تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > هاني لبيب > التلاعب بالمقدسات فى عصر المحتوى الرقمى!

التلاعب بالمقدسات فى عصر المحتوى الرقمى!

المنصات الرقمية.. أصبحت القوة المؤثرة فى صياغة وعى الشعوب، ولم يعد الخطأ الإعلامى مجرد زلة لسان أو موقف عابر.. يمكن تجاوزه بسهولة، هذا ما ينطبق على ما قدمته ريهام عياد فى إحدى حلقات برنامجها «القصة وما فيها» الموجود على اليوتيوب والفيسبوك والانستجرام، لم يستدعِ فقط موجة انتقادات، بل أثار جدلًا أعمق عن علاقة الإعلام بالدين، وتحول المعرفة إلى مادة أولى للطرح والترويج.

 

للوهلة الأولى فى مثل هذه البرامج، تبدو الأحداث التاريخية والنصوص الدينية كموضوع يمكن معالجته بسرعة، وذلك بهدف جذب المشاهدات للوصول لتحقيق التريند.. ليس بهدف الفهم أو النقاش الحقيقى، بل بهدف التفاعل السريع.  

وقد يتفاقم الأمر حتى يتجاوز حدود الجدل المعلوماتى.. ليمتد إلى أمور تتشابك مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، بل وتستغل فى سبيل تأجيج مناخ سياسى وصراعات.. تستغل مظلة الدين، والتى تصل فى بعض الأحيان إلى حالة «الحروب الدينية». 

 الخطأ ليس هو المشكلة.. 

الخطأ فى حد ذاته يمكن أن يحدث لأى إعلامى أو كاتب، ولكن ما تتميز به الحالة الراهنة هو عدم وجود منهجية والتزام معرفى فى استخدام المعلومات أو الاستناد إلى المصادر المرجعية الموثقة.. خاصة حين يتعلق الأمر بنصوص ومعتقدات.. تعد ضمن ثوابت وجدان المجتمع المصرى. ما أثير فى برنامج «القصة وما فيها» من جدل بسبب بعض التصريحات حول النبى إرميا والملك سليمان.. ارتبط بخطأ فى التسلسل الزمنى. كلاهما شخصيتان محوريتان فى النصوص الدينية. غير أن النبى إرميا عاش بعد بناء الهيكل وليس قبله، وشهد دمار الهيكل الأول فى القرن السادس قبل الميلاد. بينما ينسب بناء الهيكل فى النصوص إلى عهد الملك سليمان فى القرن العاشر قبل الميلاد. هذا الفرق ليس مجرد اختلاف هامشى، بل جوهرى فى فهم النصوص وسياقها. 

غياب المنهج العلمى هنا.. يعنى ببساطة أن كل معلومة يمكن تقديمها كحقيقة مطلقة، بغض النظر عن صحتها التاريخية أو الدينية. وهو ما يترك صورة مشوشة لدى الرأى العام عن الأحداث الأساسية التى يفترض أن تكون محل اتفاق بين مختلف الثقافات والأديان. 

 الثابت والمتغير.. 

من الضرورى فهم أن النصوص الدينية، ليست مجرد جمل سابقة التجهيز.. يمكن التعامل معها بمعزل عن سياقها التاريخى. كما أن علم نقد النصوص هو مجال أكاديمى واسع يعالج تطور النصوص عبر الزمن من خلال مقارنة المخطوطات ودراستها فى سياقها التاريخى واللغوى والثقافى. أهم نتائج هذا العلم.. تكمن فيما كشفت عنه تحديدًا مخطوطات البحر الميت، والتى كشفت أن نصوص العهد القديم للكتاب المقدس.. كانت متداولة قبل الميلاد بقرون، وأن هناك تطابقًا ملحوظًا مع النسخ اللاحقة، ومع وجود اختلافات طفيفة جدًا فى بعض الكلمات أو الترتيب.  

وهذا يشير إلى أن النصوص لم تكتب على المزاج أو فى فترات حديثة، ولكنها ظلت كما هى.. دون أى عملية تعديل أو تطوير.المنهج العلمى لا يستخدم كخط دفاع عن النصوص فحسب، بل كوسيلة لفهم.. عدم اختزال النصوص الدينية إلى شعارات مبسطة.. لأنه حين يغيب هذا الفهم، يصبح أى حديث عن تحريف الكتاب المقدس أو الكتابة المتأخرة حرفيًا مجرد مزاعم ساذجة، لا سياق لها ولا أى سند علمى. 

هيكل سليمان.. 

لا يمكن الحديث الدينى عن تاريخ بنى إسرائيل دون الرجوع إلى نصوص متعددة، سواء فى التقاليد اليهودية أو حتى فى المسيحية أو الإسلام، حيث يشار إلى عدد من الأحداث والشخصيات المشتركة بينهم، ومنها ما يتعلق بـهيكل سليمان. 

النصوص الدينية فى العهد القديم تؤكد أن الهيكل.. تم بناؤه فى عهد الملك سليمان، وأنه كان مركز العبادة والهوية الوطنية، التاريخ يؤكد بدوره أن الهيكل الأول تعرض للدمار على يد البابليين، وأن الهيكل الثانى تم بناؤه بعد ذلك، قبل أن يتم هدمه مرة أخرى، ومن الخطأ أيضًا ربط كل الحفريات أو البقايا الحالية مباشرة ببناء الهيكل لأن الأبحاث الأثرية.. تشير إلى أن الأساسات السفلى للجدار الغربى المعروف اليوم بـ«حائط البراق» تعود إلى عهد الملك هيرودس فى القرن الأول قبل الميلاد، بينما الإضافات العليا للجدار.. تعود إلى فترات لاحقة، بما فى ذلك العهد العثمانى. وهو ما يعنى أن مواقع العبادة القديمة فى القدس.. مرت بطبقات زمنية متعددة، وكل طبقة تحمل مؤشرات خاصة بها.. لا يمكن تجاهلها أو اختزالها فى تفسير واحد فقط. 

 الدين والسياسة.. 

حين يتحول الدين إلى مادة لتحقيق التريند، يتحول التاريخ إلى أداة للتوظيف السياسى، وتستخدم المعتقدات كشعارات جاهزة لتأجيج الصراعات فى بيئة إعلامية.. تتفاعل مع الأحداث العالمية من خلال خطابات سريعة التكوين والتأثير، تصبح كل معلومة بغض النظر عن صحتها.. وقودًا محتملًا فى حروب الخطابات الدينية الموجهة والصراع بين أتباعها. 

فى مناخ.. تأجيج الحروب الدينية والصراعات بين الحضارات، قد يعاد فهم النصوص القديمة أو بعض أحداث التاريخ خارج سياقها، لتستخدم فى إثارة الانفعالات أو دعم المواقف التى تستهدف تحقيق مكاسب سياسية. هنا يتحول الخطأ المعرفى إلى خطر مجتمعى. 

حين تستخدم المعلومات المغلوطة لتغذية روايات الصراع بين الشعوب والطوائف والأديان، لن يكون الخطأ فرديًا، بل يصبح جزءًا من منظومة تؤثر فى توجهات الجماعات وهويتها الدينية والفكرية. 

تحدى المقدسات.. 

لا يمكننا هنا تجاهل أن هناك بعض صياغات الطرح الإعلامى.. تتبنى السخرية من الروايات أو الرموز الدينية. وهى مسألة.. تتجاوز مجرد الخطأ المعرفى إلى مساحة محرمة من احترام الرموز التى تمثل الوعى الجمعى للمجتمعات وتشويها. 

ازدراء الأديان والسخرية منها.. لا ينتج معرفة حقيقية، بل يشَكل حاجزًا مسبقًا أمام أى فرصة للحوار بين أتباع الأديان. النقد الحقيقى لا يقوم على التسفيه والاستهتار، بل على التحليل المستند على الدلائل والسياقات. النقد العلمى.. يتطلب تقديم الأدلة وتفسيرها وفهم سياقها التاريخى والفكرى، ثم توقع الاستنتاجات، وهو ما يختلف تمامًا مع تقديم أى فكرة بطريقة تهكمية.. تختزل فيها النصوص والمقدسات باعتبارها مجرد مادة للضحك أو الاستفزاز. 

  الإعلام المسئول.. 

الإعلام ليس مجرد منصة لعرض الآراء أو طرح الأسئلة، بل هو أحد أهم وسائل.. إنتاج المعرفة، وحين يغيب الالتزام بالمحتوى المعرفى، يتحول من وسيط للمعرفة إلى ناقل سريع للجهل والتدليس، وهى حالة لا تقتصر فقط على من يتابع حلقات هنا أو مقاطع هناك، بل برصد ما يحدث من تغيير فى بنية العقل الجمعى.. لأن المحتوى السريع الآن هو المصدر الأول للمعرفة لدى فئات واسعة.. خاصة من الشباب. 

المفارقة هنا، أن هذه الحالة من المعلومات المضللة.. تتسبب فى وجود مناخ جديد من المفاهيم المغلوطة التى تتعاظم فيها الفجوة بين ما يعتقد من جهة، وما هو موثق تاريخيًا وعلميًا من جهة أخرى، وما يترتب على ذلك من تعظيم أى خطأ إعلامى بسيط.. طالما كان متعلقًا بالدين أو التاريخ.. وما ينتج عنه من تبعات بعيدة المدى.. تتعلق بصياغة فهم الجيل القادم لذاته ولعالمه. 

  ليست مجرد حالة.. 

بوضوح شديد دون أى مواربة.. الأزمة ليست فى حلقة محددة، ولا فى شخص بذاته، بل فى هذا النموذج الذى يتصدر يوميًا فى محتوى الإعلام الرقمى. نموذج يفخم السطحية، ويعاقب البحث، ويقدم الوهم بثقة عالية. الخطر الحقيقى هنا.. ليس أن يخطئ الإعلامى، بل أن يقدم الخطأ كحقيقة، ويفرضه على الرأى العام. 

عندما يصبح «التريند» معيارًا لجودة المحتوى، و«اللايك» معيارًا للصحة، و«الانتشار» معيارًا للمعرفة، فإننا لا نفقد فقط دقة المعلومات، بل نفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الصواب والخطأ، وبين التحليل العلمى وسيطرة الغيبيات، وبين البحث العلمى وفوضى التاريخ. 

  نقطة ومن أول السطر.. 

يبنى الإعلام والثقافة.. العقل الجمعى للمجتمعات الواعية والقادرة على التفكير النقدى. ولكن حين يستهلك الدين والتاريخ.. كمادة قابلة للتصفية والتبسيط المخل، يتحول هذا الاستهلاك تدريجيًا إلى تهديد للوعى والعقلانية نفسها. يحتاج التعامل مع الدين إلى احترام نصوصه وسياقها، والتعامل مع التاريخ يحتاج إلى التعامل مع الأدلة العلمية والتسلسل الزمنى، والتعامل مع الرأى العام.. يحتاج إلى احترام قدرته على التحليل، دون الاعتماد على التصورات المسبقة لثقافة الاستهلاك الثقافى السريع فقط. 

اللعب بالدين.. هو اللعب بالنار التى لا تضر المعتقدات فقط، بل تهدد الهوية الثقافية بصفة عامة، وفى عالم لا ضوابط  له.. يمكن أن يسهم ببساطة فى تأجيج صراعات ليس لها علاقة بالحقيقة التى تستهدفها النصوص الدينية أو التاريخ. ولذلك فإن التحدى الحقيقى ليس ضد خطأ واحد، بل ضد ثقافة الجهل.. التى تنتشر دون أى مقاومة تذكر.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية