاهرة من منظور علم النفس العصبي، مشيرة إلى حدوث خلل في "نظام المكافأة" لدى الفرد. فبينما يفترض أن يشعر الصائم بالفرح النفسي والفسيولوجي عند الفطر إتماماً للعبادة "نظام المكافأة الطبيعي"، بات البعض يستمد شعوره باللذة من "الدوبامين" الناتج عن التفاعل الرقمي.
كما أن هناك الرسائل الضمنية والتعليقات من نوعية "أنت ناجح"، "بيتك فخم"، "سفرتك رائعة"، تخلق حالة من النشوة الموقتة. هذا الشعور يحفز الدماغ لتكرار السلوك يومياً، ليتحول نشر صور الولائم إلى سلوك إدماني للبحث عن "الاعتراف الاجتماعي".
- الانتماء الزائف مقابل "موائد الرحمن"
قارنت أستاذ علم الاجتماع بين ذكريات الماضي والواقع الحالي، مسترجعة مفهوم "موائد الرحمن" التي كانت تُقام لإطعام المحتاجين كرمز للانتماء الحقيقي. أما الآن، فقد تحول الانتماء إلى "انتماء افتراضي" يُقاس بعدد الـ (Likes)، بينما يشعر المشاهد العادي بـ "القهر النفسي" بدلاً من المشاركة الوجدانية.
ووجهت رسالة مباشرة بضرورة استعادة روح رمضان من خلال:
- استبدال البذخ بالصدقة: تكلفة عزومة واحدة باذخة قد تفيض عن حاجة أسرة كاملة طوال الشهر.
- إحياء "الصدقة المخفية": العودة للعمل الخيري السري بدلاً من الاستعراض العلني للكرم.
الفراغ العاطفي وعقدة المقارنة
وفي تحليل أعمق للشخصيات المنخرطة في هذا السلوك، كشفت أن البذخ في الطعام غالباً ما يكون "تعويضاً لا واعياً" عن الفراغ العاطفي ومحاولة ملء نقص داخلي بضجيج خارجي.
ـ الخوف من الظهور بأقل من الآخرين و الرضوخ لضغط المقارنات الاجتماعية.
ـ وهم السيطرة والشعور المؤقت بالهيمنة على "الساحة" الرقمية من خلال المظهر المرفه.
- العالم الافتراضي لا يشبع
اختتمت استاذة علم الاجتماع حديثها بصرخة تحذيرية من "الحلقة المفرغة" التي تصنعها السوشيال ميديا؛ حيث تضع كل صورة معياراً جديداً وأعلى للمنافسة، مما يدفع الناس لتكبير الموائد وزيادة الإسراف، ليس لإطعام جائع، بل لتغذية "خوارزميات" لا تأكل، بل تقتات على الصور.
بينما ترى هدي زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي أن ما نشهده اليوم من تسابق لتصوير الموائد الرمضانية ومشاركتها عبر منصات التواصل الاجتماعي ليس "بدعة" حديثة كلياً، بل هو تطور تقني لرغبة إنسانية قديمة في توثيق اللحظات السعيدة.
- أصالة فكرة التوثيق
تشير إلى أن الرغبة في تسجيل الأحداث العائلية واللقاءات حول المائدة هي ظاهرة تاريخية وعالمية. وقبل ظهور الهواتف الذكية، كان الناس يحرصون على استخدام الكاميرات التقليدية لتخليد ذكريات الأعياد، وحفلات الزفاف، وحلقات الذكر، والاجتماعات العائلية. وتستشهد بالصور "الأبيض والأسود" التي تعج بها بيوتنا، والتي توثق اجتماعات العائلة منذ أكثر من خمسين عاماً.
- التكنولوجيا كمحفز وليست كصانع للظاهرة
توضح أستاذة علم الاجتماع أن الفارق الجوهري اليوم يكمن في "سهولة الأدوات". ففي الماضي، كان التوثيق يقتصر على من يمتلك كاميرا أو يُترك للمصور المحترف، أما الآن فقد أتاحت التكنولوجيا لكل فرد أن يصبح مصوراً من زاويته الخاصة. هذا التطور التكنولوجي هو ما جعل التصوير يبدو أكثر كثافة وانتشاراً، لكن الدافع النفسي يظل واحداً وهو "الاحتفاظ بالذكرى الجميلة".
- دلالة تصوير المائدة في الموروث الثقافي
رداً على فكرة أن تصوير الطعام بحد ذاته يمثل استعراضاً أو صراعاً طبقياً، تشير الدكتورة إلى أن السينما المصرية القديمة مثل فيلم "أم العروسة" وثقت الحرص على تصوير المائدة كرمز للبهجة والاجتماع. فالتصوير هنا لا يهدف دائماً للتفاخر بالمستوى الاجتماعي، بل يرتبط بالمناسبات السعيدة التي يمثل الطعام ركناً أساسياً فيها، وهي ظاهرة تشترك فيها مختلف الشعوب، بما في ذلك المجتمعات الغربية كأمريكا.
- الاجتماع الإنساني هو الأصل
تؤكد أستاذ علم الاجتماع، أن التكنولوجيا لم تُلغِ الرغبة الفطرية في التجمع حول المائدة، بل أضافت لها بُعداً توثيقياً جديداً. فالأصل هو اللقاء الإنساني، وما التصوير إلا وسيلة لمشاهدة هذه اللحظات لاحقاً واستعادة مشاعر الألفة، كأن يرى الجد صورة حفيده في عيد ميلاده بعد سنوات طويلة.
ما نراه اليوم من "إفطار السوشيال ميديا" هو في جوهره امتداد لتقليد قديم، انتقل من ألبومات الصور الورقية إلى المنصات الرقمية بفضل سهولة التكنولوجيا، مع بقاء "الاجتماع حول الطعام" كأهم ذكرى يحرص البشر على تخليدها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية