تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > هند سلامة > "صحاب الأرض".. والفن النظيف!

"صحاب الأرض".. والفن النظيف!

دائما ما يعاني أصحاب الفكر المتطرف من وعي زائف بالدين ومفهوم المواطنة.. في حقبة التسعينيات اختلق المتطرفون في مصر  مصطلح "السينما النظيفة" الذي خرج من وعيهم الزائف بالأخلاق والدين بضرورة أن تخلو الأعمال السينمائية من مشاهد جريئة فإذا قدمت أعمالا خالية من فن السينما، بحسب وصفهم، كانت عملا عظيما لمجرد أنها لم تتجاوز حدود الجرأة في طرحها الفني والتزمت بمعايير الطهارة والنقاء؛

واليوم خرجت علينا المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي مطالبة بضرورة أن يكون الفن "نظيفا" نفس المصطلح من نفس منطق التطرف والزيف وإعادة استخدام المصطلحات في غير سياقها الحقيقي؛

لكن الجرأة التي استفزتها وأمثالها في "صحاب الأرض" اتخذت مسارا آخر ومستوى رفيعا من الفن "النظيف"!..

فإذا شئنا إعادة تعريف مصطلح الفن النظيف في "صحاب الأرض"،  فهو فن خال من الزيف والتلفيق؛ مثقل بحقيقة مؤلمة غني بصنعة وحرفة عالية على كل المستويات؛ بدءا من اختيار أغنية تتر البداية إلى اختيار تتر النهاية "طاير يا هوى"؛ والموسيقى التصويرية المتشبعة بلحظات صمت ثقيلة لأمين بوحافة؛

خلق المخرج من الصمت بعدا دراميا آخر وقيمة كبرى لا تضاهيها حوارات مطولة. بدأت الأحداث بمشقة وصول طبيبة مصرية إلى أرض غزة كي تشارك الفريق الطبي بمستشفى "الوديان" في لحظات حرجة كادت تتعرض فيها للموت بينهم؛ تشاهد وتراقب بعين حزينة ونفس محطمة ما يحدث حولها؛ تعيش تجربة إنسانية شديدة القسوة والألم وكأنها شاهد عيان داخل قلب الحدث؛

تسير الدراما بتدفق شديد عندما تقابل "ناصر" الذي يكافح كفاحا مريرا لإنقاذ ابن أخيه "يونس"؛ تصبح هذه الطبيبة جزءا من قصص إنسانية كثيرة؛ السيدة العجوز التي ترفض تناول الدواء لحين ظهور حفيدها؛ والمرأة الحامل التي يبحث عنها الاحتلال؛ تسعى "سلمى" لإنقاذ الرضيع الذي قاومت أمه الموت حتى منحته الحياة.

يروي "صحاب الأرض" الحكاية من قلب فلسطين ووجدان مصر التي احتوت واحتضنت القضية؛ كل فرد بالعمل يحمل أبعادا ورمزية درامية؛ الأبطال ليسوا مجرد ممثلين رُسمت لهم خطوط درامية للمشاركة بالعمل؛ بينما حمل كل منهم رؤية لوجه آخر من المقاومة؛

قدم بيتر ميمي وفريق عمله ملحمة إنسانية عن قيمة الأرض والوطن ومعاني المقاومة التي تجسدت في "عم إبراهيم".. حارس الذاكرة والهوية التائه بفكره وصعوبة تعرفه على من حوله؛ لكنه أبدا لا يتوه عن أرضه؛ يحفظ شوارعها ومبانيها مثل كف يديه؛ فقد ذاكرته بالحاضرين لكنه لم يفقد ذاكرة أرضه وكأنها مطبوعة داخله لا يمحوها مرض أو زمن؛ هذه الشخصية في ذاتها تمثل عمق عقيدة الشعب الفلسطيني المتمسك بمكانه وأرضه وبيته حتى ولو هدم على رأسه.

نرى هذا الرجل المسن برغم ضعفه ووهنه يتمسك ببنايه مهدمة لا يرغب في التحرك منها كلما أخرجوه سعى للعودة إليها من جديد؛ هنا بيته وذكرياته وأهله ووطنه تجسدت فيه معاني المقاومة بأبعاد شديدة الإنسانية منذ لحظة فقدان الذاكرة القصيرة ورسوخ ذاكرة المكان وتاريخ حياته مع عائلته وكأن هذا الرجل هو ذاكرة الوطن؛ ثم يأتي إليه مجد الحارس الأمين لهذه الذاكرة والذي يشقى في الحفاظ عليها بمحاولة رعاية هذا الرجل المسن ومصاحبته في كل مكان؛ يتبعه مثل ظله وكأنه وهب نفسه لحمايته؛ يجسد مجد أحد دروع الحماية لهذه الذاكرة المتمثلة في عم إبراهيم والكاميرا التي يحملها لتسجيل كل لحظة؛ يصبح الوسيلة وهمزة الوصل بين واقع بلده المحتلة وعالم آخر لا يعلم عنها سوى مجموعة من الحقائق المزيفة؛ فهو من أعاد تشكيل وعي الصحفية الأمريكية بالقضية فتحولت من اعتبارهم مجموعة من الهمج والمخربين إلى أحد العيون الشاهدة على الحقيقة والكاشفة عن جرائم ارتكبت في حق أطفال ونساء وشعب كان آمنا مطمئنا؛ لا يجد أسبابا للسعادة لكنه يختلقها.

  لم يعتمد المؤلف والمخرج في تناول سرد حقيقة القضية الفلسطينية من وجهة نظر أصحابها على خطب رنانة أو عبارات حوارية جوفاء أو لحظات درامية تفتعل التضامن مع القضية؛ تحرر وتبرأ صناع "صحاب الأرض" من كل الأشكال النمطية المتبعة في تناول هذا النوع من القضايا شديدة الحساسية؛ انتصروا للدراما الخالصة أو الفن "النظيف" الخالي من شوائب الأشكال المكررة والملفقة.

تساءل بعض المشاهدين كيف ذهبوا للتصوير داخل غزة؟!..

بالطبع جاءت الإجابة والمفاجأة المدوية أن هذا الخراب لم يكن حقيقيا بل كان ديكورا تم بناؤه خصيصا من أجل العمل وأقيم التصوير داخل مصر بالكامل؛ أبدع صانعا الديكور محمد أمين وأحمد زهران.. في تصوير هذا الخراب.. بيوت محطمة احتفظت ببقايا وأثر من حياة أصحابها؛

بين هذا الحطام قد تجد بعضا من أغراضك وأغراض غيرك التي تعيد استخدامها وترميم ما تبقى منها؛ يحاول هؤلاء المقاومون الصامدون البحث عن أسباب للحياة داخل هذا الحطام وإعادة السكن فيه كل هذا أتقنه بحرفية وإبداع صانعي هذا الديكور الفخم في حرفة صناعته؛ لم يغفل صانعا الديكور ولو تفصيلة بسيطة؛ أعادا تجسيد واقع غزة داخل استوديوهات التصوير وكأنك في واقع الحدث بامتياز.لم يكن التصوير أقل حالا من الإبداع الفني في تصميم الديكور؛ الذي أسهم في إظهاره ومنحه تلك الضخامة والواقعية؛ مجموعة من الكادرات خرجت وكأنها لوحات فنية متقنة التنفيذ؛ كيف استطاع مدير التصوير حسين عسر أن يصنع جماليات بصرية من هذا الركام؟!.. عين ثاقبة تلتقط وتعيد صياغة الجمال بمفهومها الفني الخاص مثل الفنان التشكيلي الذي يصنع لوحة بديعة من واقع مرير.

انتهى العمل بالانتصار للحياة بل هو يمجد الحياة بالأساس؛ ولا يسعى إلى ترسيخ ثقافة الموت؛ من مشهد الفرح البديع الذي أقيم بين بيوت مهدمة إلى مشهد النهاية للطفل "يونس" الذي أعيدت له بسمة الحياة والأمل في المستقبل؛ لم يكن الممثلون هنا مجرد أبطال لعمل فني ضخم؛ بل هم جنود بواسل قدموا عملا بطوليا أسهم في ترسيخ وإعادة إحياء "القوة الناعمة" المصطلح الفضفاض الذي قد يبدو فيه شيء من الزخرفة أو المبالغة في وصف أثر الأعمال الفنية على الجماهير بينما أتى "صحاب الأرض" ليطيح بهذه الفكرة ويثبت أن الفن قوة باقية ذات أثر نافذ لا يخطأ إصابة الهدف.

هنا كان فريق العمل بالكامل مجموعة من القناصة اتخذ كل منهم موقعه الدرامي ليصيب هدفه كيفما شاء، منة شلبي؛ وإياد نصار؛ والفنان كامل الباشا؛ محمد يوسف "أوزو"؛ آدم بكري؛ تارا عبود؛ عصام السقا؛ روان الغابة؛ جوانا عريضة؛ لم يقدموا مجرد أداء تمثيلي بقدر ما قدموا وثيقة فنية ستبقى للتاريخ؛

قدمت كل شخصية أبعادها الإنسانية بمهارة وأداء رفيع؛ كانوا أناسا حقيقيين يحملون عبئا شعوريا وهما كبيرا في تحري الصدق والدقة لنقل هذه المعاناة؛ وكأنك تشعر بمعاناة الممثل ذاته في تحمل هذا العبء الشعوري الثقيل فلم يعتمد كل منهم على مهارته في حرفة ممارسة مهنة التمثيل بينما خرجت الشخصيات في تلقائية وعفوية وتدفق مع الأحداث؛ وكأنهم هم أصحاب القضية؛ عمل درامي ضخم كتب بذكاء وصدق اعتنى المخرج بأدق تفاصيله حتى في اختيار الجانب الإسرائيلي لم يخرج الإسرائيليون بصورة كاريكاتورية أقرب للسخرية؛ بينما خرجوا في صورتهم الحقيقية؛ وكشف عن وجه آخر بينهم الصراعات الداخلية بالجيش الإسرائيلي الذي انتهى بانتحار أحد ضباطه؛ وكذلك ضجر بعضهم بهذه الحرب والرغبة في إنهائها أصوات ربما لم تكن مسموعة أو مرئية خلق بيننا وبينها حجابا، أفصح العمل عن أحد جوانبها؛ "صحاب الأرض" وثيقة فنية أحيت قوة مصر الباقية من ماضٕ بعيد إلى حاضر مستمر.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية