تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ليست مجرد مسرحية
لم تكن الكوميديا الساخرة يومًا مجرد ضحك عابر فوق خشبة المسرح، فالتاريخ كثيرًا ما يخبئ خلف الضحكات لحظات تتحول فيها الدراما إلى مأساة حقيقية. هكذا بدأت الحكاية بمسرحية كوميدية خفيفة عُرضت مرات عديدة فى لندن ونيويورك، قبل أن تصل إلى العاصمة الأمريكية واشنطن. وهناك، فى تلك الليلة، تحولت واحدة من أشهر المسرحيات الكوميدية فى زمانها إلى أحد أكثر المشاهد التراجيدية دموية فى التاريخ الأمريكي.
المسرحية كانت من تأليف الكاتب الإنجليزى توم تايلور، وتحمل عنوان «ابن عمنا الأمريكي». وهى مسرحية من ثلاثة فصول تدور أحداثها حول وصول رجل أمريكى بسيط وصريح إلى أقاربه الأرستقراطيين فى إنجلترا، ليطالب بحقه فى ميراث العائلة. ومن خلال هذا التباين الحاد بين شخصية الأمريكى المباشر والطبقة الأرستقراطية الإنجليزية المتحفظة، تتوالى المفارقات الساخرة التى كانت تثير موجات من الضحك المتواصل بين الجمهور.
أشهر مشاهد المسرحية كان فى الفصل الثالث، المشهد الثاني، حين تقف شخصية آسا ترينشارد، التى كان يؤديها الممثل المسرحى هارى هوك، ليقول موجهاً حديثه إلى السيدة ماونتشيسينجتون: «ألا تعرفين أخلاق المجتمع الراقي؟ حسنًا، أعتقد أننى أعرف ما يكفى لأقلبك رأسًا على عقب، أيتها العجوز القديمة».
كانت تلك الجملة بالذات هى لحظة الانفجار الكوميدى فى العرض، حيث تعلو القاعة عادة بعاصفة من القهقهات. وفى تلك الليلة تحديدًا، الرابع عشر من أبريل عام 1865، كان بين الحضور رجل يجلس فى المقصورة الرئاسية مصطحبًا زوجته، إنه الرئيس الأمريكى أبراهام لينكولن.
وبينما ارتفعت أصوات الضحك فى القاعة، استغل رجل آخر تلك اللحظة بعناية شديدة. كان اسمه جون ويلكس بوث، وهو ممثل مسرحى مشهور آنذاك، لكنه كان متعاطفًا بقوة مع الولايات الكونفيدرالية فى الحرب الأهلية الأمريكية. تسلل بوث إلى المقصورة الرئاسية، وأطلق رصاصة مباشرة فى رأس الرئيس.
بعدها قفز إلى خشبة المسرح، ورفع يده صارخًا بكلمات ثورية، معلنًا ما اعتبره انتصارًا لقضيته. والمفارقة أن كثيرًا من الحاضرين اعتقدوا فى اللحظة الأولى أن ما يحدث أمامهم جزء من العرض المسرحى نفسه، وأن المشهد ليس سوى امتداد للدراما الكوميدية التى كانوا يتابعونها.
لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة من أى خيال مسرحي. فقد تم نقل لينكولن سريعًا إلى منزل قريب فى محاولة لإنقاذ حياته، بينما بدأت مطاردة واسعة للقاتل. غير أن محاولات الأطباء باءت بالفشل، ليُعلن فى صباح اليوم التالى وفاة الرئيس، ويصبح بذلك أول رئيس أمريكى يُغتال فى التاريخ.
أما جون ويلكس بوث فقد تمكن من الفرار من المسرح وهو يحمل خنجرًا يلوّح به فى وجه كل من يحاول إيقافه، حتى وصل إلى حصانه الذى كان ينتظره خارج المسرح، وغادر واشنطن هاربًا. وبعد مطاردة استمرت عدة أيام، تمكنت قوات الجيش من محاصرته فى أحد حقول التبغ بولاية فرجينيا. أُضرمت النيران فى الحقل لإجباره على الخروج، وعندما حاول الهرب وإطلاق النار على القوات، أصابته رصاصة قاتلة، لتنتهى حياته بعد أسبوع واحد فقط من اغتيال لينكولن.
وهكذا تحولت ليلة كان يفترض أن تكون مجرد عرض مسرحى كوميدى إلى واحدة من أكثر اللحظات مأساوية فى التاريخ السياسى الأمريكي.
وإذا كان التاريخ قد شهد مثل هذه اللحظات التى تختلط فيها الدراما بالحقيقة، فإن العالم اليوم يعيش مشهدًا لا يقل تعقيدًا. فالحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران كشفت عن صدع متزايد فى العلاقات بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية. فالدول الأوروبية الكبري، رغم تحالفها التاريخى مع الولايات المتحدة، أعلنت بوضوح أنها لا ترغب فى الانخراط فى مواجهة عسكرية جديدة فى الشرق الأوسط، وعبّر مسئولون أوروبيون عن ذلك بعبارة مختصرة لكنها كاشفة: «هذه ليست حربنا».
ذلك الموقف يعكس حالة تباعد متنامية بين ضفتى الأطلسي، حيث باتت أوروبا أكثر حذرًا فى الانجرار وراء مغامرات عسكرية جديدة، خصوصًا بعد التجارب المريرة فى العراق وأفغانستان. وبينما تبدو واشنطن أحيانًا وكأنها تمضى منفردة فى طريق التصعيد، يفضّل الأوروبيون سياسة الاحتواء والحسابات الباردة.
وهكذا، من مسرحية كوميدية انتهت باغتيال رئيس، إلى عالم سياسى يموج بالصراعات والتحالفات المتغيرة، يبقى التاريخ دائمًا مليئًا بالمفارقات التى تؤكد أن ما يبدو فى البداية مجرد مشهد عابر قد يتحول فى لحظة واحدة إلى حدث يغيّر مسار الزمن.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية