تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > هاني لبيب > خطاب السيسي فى ليلة القدر.. رسائل سياسية ضد «تديين» المجال العام

خطاب السيسي فى ليلة القدر.. رسائل سياسية ضد «تديين» المجال العام

فى المناسبات والاحتفاليات الكبرَى، لا تكون كلمات القادة والرؤساء.. مجرد خطابات بروتوكولية؛ بل تكون فى العديد من الأحيان.. فرصة لإطلاق رسائل وتصريحات ثقافية وسياسية مهمة، وغالبًا ما تصاغ بلغة رمزية.. تتناسب مع طبيعة الحدث. هذا ما يمكن ملاحظته بوضوح فى كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال احتفالية ليلة القدر فى 16 مارس 2026. جاء الخطاب فى ظاهره احتفاءً بمناسبة دينية، غير أن مضمون ذلك الخطاب.. حمل مجموعة من الرسائل المرتبطة بالشأن الداخلى المصرى وبالتحولات الإقليمية وتحدياتها غير المسبوقة، إلى جانب دلالات.. تؤكد حرص الدولة المصرية على إدارة المجال الدينى فى سياق المجال العام.

تكمن أهمية خطاب الرئيس السيسي فى أنه يجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة ومتقاطعة. الرسائل السياسية المباشرة، والكلمات المُعبرة القائمة على التكرار الرمزى، والسياق العام.. المتعلق بحضور الدين فى الفضاء المصرى العام. وعبر هذه المستويات؛ يمكن قراءة الخطاب وتحليله.. بوصفه جزءًا من تصور شامل لدَور الدين وحضوره فى تشكيل الهوية المصرية العامة. 

 خطاب إنسانى بمدخل سياسى.. 

حمل الخطاب الرئاسى.. لغة إنسانية بسيطة مرتبطة بمكانة ليلة القدر. استدعى فيها المعانى الدينية المرتبطة بالسلام والأمان. وهو مدخل لا يقتصر على مجرد كونه إطارًا احتفاليًا؛ بل يمثل مساحة رمزية.. تسمح بطرح قضايا سياسية فائقة الحساسية.. بلغة أخلاقية تتسق مع طبيعة الاحتفالية. 

اعتمد الخطاب على الربط بين المعانى الإنسانية، على غرار: السلام والصبر والعمل. وبين التحديات الحقيقة التى تواجه الدولة المصرية. هذا الربط يمنح الرسائل السياسية بُعدًا إنسانيًا.. يتجاوز نطاق الجدل السياسى المباشر إلى مجال القيم والمبادئ العامة. 

 إدارة التحديات.. 

من أبرز الرسائل التى تضمنها الخطاب.. التأكيد على ضرورة الصبر فى مواجهة التحديات والأزمات التى يواجهها المجتمع المصرى. وقد جاءت الإشارة إلى أن المرحلة الراهنة.. تتطلب عزيمة واستمرارًا فى العمل فى سياق الحديث عن مشروع بناء الدولة. وهى صياغة؛ تعكس إدراكًا رسميًا لوجود ضغوط اجتماعية واقتصادية.. يواجهها المواطن المصرى، وهو ما يؤكد على أن الخطاب.. يتناول هذه الضغوط باعتبارها جزءًا من مرحلة انتقالية ضمن مشروع أكبر لبناء الجمهورية الجديدة.. دولة 30 يونيو. ولذا من الطبيعى أن يربط الخطاب بين التحديات الحالية وإنجازات المستقبل ومكاسبه من خلال منطق الاستثمار طويل المدى فى البنية الاقتصادية والتنموية للدولة المصرية. 

 تثبيت دور مصر الإقليمى.. 

ضمن الرسائل التى حملها الخطاب.. ما يتعلق بالموقع الإقليمى لمصر. وهو ما تأكد من خلال دعوة الرئيس إلى وقف التصعيد وحقن الدماء والانخراط فى مفاوضات جادة لإنهاء الصراعات، وهو خطاب يتطابق مع التوجه التقليدى للسياسة الخارجية المصرية التى تسعى إلى التمسك بموقفها.. كطرف داعم للاستقرار الإقليمى. 

فى هذا السياق جاءت العبارة المقدرة «رسالة سلام من أرض السلام فى ليلة السلام». وما حملته من تكرار متعمد لمفهوم السلام.. الذى جاوز الإيقاع البلاغى لنص الخطاب، إلى ترسيخ فكرة أن مصر تتمسك.. بتثبيت مكانتها كقوة إقليمية تسعى إلى التهدئة وإدارة النزاعات، بدلاً من الانخراط فى حالة الاستقطاب الحاد الذى يشهده الإقليم. 

 القوة الناعمة والهوية الحضارية.. 

تناول الخطاب.. مبادرة «دولة التلاوة»، وحمل دلالة تتجاوز الاحتفاء بالتراث الإسلامى المصرى. يستدعى الخطاب.. تاريخ المَدرسة المصرية فى التلاوة باعتبارها أحد مظاهر القوة الناعمة التى شكلت حضور مصر الثقافى والدينى فى العالم على مدار سنوات طويلة. 

اللافت أن الخطاب لم يكتفِ بتناول هذا التراث والإشارة إليه؛ بل استخدمه كبداية.. انطلاق لسلسلة من المفاهيم المتصاعدة؛ حيث تحدّث عن حلم المستقبل.. «دولة العلم» و«دولة الإبداع والاختراع» و«دولة الفصاحة». هذه الطموحات التى تمثل انتقالاً رمزيًا من المجال الدينى المحدد إلى المجال الحضارى الأشمل.. وكأن الخطاب يطرح تصورًا مستقبليًا لمشروع ثقافى متكامل يستند إلى التراث دون أن يقتصر عليه وحده. 

 بلاغة التكرار.. 

الملاحَظ فى خطاب ليلة القدر.. اعتماد نَصه على تعبيرات بلاغية.. مرتكزة على التكرار المقصود، وهو أسلوب معروف فى الخطابات السياسية لترسيخ المعانى فى وعى العقل الجمعى المصرى. 

المعنى الأول.. تمثل فى تكرار مفهوم السلام ثلاث مرات فى جملة واحدة، وهو ما يدعم الرسالة المرتبطة بالدور الإقليمى المصرى. والمعنى الثانى.. تمثل فى تكرار مفهوم الدولة عبر صور متعددة، دولة التلاوة، ودولة العلم، ودولة الإبداع والاختراع، ودولة الفصاحة.. مما يخلق تصورًا ذهنيًا لمشروع حضارى شامل. أمّا المعنى الثالث؛ فجاء فى ختام الخطاب من خلال التكرار الثلاثى لشعار ثورة 30 يونيو «تحيا مصر». وهو أسلوب.. يمنح الخطاب نهاية تدعم وتؤكد الشعور بالوطنية المصرية. 

 تديين المجال العام.. 

فى تقديرى؛ أن فهم هذا الخطاب يظل غير مكتمل.. إذا تم عزله عن سياق أكبر.. يتعلق بطبيعة حضور الدين فى المجال العام. الإشارة إلى مبادرات مثل «دولة التلاوة».. تعكس توجهًا متزايدًا نحو إبراز الرموز الثقافية الدينية فى الفضاء المصرى العام. وهو التوجه الذى أثار ويثير نقاشًا وجدلاً ملحوظًا فى الأوساط الفكرية.. حول ما إذا كان ما سبق؛ يمثل تديينًا للمجال العام أمْ أنه مجرد إدارة ثقافية منضبطة وجديدة للحضور الدينى فى المجتمع المصرى. 

يشير تديين المجال العام فى التحليل السياسى إلى زيادة حضور الخطاب الدينى برموزه فى المجال العام.. بحيث يصبح جزءًا من تشكيل الهوية الوطنية. وفى الحالة المصرية، يظهر هذا الحضور من خلال البرامج الدينية الكبرى والاحتفالات الرسمية والخطاب الذى يربط التراث الدينى بالهوية الوطنية. 

هذا التصور.. يختلف عن التدين الأيديولوجى الذى اعتنقته بعض حركات الإسلام السياسى، والتى حولت الدين لمرجعية مباشرة للحكم. وأعتقد أن ما جاء فى خطاب الاحتفالية.. يؤكد على أن النموذج المصرى أقرب إلى ما يمكن وصفه بإدارة الدولة لفكر وخطاب دينى منضبط داخل المجال العام؛ حيث يظل الخطاب الدينى حاضرًا، ولكنه يتفاعل ويشتبك ضمن إطار وطنى وثقافى تحدده مؤسّسات الدولة المصرية.

 مبادرات دينية وفكرية..

فى هذا السياق؛ يمكن فهم مبادرات مثل «دولة التلاوة» بوصفها جزءًا من محاولة لإعادة تفعيل القوة الناعمة الدينية لمصر. كما أن إحياء المدرسة المصرية فى التلاوة لا يهدف فقط إلى الاحتفاء بالتراث؛ بل يسعى أيضًا إلى تقديم نموذج دينى معتدل ومنضبط.. يعكس صورة ثقافية للدين مرتبطة بالجماليات والروحانية.. بعيدًا عن كل اشكال خطابات الكراهية والتطرف والتعصب والتشدد والطائفية.

الدعم الحقيقى للبعد الثقافى لإدارة المجال الدينى.. يمكن أن يسهم فى مواجهة الخطابات المتشددة عبر استعادة المرتكزات الحضارية المصرية؛ ثقافيًا وفكريًا ودينيًا. ومع التركيز على أن الرمزية الثقافية للدين.. قد تمنح المجال العام حضورًا دينيًا قويًا؛ بشرط أن يتواكب بالضرورة مع هذا الحضور.. إصلاح أساسى فى البنية الفكرية والمؤسّسية للمجال الدينى.

 نقطة ومن أول السطر..

خطاب ليلة القدر.. لم يكن مجرد تهنئة دينية؛ بل مجموعة من الرسائل السياسية والثقافية والفكرية والدينية على مستويات متعددة. جمع الخطاب بين ثلاث رسائل رئيسية.. إدارة التحديات الداخلية عبر تأكيد قيم الصبر والعمل. وتثبيت دور مصر الإقليمى.. كقوة داعمة للاستقرار. وإعادة التأكيد على القوة الناعمة الثقافية والدينية للدولة المصرية.

عكس الخطاب توجهًا.. يتعلق بكيفية حضور الدين وإدارته فى سياق المجال العام المصرى؛ حيث يجرى توظيف الرموز الدينية والتراث الثقافى فى صياغة خطاب وطنى يربط بين الهوية الدينية والهوية الحضارية للدولة المصرية.. دون أى شكل من أشكال توظيف الدين واستخدامه واستغلاله.

فى اعتقادى؛ خطاب ليلة القدر هو جزءٌ من محاولة إعادة رسم صورة مصر داخليًا وخارجيًا، عبر المزج بين الرمزية الدينية والرسائل السياسية، فى لحظة إقليمية ودولية.. تتسم بتعقيدات متزايدة وتحولات عميقة غير مسبوقة فى طبيعة التوازنات السياسية والثقافية فى الإقليم.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية