تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > نشأت الديهي > الأقفال صدئة.. فماذا عن المفاتيح؟

الأقفال صدئة.. فماذا عن المفاتيح؟

كثيرًا ما نقف حائرين أمام مشاهد الفشل المتكررة فى إدارة الشأن العام، ونتساءل بمرارة: لماذا يخفق بعض من جلسوا على مقاعد المسئولية فى أداء مهام سعوا إليها طويلاً، وربما ناضلوا من أجلها سنوات؟ أهو خلل فى الأشخاص أم فى المنظومة؟ أم أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من اختزالها فى سبب واحد مباشر؟

‎الحقيقة أن الفشل فى المناصب العامة ليس وليد لحظة، ولا نتاج قرار فردى عابر، بل هو نتيجة تراكمات طويلة ومعقدة، تتشابك فيها عوامل الأشخاص والمؤسسات والظروف معًا. فبعض المسئولين لم يأتوا إلى مواقعهم عبر طرق واضحة أو معايير موضوعية، بل تسللوا من شوارع جانبية ضيقة، شُيّدت بالوساطات والمصالح الشخصية والفساد المقنّع. هؤلاء لم يحملوا معهم رؤية أو مشروعًا، بل حملوا منطق «البقاء» لا «الإصلاح»، فكان من الطبيعى أن يعجزوا عن إدارة ملفات أكبر من قدرتهم، وأن يتحول المنصب فى أيديهم إلى غاية لا وسيلة.

‎لكن الظلم كل الظلم أن نُحمّل الأشخاص وحدهم وزر الفشل، وكأنهم يعملون فى فراغ. فهناك أطر مؤسسية عتيقة، ترسّخت عبر عقود، تنتصر للشكل على حساب المضمون، وتُقدّس الصورة الخارجية ولو كانت خاوية من أى معني. مؤسسات تعاقب المبادرة وتكافئ الجمود، وتخشى التغيير كأنه لعنة، فتصفق للخطابات الرنانة وتخنق الأفكار الجادة. فى مثل هذه البيئات، حتى المسئول الجاد يجد نفسه محاصرًا بلوائح بالية، وإجراءات معقدة، ومقاومة شرسة لأى محاولة تحريك.

‎وهناك سبب ثالث لا يقل خطورة، يتمثل فى عمق الأزمات وتراكم المشكلات عبر سنوات طويلة من الإهمال وسوء الإدارة. أزمات متداخلة تشبه نسيجًا ممزقًا، أصبح الخرق فيه أوسع من قدرة أى راتق على الرتق السريع. فكيف نطلب من مسئول جديد، مهما بلغت كفاءته، أن يُصلح فى شهور ما أُفسد فى عقود؟ وكيف ننتظر حلولاً سحرية فى ظل موارد محدودة، وتوقعات شعبية مرتفعة، وضغوط سياسية وإعلامية لا تهدأ؟

‎ورغم كل ذلك، يظل المنصب العام أمانة ثقيلة، لا يجوز التذرع بصعوبة الظروف للهروب من المسئولية. فمن يقع عليه الاختيار لشغل موقع عام، كان الله فى عونه، نعم، لكنه أيضًا مطالب بأن يكون على قدر هذا العون. فالناس بطبعهم لا يرضون، وسبحان من يرضى العباد، لكن هذا لا يعفى المسئول من بذل أقصى ما يستطيع، ولايمنحه حق الاستسلام أو التماهى مع الفشل القائم.

‎قبل أن يغطس أى مسئول فى بحر السلطة اللُّجِّي، وقبل أن تأخذه «الندّاهة» التى لا ترحم، عليه أن يتوقف لحظة صادقة مع نفسه، ليدرك عِظم ما أُوكل إليه. فالسلطة ليست زينة، ولا وجاهة اجتماعية، ولا فرصة للنفوذ، بل اختبار قاسٍ للضمير والكفاءة والشجاعة. ومن لا يحتمل هذا الاختبار، فالأجدر به ألا يقترب من أبوابه.

‎إن المسئول، فى جوهره، ليس إلا مفتاحًا. مفتاحًا أُتى به ليفتح أقفالاً قديمة، صدئة، تراكم عليها الغبار والفساد والبيروقراطية عبر عقود. وهذا المفتاح إن لم يكن صلبًا، واعيًا، قادرًا على إزالة طبقات الصدأ أولًا، فلن يفتح شيئًا، بل سيتآكل هو الآخر. فالصدأ لا يرحم، إما أن تُزيله أو يُصيبك.

‎الخطر الحقيقى لا يكمن فى وجود أقفال صدئة، فذلك واقع مفهوم، بل فى أن نعتاد وجود مفاتيح قابلة للصدأ. مفاتيح تدخل المنظومة بنوايا حسنة، ثم تضعف، أو تساوم، أو تتكيف مع الفساد بدعوى «الواقعية». عندها لا يعود الفرق كبيرًا بين قفل لم يُفتح ومفتاح فقد صلابته.

‎وفى النهاية، إن الإصلاح الحقيقى يحتاج إلى مفاتيح لا تصدأ، وإلى شجاعة مواجهة الماضى لا التعايش معه، وإلى مؤسسات تُجدد ذاتها، لا تُعيد إنتاج عجزها. فالأقفال مهما بلغت درجة صدئها، يمكن فتحها، لكن فقط حين نمتلك المفاتيح الصحيحة، والإرادة التى لاتخشى الاحتكاك بالصدأ.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية