تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > هاني عسل > «الاحتشام» و«غض البصر» .. أيهما أولا؟

«الاحتشام» و«غض البصر» .. أيهما أولا؟

أيغض الرجال أبصارهم؟ أم تحتشم النساء أولا؟ أيهما يأتي أولا؟! نفس قضية البيضة والفرخة؟! هي ليست «عزومة»، و»من سيبدأ»! فلا احتشام المرأة يضمن غض بصر الرجل. ولا غض البصر والاحتشام معا كفيلان بحل المشكلة. أو بعبارة أخرى. هل المرأة المحتشمة «آمنة» تماما من التحرش؟ أم أن وقائع التحرش لا تفرق بين أنثى وأخرى؟ وهل الاحتشام معناه بالضرورة أنثى مثالية السلوك؟

 

وفي المقابل. من قال إن عدم الاحتشام مبرر قانوني أو أخلاقي للتحرش بحق أي امرأة؟ يعني إذا لم تكن المرأة محتشمة، هل يصبح هذا السلوك مقبولا، ومباحا، بل ومطلوبا، بهدف إشعارها بأنها ليست على ما يرام؟! هل عندما أمرنا الله بغض البصر، كان ذلك مقصودا منه عدم النظر إلى المرأة المحتشمة فقط، يا من تتحدثون عن «الملبس»، أم أن غض البصر مطلوب في جميع الحالات؟

أسئلة تبحث عن إجابات. وقضية تثير جدلا كبيرا، و«صداعا» أيضا، لكثرة ما وراءها من تفاصيل وكواليس وخلفيات، ولتعقد وتشابك «نيات» الجناة والضحايا، ما بين البراءة، وادعاء الطهر، والتمسح بالدين، واختلاف كل واقعة عن الأخرى، من حيث الأسباب والدوافع، والنتائج أيضا. قبل عدة أشهر، تحرش شبان على طريق سريع بفتاة تقود سيارتها، فتسببوا في وقوع حادث مروع لها. وقبل أيام، اتهمت فتاة شابا بالتحرش بها، بل وسرقتها، والواقعة معروضة على جهات التحقيق، لتبيان ما إذا كان الشاب متحرشا، والفتاة ضحية، أم إذا كان الشاب بريئا، والفتاة تختلق واقعة. ولكن القضية ليست في الملبس، ولا في غض البصر.

الحقيقة تقول إن النساء يتعرضن لمتاعب كثيرة في الأماكن العامة والمواصلات، بصورة توحي وكأن المرأة مخلوق «مرفوض» و«منبوذ» لدى البعض، لأسباب كثيرة تتعلق بتنشئة خاطئة أو تربية غبية أو خلفية دينية مشوهة ومشوشة. ليس هذا انحيازا للمرأة، ولكن الواقع يقول ذلك. قبل أن نتحدث عن الملابس والاحتشام .. لماذا تشعر المرأة دائما بأن وجودها في الشارع أو في مكان الدراسة أو العمل، أو حتى في داخل الأسرة نفسها، غير مرغوب فيه؟ كم امرأة نهب ذووها حقوقها في الميراث؟ كم فتاة تعرضت لمعاكسة أو أكثر وهي في طريقها للمدرسة أو الجامعة؟ كم امرأة اضطهدت في مكان عملها ومعها عبارة «إنتي ما تنفعيش .. إنتي ست»؟ كم امرأة سمعت في وسائل المواصلات من يقول لها: «عاملين زحمة .. اقعدوا في بيوتكم»؟ كم امرأة قادت سيارتها، واستمعت إلى اللعنات التقليدية لـ«اللي علمكم السواقة» و«اللي اشتراها لك»؟ هل هذا معقول؟! هل هذه السلوكيات تليق بدولة متحضرة بقدر مصر؟

هل ما يحدث بين الحين والآخر يجوز في مجتمع يدعي التدين، بل ولا تأتي وقائع التحرش فيه إلا ممن يزعمون التدين؟ هل مصر، بلد نفرتيتي وحتشبسوت وهاجر وامرأة فرعون وشجرة الدر وأم كلثوم، وموطن الملكات والوزيرات والقاضيات والسفيرات، تستحق أن يتم التعامل فيها مع المرأة بهذا القدر من الضغينة؟ في الواقع، أستمع منذ سنوات إلى أحاديث ومقاطع دينية لبعض دعاة «بير السلم»، يحرضون فيها صراحة على بروتوكول للتعامل بعنف و«سفالة» مع أي مرأة غير محتشمة، وكأن المرأة المحجبة أو المنتقبة بعيدة عن وقائع التحرش. وأرى أن هؤلاء يجب أن يقدموا إلى المحاكمة فورا. حتى قضية جلوس المرأة في المنزل تحتاج إلى إعادة نظر.

في زمننا هذا، لا تنزل المرأة المصرية من بيتها، ولا تتأخر خارجه حتى ساعات الليل، لـ«الفسحة» أو «الترفيه» أو «السرمحة»، كما يعتقد المتحرشون، بل تفعل ذلك سعيا وراء «لقمة العيش». فهي إما في طريقها من أو إلى مدرسة أو جامعة، أو مكان عمل.

وربما كانت في طريقها من أو إلى علاج طفلها، أو عيادة مريض، أو رعاية أم مسنة، أو صلة رحم. المرأة في مصر هي الأم والأب و«الكل في الكل»، ومسئولية المنزل والزوج والأولاد ملقاة دائما على عاتقها. ونزولها إلى الشارع والعمل والتسوق، واستخدامها المواصلات، بل وارتداؤها بعض الملابس «العملية»، أمر لم تختره هي، ولكنها ظروف تعيشها، ومفروضة عليها. المرأة المصرية في حركتها خارج المنزل، لأي سبب، وبأي ملابس، لا تستحق أن تسمع كلمة مسيئة، أو تتعرض لسلوك فظ، أو لعبارات «استظراف». تحتاج فقط إلى «قبول» لوجودها ودورها أولا، وبعد ذلك، يأتي الاحترام و«الذوق»، والدعم والمساندة أيضا، إذا لزم الأمر. لأنها باختصار «مش ناقصة». استقيموا» يرحمكم الله.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية