تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الغريق لا يخشى من البلل
تقول الحكمة الشعبية إن الغريق لا يخشى من البلل. وهي عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها معنى عميقًا يتعلق بطبيعة النفس البشرية عندما تصل إلى حافة الخسارة الكبرى. فالإنسان الذي يفقد الكثير، أو يشعر أن ما تبقى لديه قليل أو مهدد بالضياع، يتحول تدريجيًا إلى شخص أكثر جرأة، وربما أكثر تهورًا. ذلك لأن الخوف غالبًا ما يرتبط بما نخشى فقدانه، فإذا تضاءل ما نملكه أو بدا مهددًا بالكامل، تضاءلت معه حسابات الخوف.
هذه الفكرة ليست مجرد تأمل فلسفي أو حكمة شعبية، بل هي قاعدة متكررة في التاريخ والسياسة. فالدول، مثل الأفراد، عندما تتعرض لضغوط هائلة أو خسائر ضخمة، قد تتصرف بطريقة مختلفة تمامًا عن سلوكها في الظروف الطبيعية. تتحول الحسابات الباردة إلى قرارات حادة، وتصبح المخاطرة خيارًا مقبولًا، بل أحيانًا الخيار الوحيد المتاح.
في التاريخ أمثلة عديدة تؤكد هذه القاعدة. فخلال الحرب العالمية الثانية، عندما بدا أن ألمانيا النازية بدأت تفقد زمام المبادرة العسكرية بعد هزيمة ستالينجراد عام 1943، لم تتجه القيادة الألمانية إلى التهدئة أو التراجع الاستراتيجي. على العكس، اتجهت إلى تصعيد العمليات العسكرية، وإطلاق مشاريع أسلحة جديدة مثل صواريخ "V2"، في محاولة لقلب موازين الحرب. كان ذلك نوعًا من السلوك الذي يعكس عقلية الدولة التي تشعر أنها تخسر الكثير بالفعل، وأن التردد لن ينقذها.
وفي التاريخ القديم، نجد مثالًا شهيرًا في قصة القائد القرطاجي هانيبال خلال حروبه مع روما. عندما عبر جبال الألب بجيشه إلى الأراضي الإيطالية، كان يدرك أن العودة ليست خيارًا سهلًا. هذه المغامرة العسكرية الضخمة كانت قائمة على فكرة بسيطة: عندما تقطع طريق العودة، يصبح القتال حتى النهاية هو الخيار الوحيد. وهو منطق يخلق حالة نفسية مختلفة لدى الجنود والقادة معًا.
بل إن هذه الفكرة استخدمها قادة عسكريون كتكتيك متعمد. يُروى أن بعض القادة في التاريخ كانوا يحرقون السفن بعد الوصول إلى أرض المعركة حتى لا يفكر الجنود في التراجع. الرسالة كانت واضحة: لا طريق للعودة. عندما يصبح التراجع مستحيلًا، يتحول القتال إلى مسألة بقاء.
هذا النمط من السلوك لا يقتصر على الحروب العسكرية فقط، بل يظهر أيضًا في السياسة الدولية الحديثة. الدول التي تشعر بأنها محاصرة أو مستهدفة قد تميل إلى تبني سياسات أكثر حدة. فبدلًا من التراجع تحت الضغط، قد تختار التصعيد، لأن القادة يرون أن التراجع قد يفتح الباب لمزيد من الضغوط وربما لانهيار النظام نفسه.
وفي هذا السياق يمكن فهم جانب من سلوك إيران في صراعها الطويل والمعقد مع الولايات المتحدة. فالعلاقة بين البلدين منذ الثورة الإيرانية عام 1979 اتسمت بالتوتر والصدام السياسي والاقتصادي، وصولًا إلى العقوبات القاسية التي فُرضت على طهران خلال العقود الأخيرة. هذه العقوبات لم تكن مجرد إجراءات اقتصادية عادية، بل كانت ضغوطًا هائلة استهدفت الاقتصاد الإيراني ومصادر دخله الأساسية.، وجاءت الحرب الجارية لتكشف هذه الفكرة
عندما تجد دولة نفسها تحت هذا النوع من الضغوط والحصار تتغير طريقة تفكيرها الاستراتيجية. فبدلًا من البحث عن حلول تقليدية، قد تتجه إلى توسيع أدوات الردع، سواء عبر تطوير برامج عسكرية، أو عبر بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين، أو عبر استخدام أوراق ضغط غير تقليدية في الصراع الدولي.
من وجهة نظر القيادة الإيرانية، فإن التراجع الكامل تحت الضغط قد يعني فقدان النفوذ الإقليمي وربما تهديد استقرار النظام نفسه. ولذلك فإن المخاطرة تصبح أقل تكلفة من الاستسلام. هنا يظهر منطق "الغريق لا يخشى من البلل": عندما يكون البديل هو الغرق الكامل، فإن البلل لم يعد أمرًا مخيفًا.
لكن هذا المنطق يحمل أيضًا قدرًا كبيرًا من الخطورة. فالتصرف من موقع الخسارة أو الحصار قد يدفع الدول إلى قرارات غير محسوبة، ويزيد من احتمالات سوء التقدير. وفي العلاقات الدولية، يكفي خطأ صغير في الحسابات حتى يتحول التوتر إلى صراع مفتوح.
التاريخ يعلمنا أن الدول القوية ليست فقط تلك التي تمتلك القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا تلك التي تستطيع إدارة لحظات الضعف دون أن تنجرف إلى مغامرات مدمرة. فبين الجرأة والتهور خيط رفيع للغاية.
وفي النهاية، تبقى الحكمة الشعبية صحيحة إلى حد بعيد: الغريق لا يخشى من البلل.
لكن السؤال الأهم ليس لماذا لا يخشى البلل، بل كيف وصل أصلًا إلى لحظة الغرق. فالدول، كما الأفراد، لا تصل إلى تلك اللحظة فجأة، بل عبر سلسلة طويلة من القرارات والصراعات والتوازنات المختلة وعندما يصل الغريق إلى تلك اللحظة يصبح أمامه كل شيئ ممكنا .
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية