تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
في حضرة الألم… هذه شهادتي
في حضرة الألم، لا تُقال الكلمات كما ينبغي، ولا تُكتب كما نريد؛ إذ يقف المعنى مثقلًا، وتتعثر اللغة وهي تحاول أن تفي بما نرى ونشعر. ومع ذلك… لا بد من الشهادة.
هذه ليست محاولة لتفسير ما يحدث، ولا ادعاءً بإحاطةٍ بما يجري، بل هي وقفة صادقة أمام مشهدٍ يفيض وجعًا، وإقرارٌ بأننا رأينا، وأن قلوبنا - رغم كل شيء - لم تغب تمامًا.
نكتب لأن الصمت، حين يطول، يتحول إلى نوعٍ من النسيان.
ونشهد لأن الاعتياد أخطر من الألم نفسه.
في كل مرة نفتح فيها أعيننا على أخبار العالم، نشعر وكأننا نقف على حافة عجزٍ ثقيل؛ نرى الألم يتكرر، والوجوه المنهكة تتشابه، والمآسي تتناسل دون أن نملك لها دفعًا.
يتسلل إلى القلب سؤال مُرّ: ماذا بوسعنا أن نفعل؟ وهل صار أقصى ما نملكه هو الحزن الصامت، أو متابعة المشاهد وكأنها قدرٌ لا يُدفع ولا يُراجع؟
هذا الشعور ليس ضعفًا، لكنه قد يتحول إلى ذلك إذا استسلمنا له. لأن العجز الظاهر - مهما كان ثقيلًا - لا يعني سقوط التكليف. بل ربما يكون هذا الشعور نفسه هو بداية الوعي بالمسؤولية. فالإنسان لا يُكلَّف بما لا يطيق، لكنه يُسأل عما يستطيع، ولو كان يسيرًا في عين الناس، عظيمًا في ميزان الصدق.
المشكلة ليست في حدود قدرتنا، بل في انسحابنا قبل أن نبلغ تلك الحدود.
في زمن الفتن، تتبدل المعاني، ويضيق مفهوم "الفعل" حتى نظنه محصورًا في النتائج الكبرى: نصرٌ ظاهر، أو تغييرٌ شامل، أو أثرٌ يصفق له الناس. غير أن من أعمق المعاني التي نحتاج استعادتها اليوم هو معنى "الشهادة": أن تكون شاهدًا على الحق، لا غافلًا عنه، ولا متصالحًا مع نقيضه.
أن تشهد، يعني أن ترى الألم ولا تعتاده.
أن تسمع الصراخ ولا تُطبع أذنك عليه.
أن ترفض، ولو في داخلك، أن يتحول الظلم إلى خبر عابر بين نشراتٍ مزدحمة.
الشهادة ليست موقفًا خارجيًا فقط، بل حالة داخلية من اليقظة. هي أن تبقي في قلبك مساحةً حيّة لا يطفئها التكرار، ولا تُخدّرها كثرة المشاهد. هي أن تقاوم ذلك الصوت الخفي الذي يقول لك: "لا جدوى… اعتدْ وانصرف". لأن الاستسلام لهذا الصوت ليس راحة، بل بداية فقدان شيء أثمن: إنسانيتك.
وفي هذه الأيام المباركة، حيث تُصفّى القلوب وتُراجع النفوس، قد يظن البعض أن الانشغال ب العبادة انسحاب من واقع مثقل بالجراح. لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ ف العبادة في جوهرها ليست هروبًا من العالم، بل إعادة تشكيل للإنسان ليكون أقدر على مواجهته.
الصيام ليس كفًّا عن الطعام فقط، بل تدريب على كبح اللامبالاة، وعلى تهذيب الاستجابة لما حولنا. و الدعاء ليس بديلًا عن الفعل، بل وقودًا له، يعيد ربط الإنسان بمصدر المعنى والقوة.
إن العبادة التي لا تُثمر حساسيةً أعلى تجاه الألم الإنساني، تحتاج إلى مراجعة. لأن من مقاصدها أن تُخرج الإنسان من أنانيته الضيقة إلى أفق أوسع، يرى فيه نفسه جزءًا من أمة، بل من إنسانية مشتركة، يتأثر بأوجاعها ولا يتنصل منها.
وحين نذكر القدس، فإننا لا نستحضر مجرد مدينة تتكرر في نشرات الأخبار، بل نستدعي معنىً متجذرًا في الضمير. إنها ليست خبرًا عابرًا، بل سؤالٌ حيّ: هل ما زلنا نشعر؟ أم أننا بدأنا نفقد تلك القدرة تدريجيًا تحت ضغط التكرار؟
القدس ليست وحدها؛ إنها مرآة لآلام كثيرة، لكنها أيضًا معيار يقيس درجة يقظتنا. فإما أن تكون حاضرًا بوجدانك، أو تنسحب تدريجيًا إلى منطقة باردة لا تمسّها المعاناة. وهذه المنطقة، وإن بدت مريحة، هي أخطر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان: أن يرى ولا يتأثر، وأن يعلم ولا يتحرك داخليًا.
وإذا كان السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ فالإجابة ليست في اختراع أدوار بطولية، ولا في تحميل النفس ما لا تطيق، بل في استعادة الأدوار الصادقة:
أن تقول كلمة حق دون تزييف، في زمن تختلط فيه الروايات.
أن تنقل الوعي بصدق، لا بتهويل يفرغ المعنى، ولا بتبلد يقتل الإحساس.
أن تدعم بما تستطيع، دون استهانة بأثر القليل.
أن تربي نفسك ومن حولك على أن الألم الإنساني ليس مادة للاستهلاك، بل مسؤولية أخلاقية.
بل إن من أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان في هذا الزمن، أن يحرس قلبه من التبلد. أن يرفض أن تتحول المأساة إلى "محتوى"، وأن يقاوم إغراء التجاوز السريع نحو الخبر التالي. لأن ما يُفقدنا إنسانيتنا ليس فقط ما يحدث، بل كيف نتعامل معه.
ليس المطلوب أن تغيّر العالم دفعة واحدة، بل أن لا يسمح قلبك للعالم أن يغيّرك إلى نسخة أقل إحساسًا، أقل اكتراثًا، أقل صدقًا. أن تبقى وفيًا لذلك الجزء فيك الذي يتألم للآخرين، حتى لو لم تستطع أن تغيّر واقعهم.
وفي ختام هذه الشهادة، لا أزعم أنني قلت ما يكفي، ولا أن الكلمات أوفت ما رأت القلوب. لكن يكفيني أنني لم أصمت، ولم أعتد، ولم أُسقط عن نفسي واجب الشعور.
قد لا نملك أن نوقف الألم، لكننا نملك أن لا نخونه بالصمت الداخلي.
وقد لا نستطيع أن نكون صانعي الأحداث، لكننا نستطيع أن نكون شهودًا لا ينام ضميرهم.
وفي زمن يعتاد فيه العالم على الوجع…
هذه شهادتي.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية