تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

من يقتفي أثر الرئيس؟

سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن، ليس من باب الجدل ولا المكايدة، وإنما من باب القلق الصادق على المسار والمصير: من يقتفي أثر الرئيس؟ ومن يسير فعلًا على ذات الطريق الذي اختاره رأس الدولة طريقًا للإصلاح والبناء والتجرد والعمل من أجل الله والوطن؟
@@@
حين ننظر إلى المشهد العام، نجد رئيسًا يعمل بلا كلل، يتحرك في كل الاتجاهات في آنٍ واحد، يفتح ملفات كانت مغلقة لعقود، ويتعامل مع الدولة باعتبارها كيانًا حيًا متكاملًا لا جزرًا منعزلة. رؤية شاملة، وإرادة سياسية واضحة، وسعي دؤوب لتثبيت أركان دولة حديثة قادرة على الصمود والمنافسة. لكن السؤال المؤلم: هل يواكب هذا الجهد الرئاسي جهدٌ مماثل من بقية المسؤولين في مواقعهم المختلفة؟
@@@
بحكم الاحتكاك اليومي بمختلف فئات المجتمع ومستوياته، تتكشف صورة غير مريحة لحالة من التفتت التوعوي والتشرذم الثقافي وغياب الرؤية لدى عدد غير قليل من المسؤولين. الأخطر من ذلك ليس غياب الكفاءة وحدها، بل غياب الإحساس بالصورة الكاملة للدولة. كثيرون يرون أنفسهم فقط داخل الإطار، لا ينظرون إلى الإطار نفسه. المنصب عند بعضهم غاية لا وسيلة، والوظيفة امتياز لا تكليف، والكرسي مركز صورة لا مركز مسؤولية.
@@@
تجد مسؤولًا لا يرى أبعد من حدود مكتبه، ولا يهتم إلا بترتيب أخباره وصوره وتصريحاته، في حين تتراجع أخبار المؤسسة نفسها إلى المرتبة الثانية، وتغيب مصلحة الدولة كليًا عن الحسابات. لا يسأل: ماذا تفعل الجهة المجاورة؟ ولا كيف نكمل بعضنا البعض؟ ولا أين تتقاطع اختصاصاتنا؟ ولا كيف نخدم الهدف الوطني الأكبر؟ وكأن الدولة ليست منظومة واحدة، بل كيانات متجاورة لا رابط بينها إلا الجغرافيا.
@@@
وهنا يبرز التناقض الصارخ: رئيس ينظر بعين تلسكوبية بعيدة المدى، ومسؤولون كثر ينظرون بعدسة ضيقة لا ترى إلا التفاصيل الصغيرة، بل أحيانًا الذات فقط. الرئيس يتعامل مع موقعه باعتباره رسالة تاريخية، بينما يتعامل البعض مع مواقعهم باعتبارها وظيفة إدارية تنتهي بانتهاء الدوام. الرئيس يتحرك بمنطق “الدولة أولًا”، بينما يتحرك آخرون بمنطق “المنصب أولًا”.
@@@
لا يمكن لدولة أن تتقدم إذا لم تتوحد الرؤية بين قمتها وقاعدتها التنفيذية. لا يمكن لقطار الوطن أن يصل إلى محطته المنشودة إذا كان السائق يعرف الاتجاه، بينما يختلف مساعدوه على الخريطة أو لا يهتمون أصلًا بالوجهة. السؤال الجوهري هنا: هل يعرف كل مسؤول أين نحن الآن؟ وفي أي مرحلة نقف؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ أم أن هذه الأسئلة لا تشغل باله طالما أن مقعده آمن؟
@@@
لسنا بصدد تعميم ظالم، فهناك نماذج مشرفة لمسؤولين يعملون بإخلاص، ويفهمون معنى الدولة، ويتحركون في إطار الرؤية العامة، ويؤمنون بأن المنصب أمانة لا تشريف. لكن هذه النماذج، للأسف، لا تزال أقل من المطلوب في لحظة تحتاج إلى اصطفاف كامل خلف مشروع وطني جامع.
@@@
نحن على أعتاب مرحلة جديدة: برلمان جديد، وحكومة منتظرة، وتغييرات شاملة في مواقع متعددة. وهي فرصة حقيقية لإعادة ضبط البوصلة، وتجديد الدماء، وتأكيد أن معيار الاختيار هو القدرة على الفهم الشامل، والعمل بروح الفريق، والالتزام بمسطرة الدولة المستقيمة، لا مسطرة المصالح الضيقة.
@@@
إن مسطرة الرئيس الواضحة، ونظرته الثاقبة، ونهجه القائم على العمل والإيمان والصبر، يجب أن تكون النموذج الذي يُحتذى، لا الاستثناء الذي يُصفق له ثم يُترك وحيدًا في الميدان. فالرئيس مهما بلغ إخلاصه وقدرته لا يستطيع أن يحمل الوطن وحده، والدولة لا تُبنى بجهد فرد، بل بتكامل مؤسسات ورجال دولة يعرفون معنى المسؤولية.
@@@
وفي الختام، لا نملك إلا الدعاء بأن يوفق الله كل من تولى أمرًا من أمور هذا الوطن، وأن يجعل المسؤولية زادًا للإصلاح لا مطية للمصلحة، وأن يرزقنا مسؤولين يقتفون أثر الرئيس فعلًا لا قولًا. وإن كانت هناك دعوة مستجابة، فلتكن أن يحفظ الله مصر، ويسدد خطى قائدها، ويهدي من حوله ليكونوا على قدر الأمانة والتاريخ

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية