تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > وفاء صندى > الاحتجاجات الإيرانية ورهانات أمريكا وإسرائيل

الاحتجاجات الإيرانية ورهانات أمريكا وإسرائيل

تأتى الاحتجاجات الإيرانية الراهنة فى سياق تصاعدى معقد. لاتزال المظاهرات متواصلة فى عدد من المدن رغم تشديد القبضة الأمنية، فرض قيود واسعة على الإنترنت والاتصالات وارتفاع أعداد القتلى والمعتقلين، وفق تقارير حقوقية وإعلامية. مقابل ذلك، تسعى السلطات إلى إظهار السيطرة عبر تنظيم تظاهرات مؤيدة للنظام وإطلاق خطاب رسمى يحمّل أطرافا خارجية، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، مسئولية تأجيج الأوضاع. هذه التطورات ترافقت مع رسائل سياسية متناقضة من طهران، تجمع بين التصعيد الخطابى والإشارة إلى بقاء قنوات التواصل الدبلوماسى مفتوحة. فى المقابل، بدأت تداعيات الاحتجاجات تنعكس إقليميا ودوليا، خصوصا على أسواق الطاقة وحسابات الردع والتوازن فى الشرق الأوسط، ما يجعلها تتجاوز كونها أزمة داخلية إلى عامل مؤثر فى معادلات الأمن الإقليمى.

 

كأسباب للاحتجاج، يشكل الوضع الاقتصادى، بصفة عامة، المحرك الأكثر وضوحا. الى جانب العقوبات الدولية، أدى تدهور قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم وتقلص القدرة الشرائية وتراجع الخدمات العامة، إلى ضغط معيشى غير مسبوق على الطبقات الوسطى والفقيرة، وهى الفئات التى شكلت تاريخيا أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي. ومع تكرار الأزمات دون حلول مستدامة، تحولت المطالب من اقتصادية إلى مطالب بالعدالة الاجتماعية، وتحسين الحوكمة وتوسيع هامش المشاركة السياسية. والملاحظ ان طبيعة الاحتجاجات بدأت تتغير، بحيث أصبحت اكثر انتشارا جغرافيا ما يعكس فجوة ثقة حقيقية بين فئات المجتمع ومؤسسات الدولة. فى الوقت الذى ينتظر أو يتوقع فيه البعض تدخلا أمريكيا مباشرا فى الاحتجاجات الإيرانية، خاصة بعد تصريحات ترامب بخصوصها، لكن واقع الامر يقول إن الولايات المتحدة تنظر الى كل ما يحدث داخل إيران كأداة ضغط غير مباشرة على النظام، لا كمشروع لتغييره (النظام) من الخارج. إذا كانت أمريكا تقول إنها تدعم المحتجين، او حتى تستخدم ملف القمع لتبرير العقوبات او تشديدها، فإنها، فى المقابل، تتجنب الذهاب أبعد من ذلك، إدراكا منها أن إسقاط النظام الإيرانى عبر الشارع غير مضمون، وأيضا كون انهيار الدولة الإيرانية قد يولد فوضى إقليمية أخطر من بقاء النظام. لهذه الأسباب، على الأرجح، أمريكا توظف الاحتجاجات ضمن حسابات التفاوض حول البرنامج النووى والنفوذ الإيرانى فى المنطقة ليس اكثر. بالنسبة لإسرائيل، الأمر مختلف. هى تنظر للاحتجاجات من منظور أمنى بحت. هى ترى ان كل انشغال داخلى للنظام الإيرانى يعنى تراجع التركيز على دعم الحلفاء الإقليميين، وإبطاء محتملا للبرنامج النووى، وتآكل صورة «الردع» الإيراني. لهذه الأسباب، تبدو إسرائيل أكثر جرأة فى استثمار الاحتجاجات عبر خطاب سياسى وإعلامى علنى داعم للمحتجين، وتكثيف الحرب السيبرانية والاستخباراتية، وأيضا استغلال لحظات الارتباك الداخلى لتنفيذ عمليات دقيقة ضد أهداف إيرانية حساسة. هذا الاستثمار لا يعنى أن تل أبيب تراهن على تغيير النظام، بل على إضعافه وإبقائه تحت ضغط دائم. من هذا المنظور، يبدو ان أمريكا وإسرائيل تراهنان على إضعاف النظام الإيرانى وإبقائه تحت ضغط دائم. ويمكنهما، بشكل مباشر أو غير مباشر، زيادة كلفة الخيارات الإيرانية داخليا وخارجيا، وتقليص هامش المناورة الاستراتيجية لطهران، أو حتى فرض واقع تفاوضى أكثر صرامة، لكن ليس أكثر من ذلك. إيران، على الرغم من كل ما تمر به داخليا، تبقى دولة ذات مؤسسات أمنية وعسكرية متماسكة، وقاعدة اجتماعية لاتزال ترى فى النظام إطارا للاستقرار. فى تعاطيها مع الاحتجاجات، ربما سوف تلجأ طهران الى القيام بإصلاحات اقتصادية جزئية لامتصاص غضب المحتجين، وربما ستقوم ببعض الإجراءات الأمنية لكن دون تغييرات سياسية جوهرية. هذا يعنى إخماد الأزمة وليس معالجتها من جذورها. كسيناريو ثان، فى حال اتساع رقعة الاحتجاج، ربما يتجه النظام الايرانى الى تشديد القبضة الأمنية تصعيد الخطاب القومى، او حتى اللجوء الى تصعيد خارجى لصرف الانتباه عن الداخل. بين هذين الخيارين، يبقى خطر الانزلاق الى تحولات أعمق وأخطر واردا أيضا، خاصة إذا تفاعلت أكثر الضغوطات الداخلية مع الصراعات داخل النخبة وضغوط الخارج. إلى ان يتضح الوضع، تبقى تكلفة استمرار الاحتجاج ثقيلة سواء على الداخل الإيرانى أو على دول الإقليم. داخليا، استمرار الاحتجاجات يعنى استمرار الاستنزاف الاقتصادى والاجتماعى وتآكل الثقة بين الدولة وشرائح المجتمع، وزيادة اعتماد النظام على الأدوات الأمنية بدل الإصلاح. أما إقليميا، فالتوتر فى الداخل الإيرانى يعنى ارتفاع منسوب التوتر غير المباشر فى ساحات النفوذ (العراق، سوريا، لبنان، البحر الأحمر) وزيادة مخاطر الاشتباك بين إيران وإسرائيل. لا شك فى أن إيران أمام معادلة صعبة: إما معالجة جذور الأزمة بإصلاحات مؤلمة، أو إدارة الاحتجاجات أمنيا مع ما يحمله ذلك من استنزاف طويل الأمد وتداعيات إقليمية لا يمكن ضبطها بالكامل.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية