تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

أين أنت يا أبى؟!

عندما تصدرت الـ«تريند» أخيرا وتجاوزت المليار مشاهدة، بهرتنى أغنية «أين أنت يا بابا» للمغنى البلجيكى ستروماى، فأعادت البريق للأغنية الفرانكوفونية، وغناها العديد من الفنانين، الذين أضافوا عليها زخات عاطفية روحية إضافية، تعبر عن موقع الأب العميق فى نفوسنا، ويكمن نجاحها أن ستروماى كتبها بعد معاناة داخلية عاشها فكتبها بجراحه وآلامه لغياب والده، الذى قتل فى الحرب الأهلية الرواندية، وكان دائما ما يسأل أمه أين أبى؟!. لم يعلق معى أغانى منذ زمن فرقتى الأبا «appa» وبونى إم «bonny m» لكن هذه التحفة الشاعرية أخذتنى تماما حيث يتساءل فيها الطفل عن كيف نصنع الآباء كما نصنع الأبناء! وتبارى فيها المغنون فى طرح وجع الحرمان من الأب، ساعد على نجاح الأغنية التصوير التعبيرى المصاحب لستروماى فصور الطفل وهو يكابد اشتياقه لأبيه فى خياله بالتواصل مع وجوده المفقود، باللعب والحديث مع دمية خشبية، يحاول استنطاقها بالحب والعطف دون جدوى، فى تناقض صارخ مابين الألوان الزاهية الطفولية والديكور العتيق، صراع مابين الحلم والواقع، مفجرا صرخة إنسانية عن قسوة غياب الأب!.

 

موقع الأب لا يسقط بالتقادم، فأنا مازلت أشعر بالفقد لغيابه رغم مرور السنين، أو ليس الأب مركز الكون لأطفاله ومصدر الثقة والدعم وميزان القيم! فأعتقد أن هناك مثلى من لا يعتبر أى إنجاز فى حياته ذا معنى إلا إذا فاز برضا الأب، فتصديق الدنيا كلها يظل ناقصا حتى يعتمده الأب!

الأم الواعية تحرص على تعميق دور الأب فى حياة أبنائها، فالتوازن النفسى لهم لا يكتمل إلا بوجود الأب فى واقعهم وخيالهم، ولغيابه المفترض، بسبب العمل يلقى عليها مسئولية حث الأبناء، على تقدير تعبه الخارجى من أجلهم، لتكتمل صورته فى نفوسهم، وتحرص على الاجتماع العائلى برب الأسرة لبناء أواصر المحبة والذكريات السعيدة البسيطة شكلا، ولكنها عميقة تأثيرا، فالأب هو المرشد الأول فى الحياة والممثل الأساسى للعالم الخارجى، وهو الصخرة التى يرتكز عليها أحلام وخيال الأطفال للانطلاق فى الحياة إما بالأمل، أو لا قدر الله بعقد نفسية وضعف، الحفاظ على هيبة الأب مسئولية الأم، التى نعلم منزلتها التى لا تضاهى فى نفوس أطفالها، فعليها أن تقدر قيمة الذكريات السعيدة البسيطة فى حياتنا، فالذكريات ركيزة الهوية، حتى قام عليها علم النفس التحليلى بأكمله!!

لا أشعر بالتحيز للأب، بل اعتبره رسالة نابعة من تجربتى بالارتباط بوالدى، فمن خبرتى، أن الأب عصب الحياة، ولا بديل عن وجوده ولا مقابل يوفيه حقه ولا كلام ولا أشعار ولا أغانى تعبر عن العواطف والدور الاخلاقى والنفسى له، حتى لو تمردنا على نصائحه، فذلك مجرد تمرين على بناء شخصياتنا حتى لا نأخذ الواقع كمسلمات غير قابلة للتعديل، وهو يدرك ذلك، ويصبر بحب وأحيانا بإعجاب على مستجدات على أيدينا أسهم فى استحداثها فى الحياة، وعليها بصمته الشخصية!! الغريب أن بعد مرور الزمن نكتشف العودة إلى تبنى كل كلمة ورأى للأب، حتى أحاسيسه تتلبسنا، فكان أبى دموعه قريبة سريع التأثر، وأجدنى نسخة مكررة منه حتى إننى أجد صعوبة فى كتابة هذا المقال! فلا عجب فى انتشار أغنية أين أنت يا بابا التى استطاعت لمس الوتر الحساس، ما لا يقدر عليه إلا الفن الجميل!!

لا تأخذ نصائح الأب موقعها إلا بعد النضج مثل نصائح (بولونيوس) المملة لأبنه، فى مسرحية هاملت لشكسبير، نأخذها ونحن شباب بضجر ثم ما تلبث وتصبح ميثاقًا نعود إليه سريعا عندما نخوض غمار التجربة المؤلم فنعود لما تمردنا عليه بخضوع ينتمى للأدب المنقذ لصاحبه!. من خبر حنان الأبوة، ومن حرم منه، تفاعل بعمق مع هذا العمل الفنى البسيط الصادق، فمن ذاق عرف، سواء بالحرمان أو الحب، ولذلك أجد الحملة العنيفة فى صدور الآباء على قانون الأسرة بتطبيقه الحالى عادلة، فكل صاحب ضمير يوقن انه جريمة فى حق الأسرة والمجتمع، فهل يعقل أن هناك من يغفل ويتغافل عن دور الأب فى نفوس أطفاله! فيمنعه بقوة الدولة الغاشمة من تأدية واجبه ناحية أبنائه، ويتلخص هذا الدور فى النفقات المادية، كأنهم يربون أحجارا، لا بشرا يحتاجون والديهما معا، سواء كانا متزوجين أو منفصلين، فنحن لن نخترع العجلة، فالانفصال يحدث فى كل الدنيا حديثا وقديما، ويتدبر العاقلون أمر أبنائهما سويا بما فيه مصلحتهم، ويتدخل القانون ليصلح أى انحراف عن هذا القصد، ولم نر مثل هذا القانون المعيب الحالى فى سحق الأب وأبنائه، والذى أراد بغباء رعاية المرأة فآذاها، عندما أطلق للغل والحقد والكراهية العنان، فليس كل النساء يتحكمن فى عواطفهن لمصلحة أبنائهن، وبعضهن يعتبرهم ملكية خاصة، ويصبحن كالقطط الخانقة، وعندما دللهن القانون على حساب الأب والأبناء، كمن أغرق الزرع بالماء ظنا بأنه يرعاه، ولا يدرى بالعفن القابع فى الجذور!!

ولأن الفن الصادق أفضل من يعبر عن الألم والفرح، تناولت عدة أعمال درامية فى شهر رمضان هذا العام عوار هذا القانون، وأثره المخزى على الأسرة التى نفخر بأنها المحافظة الأولى على التوازن الاجتماعى، وعندما تصل هذه المحنة إلى الفن يعنى انها وصلت إلى مرحلة الأزمة الأخلاقية التى لابد من معالجتها، وبعود صوت الحكمة لكل الأطراف الفاعلة، وأذكر كل امرأة ومشارك فى هذا الجرم الأخلاقى، بقول الله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) صدق الله العظيم.

عندما أتصور حالى لو كان هناك من حرمنى من أبى على حياةٍ عينه، لأى سبب انتقامى، يصرخ قلبي.. اتقوا الله فى الآباء والأبناء المكلومين!

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية