تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

تهبط الليلة على القلب هبوط الرحمة على الجرح القديم، وكأن السماء تفتح أبوابها ببطءٍ لتقول للروح: تعالي. هذه ليست ليلة عابرة في عمر الزمان، بل نافذة من الأبد أطلَّت على قلوب العابدين، وموعدٌ سرّي بين الأرض والسماء، بين عبدٍ ضعيف وربٍّ كريم.

هذه ليلتي…

ليلة أقف فيها على عتبة الرحمة عاريًا من كل شيء، لا أحمل معي إلا قلبي، ولا أملك بين يديّ سوى الاعتراف.

خلعتُ عن روحي أثقال الأيام، ونفضتُ عن قلبي غبار الدنيا، وقلت لنفسي: إن كنتَ تريد الله، فتعال كما أنت، بلا حيلة ولا ادّعاء.

هذه الليلة لا يصل فيها إلى الله إلا الصادقون. الذين ألقوا الدنيا خلف ظهورهم ساعةً، ورفعوا وجوههم إلى السماء بقلوبٍ خاشعة كأنهم أطفال تائهون عادوا أخيرًا إلى حضن أمّهم.

في هذه الليلة أشعر أن الدنيا كلها تصغر حتى تصبح كحبّة رمل في يد عابر.

كم ركضنا خلفها! كم ظننا أنها الغاية! وها أنا الليلة أراها كما هي: ظلٌّ زائل، وحلم قصير، ومرحلة في طريقٍ أطول.

هذه ليلتي…


ليلة أتجرّد فيها لله تجرد الغريب حين يترك كل شيء ليعود إلى وطنه الأول.

أقف بين يديه بلا مال ولا جاه ولا عمل أتباهى به، بل أقف بضعفي كله.

ربي…

أنا الذي ضيّع العمر بين خوفٍ من الخلق ورجاءٍ في الخلق، حتى نسيتُ أن الخلق كلهم فقراء إليك. فاغفر لي جهلي.

في هذه الليلة يتعلّم القلب درسًا عظيمًا: أن الثقة ب الله ليست كلمة تُقال، بل حالٌ يسكن الروح.

حين يهدأ الضجيج في داخلي، وأدرك أن الله يدبّر أمري منذ كنتَ نطفة لا اسم لها.

حين أتذكر كم مرة ضاقت بي السبل ففتح لي بابًا لم يخطر لي ببال. فأبتسم رغم كل شيء.

ربي…

أنا لا أثق بعملي، ولا أطمئن إلى عبادتي، ولا أرى نفسي أهلًا لكرمك. لكنني أثق بك أنت.

أثق برحمتك التي سبقت غضبك.

أثق بعفوك الذي يمحو الجبال من الذنوب.

أثق بأنك لن ترد قلبًا جاءك مكسورًا.

هذه ليلتي…

ليلة الأمل الكبير. الأمل الذي يولد حين يجلس العبد في ظلمة الليل يناجي ربّه، فيشعر أن الكون كله صامتٌ ليستمع إلى دعائه.

رباه…
كم أخطأت! كم قصّرت! كم تأخرت عنك وأنت تنتظرني! لكنني الليلة جئت. جئت بلا تبرير، بلا حجة، بلا شيء… إلا شوقٍ قديم إلى رحمتك.


في هذه الليلة يفهم القلب معنى الزهد. ليس الزهد أن تترك الدنيا بيدك فقط، بل أن تخرج من قلبك. أن ترى المال وسيلة لا غاية، والناس عابرين لا آلهة صغيرة نطلب رضاها.

الزهد أن تقول للدنيا: مرّي كما شئت… فقلبي مشغول بشيءٍ أعظم.

هذه ليلتي…

ليلة أتعلم فيها أن السعادة ليست في امتلاك الأشياء، بل في القرب من الله.

ما أغرب هذا السر! كم ظن الناس أن الفرح في المال، أو في الشهرة، أو في كثرة المتاع. لكن العارفين ب الله وجدوا سرًا آخر: أن أجمل لحظات الحياة قد تكون في سجدة طويلة لا يراك فيها أحد.

هناك… حيث تسقط الدموع على الأرض، ويصعد القلب إلى السماء.

هناك… حيث لا يبقى بينك وبين الله إلا الصدق.

ربي…

إن كان في صحيفتي ذنبٌ أثقلني، فامحه. وإن كان في قلبي قسوة، فأذبها. وإن كان في روحي بعدٌ عنك، فقربني.

هذه ليلتي…

ليلة أرجو فيها الآخرة أكثر مما أخاف الدنيا. فما الدنيا إلا ممر، وما نحن فيها إلا مسافرون.

كم من ملكٍ كان يملأ الأرض هيبةً ثم صار تحت التراب! وكم من فقيرٍ لا يملك شيئًا صار اليوم في جنات النعيم! العبرة ليست بما نملك، بل إلى أين سنصل.

وفي هذه الليلة، حين أنظر إلى السماء المليئة بالنجوم، يخطر في قلبي سؤالٌ عجيب: كم من الملائكة تنزل الآن تحمل الرحمة؟ كم من الأقدار تُكتب؟ كم من الدعوات تُرفع؟

ربي .. اجعل اسمي بين المرحومين.


هذه ليلتي…

ليلة الرجاء العظيم. رجاء أن يبدّل الله خوفي أمنًا، وحزني طمأنينة، وضعفي قوة.

رجاء أن يبدّل قلبي قلبًا جديدًا يعرف الطريق إليك.

رجاء أن أخرج من هذه الليلة إنسانًا آخر… أخفّ ذنبًا، وأقرب روحًا، وأصدق نية.

ربي… إن كنتُ قد ضيعت أيامي، فلا تضيع هذه الليلة. وإن كنتُ قد غفلت طويلًا، فاجعل هذه الساعة يقظتي.

هذه ليلتي…

ليلة أمدّ فيها يدي إلى السماء وأقول: يا رب، لا أريد من الدنيا شيئًا إن كنتَ راضيًا عني. فإن رضيتَ عني، فكل شيءٍ بعد ذلك يسير. وإن أعرضتَ عني، فلا قيمة لكل ما في الأرض.

ربي… علّمني أن أحبك أكثر من نفسي.

علّمني أن أرجوك أكثر مما أخاف الدنيا.

علّمني أن أعيش لك.

هذه ليلتي…

ليلة أودّع فيها الغفلة. وأستقبل فيها فجرًا جديدًا من الطاعة. فإن خرج الفجر وقد غفرتَ لي، فقد ربحتُ العمر كله. وإن كتبتني من عتقائك من النار، فما أعظم الكرم!

ربي… اجعل هذه الليلة بداية الطريق إليك، لا مجرد محطة عابرة.

واجعل قلبي بعد هذه الليلة قلبًا يعرفك… ويحبك… ولا ينسى.


فهذه… يا رب… ليست ليلة من ليالي العمر فقط.

هذه ليلتي معك.. ليلة العودة إليك.. والرجاء فيك..

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية