تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
تحتفل مصر والعالم العربي وعالم الموسيقي والغناء في كل العالم بذكري مرور مائة عام علي رحيل العبقرية المصرية الفريدة في الموسيقي والغناء 15 سبتمبر المقبل السيد درويش..
الحديث عن هذا الفنان الكبير لا ينتهي مهما قدمت الأعوام وجري الزمن، فنحن نتذكره كل يوم، بل كل ساعة، هو فنان الشعب الذي شجع رجل الشارع علي التغني ببلده ومدنها وانتاجها وشعبها وجيشها واستقلالها.
فهو صاحب النشيد الوطني الذي نعتز به ونقف احتراما وإجلالا له ونحن نستمع إليه ونتغني به.
بلادي بلادي بلادي
لك حبي وفؤادي
ميلاده ونشأته
ولد السيد درويش في 17 مارس 1892 في حي كوم الدكة بالإسكندرية وأطلق والده المعلم درويش البحر، الذي كان يعمل بالنجارة عليه اسم (السيد) حتي يكون سيدا في حياته، وعلي الرغم من شهرته باسم سيد لكن الفنان عبدالحميد توفيق زكي يؤكد في كتابه (السيد درويش في عيد ميلاده المئوي) دار المعارف.. ان اسم فناننا هو السيد درويش، وقد نشر في الكتاب صورة طبق الأصل من شهادة الميلاد تثبت ذلك.
أرسل الوالد طفله إلي الكتاب وهو في الخامسة ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة ويحفظ بعض آيات القرآن الكريم. فجأة توفي والد السيد وترك طفله في السابعة من عمره.
بداية الموهبة
اهتمت الوالدة بطفلها ونقلته من الكُتاب إلي المدرسة، وفي المدرسة بدأت موهبة طفلنا السيد تعبر عن نفسها فحفظ الأناشيد بل أخذ يردد أغاني سلامة حجازي مما لفت أنظار مدرس الموسيقي نجيب أفندي فهمي فشجعه وشرح له بعض المعلومات الموسيقية العامة المهمة.
كان طفلنا يجتمع مع بعض زملائه بعد انتهاء اليوم الدراسي ويذهبون إلي مسجد حديقة اليماني ويحضرون صندوقا خشبيا كبيرا يقف فوقه السيد درويش ليغني بعض الأناشيد التي حفظها ومنها أغنيات الشيخ سلامة حجازي وتواشيح، وكان يلتف حوله زملاؤه مع أهل الحي الكبار الذين أبهرهم صوت وأداء الطفل الموهوب معبرين عن اعجابهم الشديد.
بعد انتهاء المدرسة رأت الوالدة أن تلحق ابنها سنة 1905 بالمعهد الديني الجديد ليصبح شيخا يرتل القرآن، لكن الطفل الذي تملكت منه موهبة وحب الموسيقي وقع في حيرة شديدة، ففي الصباح يذهب إلي المعهد الديني للدراسة وفي الظهر يقوم بالأذان في المسجد تلبية لرغبة أصدقائه والمعجبين بصوته وحلاوته، وهو في المساء يتفرغ لهوايته وحبه للموسيقي والغناء.
في الطريق من بيته إلي المعهد الديني وقع نظر (السيد) عند بائع الكتب علي كتاب «مبادئ الموسيقي الشرقية» وبسرعة اشتري الكتاب وهرول سريعا إلي بيته ليقرأه بل ليقتله بحثا ويأكله أكلا! إنها العبقرية التي فرضت نفسها علي صبيَّنا، وحاول أن ينميها ويثريها. تمر الأيام وتتملك الموهبة علي الدراسة، ومع نجاحه في السنة الأولي بالمعهد الديني وانتقاله إلي السنة الثانية إلا أنه قرر أن يتفرغ إلي موهبته والفن الذي ملك عليه حياته، وخاصة بعد أن كثر المعجبون به في كل الإسكندرية.
علاقته بالمرأة
تزوج السيد درويش في عمر الزهور 16 سنة، ولم يتزوج مرة واحدة بل أربع مرات، منها زيجة لم تتم فقد جاء يوم الفرح ورأي عروسه عجوزا غير جميلة فقال وهو يهرب.. إن الشيطان نفسه لو رآها لهرب.
وكان فناننا محبا للمرأة والجمال، وكانت له علاقات غرامية متعددة مع جليلة، ونجية، وعزيزة، وحياة صبري، كانت هذه العلاقات مصدرا وإلهاما لفنه، وأول أغنية لحنها وغناها هي طقطوقة.. زوروني كل سنة مرة.. وقد غناها بعد خصام مع إحدي صديقاته سنة 1913.
السفر للشام
أضاف الزواج أعباءً اقتصادية علي فناننا فهو زوج ومسئول عن والدته وشقيقته، بالإضافة إلي كرمه وحبه لأصدقائه، أخذ يبحث عن عمل يساعده علي العيش، ولما كانت موهبته هي مصدر عمله فقد اضطر للغناء في المقاهي لكنه كان يحترم الفن فامتنع عن الغناء في الأماكن المشبوهة التي يسهر فيها المخمورون والمسطولون وبحث عن عمل غير الفن ووجد الفرصة في أن يعمل مع عمال البياض، وأثناء عمله كان يغني ويشجع زملاءه علي العمل بهمة ونشاط، ولاحظ المسئول عن العمل ذلك فطلب من السيد درويش التفرغ للغناء وتشجيع العمال فقط.
كان بجوار موقع العمل مقهي يستريح فيها العمال، وشاء القدر أن يلتقي فناننا بالأخوين سليم وأمين عطاالله، بعد أن سمعا عنه وتعرفا عليه عرضا عليه السفر إلي الشام (سوريا) مع فرقتهما للعمل هناك. وافق الفنان وسافر فعلا مرتين الأولي سنة 1909 ولم تكن موفقة، الثانية سنة 1912 وكانت موفقة، قضي فيها عاما قدم فنه وموهبته للأشقاء في سوريا ولقي اعجابا شديدا.
تألقه في الإسكندرية
تعتبر الفترة من سنة 1913، أي بعد عودته من الشام إلي سنة 1917 من أجمل فترات حياته وتوهج موهبته وتألقه في الإسكندرية إذ تفرغ للفن وبلغت شهرته الآفاق، وأخذت الأماكن الفنية والمسارح تتخاطفه، وقدم في هذا الوقت بعض رائعاته.. زوروني كل سنة مرة، وفي شرع مين، وأنا هويت، وأنا عشقت، يا فؤادي ليه بتعشق..
في الإسكندرية تعرف الفنان جورج أبيض علي السيد درويش، وكانت فرقة جورج تعرض بعض أعمالها هناك، كما كانت شهرة فناننا قد سمع بها الجميع، فعرض جورج عليه السفر إلي القاهرة وتلحين بعض الأوبريتات الاستعراضية لفرقته.
وافق السيد درويش ولحن للفرقة أوبريت «فيروز شاه» الذي نجح نجاحا مبهرا دفع الفنان نجيب الريحاني أن يصمم علي أن تحصل فرقته علي هذا الفنان ليلحن لها، كما يذكر نجيب الريحاني في مذكراته. وفعلا لحن الفنان السيد درويش لفرقة الريحاني مجموعة أوبريتات منها.. العشرة الطيبة، ولو، وفشر، وقولوله وغيرها مقابل ستين جنيها شهريا.
العمر الفني
عاش فناننا ست سنوات فقط هي كل عمره الفني في القاهرة من 1917 إلي 1923 أبدع خلالها ألحانا لكل الفرق الموسيقية الموجودة مثل نجيب الريحاني، علي الكسار، فرقة منيرة المهدية، وقد لحن لها الفصل الثاني من أوبرا «كليوباترا وأنطونيو» التي أتمها الفنان محمد عبد الوهاب.
في أيامه الأخيرة أهتم فناننا بتكوين فرقة خاصة به حتي يتخلص من متاعب أصحاب الفرق الأخري ويتفرغ لفنه، ولحن لها أوبريتات، شهرزاد، البروكة.. والسيد درويش عبقرية مصرية غنائية موسيقية فذة وشخصية واثقة من نفسها. سأله أحدهم.. هل تستطيع تلحين عمل مثل أوبرا عايدة؟ أجاب.. ولم لا؟ أليس، فيردي، إنسانا مثلي.. أنا.. فيردي.. مصر!
قبل الرحيل
قبل وفاته بأيام قليلة سافر السيد درويش إلي الإسكندرية للاشتراك في استقبال الشعب للزعيم سعد زغلول لكنه فجأة توفي في الخامس عشر من سبتمبر 1923، لم يشيع جنازته للأسف إلا نفر قليل.
فقد مات «زعيم الفن» في يوم العيد، عيد وصول « الزعيم السياسى» وقال أحد المارة أثناء الجنازة: لابد أنه غريب حتي ان المشيَّعين قليلون..!!
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية