تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > هند سلامة > "النص الثاني".. كتيبة الكوميديا وقائدها الأمين

"النص الثاني".. كتيبة الكوميديا وقائدها الأمين

دائما ما ينفرد الفنان أحمد أمين بتميزه في القدرة على صناعة الدهشة وهذا ما حوله من مجرد كوميديان عبر في هذه الحقبة الزمنية إلى صانع حقيقي؛ اتخذ من الكوميديا مسارا لنقد واقع وسلوكيات اجتماعية متكررة اعتدنا ممارستها بالحياة اليومية؛ وهو ما بدأه في برنامجه الأشهر "البلاتوه"؛ ليتدرج عالم الكوميديا الخاص به ويتطور في المحتوى وأسلوب التناول الساخر؛ صنع لنفسه مدرسة خاصة أغلق بابها عليه فأصبح لا ينافسه فيها أحد؛ يحاكي في التدقيق بفن الكوميديا مدرسة "المدبوليزم"؛ ليرفع من قدرها وشأنها ويمنحها قيمتها المهدرة بين الفنون الأخرى.

أن تأخذ الضحك على محمل الجد؛ متعة خاصة ينتهجها أمين في صناعة فن السخرية والفكاهة يسعى دائما لبناء عمل اجتماعي كوميدي فخم بمنتهى الجدية؛ لا يهتم بالضحك بقدر اهتمامه بالتفكير أثناء فعل الضحك؛ دائم التفكير في صنع قيمة مضافة وليس مجرد تقديم مادة للتسلية لمساحة من الوقت؛ اتضح هذا بجلاء في آخر أعماله الفنية "النص الأول والثاني" الذي قدم في جزأين على مدار عامين متتالين خلال شهر رمضان؛ في هذا العمل لا يتوقف أمين عن مفاجأة جمهوره؛ يسعى بدأب لتطوير محتواه الفني وتقديم أشياء قد لا تخطر على بال المشاهد ومنافسيه في نفس المجال.

من كتاب "مذكرات نشال" للكاتب أيمن عثمان الذي استوحى أجزاءه وأحداثه من المذكرات التي نشرها الكاتب الصحفي حسني يوسف في عشرينيات القرن الماضي؛ استوحى أمين أحداث مسلسله "النص" المأخوذ عن قصة حقيقية من وحي التاريخ من مذكرات النشال عبد العزيز النص تصف هذه المذكرات أحوال النشالين وأساليبهم في احتراف وتأسيس مدارس النشل؛ ووصل الأمر إلى حد تأسيس نقابة للنشالين في هذا الزمن؛ سعى المؤلفين الثلاث شريف عبد الفتاح؛ وعبد الرحمن جاويش؛ ووجيه صبري إلى تقديم توليفة كوميدية شديدة العمق والنباهه من صفحات التاريخ الثري بالأحداث والأخبار المثيرة عن هؤلاء النشالين؛ ليصبح هذا العمل الدرامي فوق التصنيف الكوميدي؛ بل هو توليفة جمعت بين الدراما الاجتماعية والكوميديا والتاريخ.

يقدم "النص" تشريحا اجتماعيا شديد الدقة والاتقان للحالة الاجتماعية والسياسية التي كانت عليها مصر في ثلاثينيات القرن الماضي؛ بدءا من الفروق الطبقية الشاسعة بين أفراد المجتمع؛ وتقسيمه إلى طبقات نبلاء وباشوات وصعاليك ومهمشون مرورا بالاحتلال الإنجليزي والحرب العالمية الثانية ودور عبد العزيز النص في مقاومة كل ما سبق.

يعيد هذا العمل تعريف وتفكيك صورة البطل الشعبي الذي يسعى لتحقيق العدالة بمنطقه الخاص وفلسفته التي تبناها من بيئة اجتماعية ظالمة في هذه الحقبة التاريخية؛ من واقع الفروق الطبقية الضخمة أفراد منعمين وآخرون يعيشون تحت خط الفقر أسس عبد العزيز النص فلسفته في احتراف مهنة "النشل" يأخذ من هؤلاء الأغنياء ما يحقق له الرضا والعدل ويقتسمه بينه وبين أقرانه الفقراء؛ لن يشقى غني إذا تمت سرقته بينما ماذا يجني من سرقة الفقراء أمثاله؛ هكذا صنع النص ميزان عدالته؛ رجل يحمل تناقضات نفسية وإنسانية كثيرة بين إيمانه ونزاهته تجاه أصدقائه والمساكين مثله؛ واحتياله وأساليب المراوغة والخداع في ارتكاب جرائم نشل متفرقة بطرق ملتوية يعقد لها خطط وتدابير محكمة؛ لص قرر أن يتوب ويعمل كمسري في مصلحة السكة الحديد؛ ثم يصطدم بسجن أخيه المناضل وهذا ما يحرضه على العودة إلى مهنته القديمة التي تفرد فيها وكان معلم كبير له مريدون في مجال النشل وأفراد يقتدون بمنهجه؛ يعود "النص" محملا بعبء تدبير أتعاب المحامي لأخيه ليفك كرب سجنه؛ يؤسس عصابته الصغيرة التي تشاركه تفاصيل جرائم النصب المتعددة؛ وتشاركه نفس العوز وأحلام الثراء لمجموعة أفراد يحيون على الهامش لكل منهم خلفيته ومأساته؛ تضع هذه العصابة  قوانين ومبادئ لمهنة النشل هم لا يعتدون على محافظ الفقراء وإذا وجد بتلك المحفظة أو بأخرى أوراق تخص حجج أراضي أو مصالح شخصية تتم إعادتها لصاحبها على عنوان منزله عن طريق البوسطة؛ بهذه المبادئ يؤسس النص قانون النشل النزيه!

ثم يجد نفسه متورطا باستدعائه لمهمة وطنية لحماية آثار مصر من النهب والسرقة وفي النص الثاني يستدعى لمواجهة الألمان بعد التعاون معهم والمكر بهم؛ ليتحول هو نفسه إلى بطل صاحب وجه آخر من النضال. 

تتبدل في هذا العمل صورة البطل الشعبي الذي اعتمد في مخيلة الوعي الجمعي على البطل قوي البنيان مفتول العضلات الأقرب "للفتوة" صاحب العصا الذي يفتك بعدوه؛ الذي يقود حملات ثورية لأخذ الحقوق؛ قد يدخل في معارك دامية للمطالبة بالعدالة ورفع الظلم وتحقيق المساواة؛ يضع هو نفسه قانونه الخاص في الثواب والعقاب ويكون صاحب صولات وجولات أسطورية في نصرة المظلوم ومعاقبة الظالم؛ لا يمتلك "النص" صفات هذا الفتوة صاحب العصا والقوة؛ أو ربما سخر العمل من فكرة "الفتوة" والبطل التقليدي الخارق في "النص الثاني" عندما أوكلت مهمة "الفتوة" لـ"زقزوق" الأصغر سنا والأقل تقديرا بين أفراد العصابة لسذاجته وصغر سنه وضخامة حجمه ومحدودية عقله فهو أقرب إلى هيئة طفل مراهق؛ وكأن العمل يعيد تعريف شكل البطولة الشعبية في سرديته الجديدة في شخصية "عبد العزيز النص" صاحب الدهاء والحيلة؛ عرض بالسخرية والتقريع فكرة البطولة القادمة من عالم الفتوات في صورة "زقزوق" وعلاقته الكاريكاتيورية بزوجه "الفحلة" وعصاه المعطلة عن القتال والحركة؛ ليعيد صياغة فكرة "الفتونه" والبطولة في سياق آخر أزاح عنها السمات الجسدية الخارقة واستخدام العنف لتحقيق العدالة؛ ليمنحها للأرفع قدرا وذكرا "عبد العزيز النص"؛ بطولة قادمة من مهارة عقلية وخفة يد؛ لص هارب من العدالة خارج عن القانون يسعى بالمكر والحيلة لكسب قوت يومه من هؤلاء الأغنياء الذي يرى أنهم لن يتأثروا أو يتضرروا إذا نقصت أموالهم وخزائنهم من بعض المال؛ وبالتالي تتبدل السردية لتصبح في صالح هذا اللص تمنحه القوة والبطولة القادمة في الأساس من حكمة تدبيره وقدراته العقلية وخفة يده في الحصول على ما يريد؛ مكررا سؤاله المحير والمراوغ دائما الذي ينهي به كل جدال أو قضية.. "أنتوا عارفين ليه سموني النص؟!".

بعيدا عن الصيغة التهكمية التي يطرح بها أمين هذا السؤال إمعانا في السخرية ولإضفاء البهجة في نهاية كل مشهد؛ يحمل هذا التساؤل المتكرر بإجابات متفرقة ومتناقضة جوهر غموض صاحبه؛ أنه دائم التلاعب والمراوغة والتخفي؛ من هذا السؤال العابر الساخر يلخص صناع "النص" السمة الأساسية لهذا البطل أو محور موقعه الدرامي في تكرار طرح السؤال دون الوصول إلى إجابة شافية؛ هنا تكمن قوته في القدرة الدائمة على التخفي والمراوغة؛ ثم يعيد استغلال هذه المهارات والقدرات العقلية وتوظيفها في شكل آخر من أشكال البطولة بمقاومة الاحتلال الإنجليزي والتلاعب بالألمان في الحرب العالمية الثانية؛ ليصبح صاحب دور وطني وبطولة صنع منه الخيال الشعبي شخص خارق حتى أصبح الأطفال وابنه نفسه يتمنون رؤيته وصنعوا له عروسة باسمه يلعب بها الأطفال ويتنافسون بسيرته بين بعضهم البعض.

أبدع المخرج حسام علي ومهندس الديكور في صناعة صورة واقعية لهذه الحقبة التاريخية سواء فيما يتعلق بحارة النشالين ومساكنهم وأوكارهم أو في تصوير معسكرات الإنجليز وبيوت الباشوات وشكل تواجد الألمان في النصف الثاني؛ انتقل بنا العمل إلى هذا العالم التاريخي الساحر وكأننا أصبحنا جزءا منه؛ عاش المشاهد مع النص وفريقه هذه الأجواء التاريخية متقنة الصنع التي نجحت في حكي أطراف القصة وجوانبها بروعة تصميم الديكور والملابس ولغة الحوار المستخدمة في ذلك الوقت سواء بين الطبقات الشعبية أو الطبقات العليا بالمجتمع؛ وكذلك التركيز على إبراز اللغة الخاصة بالنشالين أنفسهم فكانت لديهم ألفاظا ولهجة وطرق في النشل يديرونها بينهم مثل الطريقة "الأمريكاني" لا يعلمها سواهم؛ تفاصيل دقيقة اتقنها صناع العمل نجحت في العبور بنا بآلة الزمن إلى المكان موقع الحدث؛ كما اهتم المسلسل بشكل حصري بتقديم معلومات تاريخية يومية مع تتر النهاية في كل حلقة وتوضيح بعض الألفاظ أو العادات الغامضة في ذلك الوقت أو توثيق أحداث تاريخية حدثت بالفعل ليصبح هذا العمل مادة درامية دسمة جمعت بين حكي "حدوتة" عن طبقات اجتماعية مهمشة هشة تحمل مزيج من الفكاهة والأسى؛ وكذلك تقديم رؤية درامية للظرف السياسي والاجتماعي في ثلاثينيات القرن الماضي فهو عمل جمع بين الحسنيين الترفيه وبناء الوعي الغائب عن هذه الفئة المهمشة؛ من أغنية الحرافيش تتر البداية الذي بدأ حكي أبعاد هذه القضية؛ التتر الأكثر توفيقا في عرض أجواء المسلسل نجح في وضع المشاهد منذ اللحظة الأولى في حالة تأهب وبهجة باللحن الموسيقي وكلمات الأغنية وصوت المطرب هاني الدقاق؛ بينما أخفق صناع العمل في استبدال التتر بالنص الثاني؛ لم يناسب صوت حمزة نمرة مادة الدراما على الإطلاق ولا إيقاع الموسيقى واللحن والكلمات جاء اختيار تتر البداية بعيد كل البعد عن هذه الأجواء شديدة التميز والخصوصية.

لم يكتف أمين في أعماله بالبحث عن كوميديا اجتماعية مغايرة وخارجة عن المألوف بينما يسعى أيضا إلى تقديم مواهب جديدة وفتح مساحات لزملاءه سواء بتقديم كوميديانات جدد مثل طه دسوقي في "الصفارة" وميشيل ميلاد ودنيا سامي في "النص" وكذلك عبد الرحمن محمد "زقزوق" ومحمد ناصر؛ وإعادة اكتشاف مهارات أسماء أبو اليزيد ككوميديانة ماهرة في "رسمية" وكذلك حمزة العيلي "درويش" الذي شكل معه ثنائيا ناجحا على مدار حلقات "النص الأول" وبعض حلقات "النص الثاني" ثم الفنان صدقي صخر؛ وكذلك إعادة اكتشاف الفنانة بسمة في دور نادية ومساعدها الألماني المزيف؛ وظهور بعض الوجوه التي تركت بصمات بالنص الثاني رغم صغر حجم الأدوار الموكلة إليهم مثل شريهان الشاذلي؛ وليد عبد الغني؛ عارفة عبد الرسول؛ أحمد السلكاوي؛ ليلة مجدي؛ أوتاكا؛ أحمد رضوان؛ وصالح عبد النبي؛ وبالتالي خلق أمين كتيبة من الكوميديانات بعضهم يحترفون الكوميديا بالأساس وآخرون مهرة في لعبها بحرفة عالية؛ ليتحول هذا العمل من أسطورة البطل الوحيد "أحمد أمين" نفسه إلى بطولة جماعية؛ مجموعة من الكورس اصطفوا جنبا إلى جنب قائدهم الأمين ليقدموا لنا مقطوعة درامية عذبة اللحن جمعت بين خيال مؤلفيها وأحداث تاريخية واقعية ليمتزج هذا الواقع بالخيال وينتج لنا عملا فنيا كبيرا سيبقى في ذاكرة الدراما المصرية سنوات قادمة؛ "النص" عمل درامي سيعود المشاهد المصري لمشاهدته مرارا وتكرارا؛ هو أقرب إلى الأعمال التي بقيت في وجداننا نستمتع برؤيتها ونشتهي إعادتها.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية